هل الله ذكر أم أنثى؟
سؤال رقم 1040
السؤال
هل الله ذكر أم أنثى؟ ولماذا يتحدث القرآن والمسلمون عن الله بضمير المذكر «هو»؟
ملخص الجواب
ليس لله جنس. فالقرآن يقرر أنه ليس كمثله شيء (سورة الشورى: 11)، وأنه لم يلد ولم يولد (سورة الإخلاص: 3)، وقد اتفق متكلمو السنة والشيعة على أن الله لا يشبه شيئاً من خلقه. وضمير «هو» تقتضيه قواعد العربية التي لا تعرف المحايد، والقرآن يتحدث عن الله كذلك بضميري «أنا» و«نحن». واسم الله «الرحمن» يشترك في أصله مع «الرَّحِم».
الجواب
الحمد لله

هل لله جنس؟ جواب القرآن وعلم العقيدة الإسلامية واضح: الله ليس ذكراً ولا أنثى. فالذكورة والأنوثة من صفات المخلوقات، والله خالق كل مخلوق. ويتحدث المسلمون عن الله بضمير المذكر «هو» لأن عربية القرآن تتحدث عنه به، والعربية لا تعرف ضمير المحايد. فالضمير من خصائص اللغة، ولا يخبرنا بشيء عن ذات الله التي لا يحيط بها وصف مأخوذ من المخلوقات.
هل الله ذكر أم أنثى؟
أوضح ما في القرآن في تنزيه الله عن مشابهة خلقه آيةٌ من سورة الشورى:
لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ
وهذه الآية نفسها تبدأ بذكر أن الله جعل للناس من أنفسهم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً. فالزوجية من شأن الخلق: ﴿وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة الذاريات: 49). والذي خلق الذكر والأنثى ليس أحد الزوجين، فهو سبحانه ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ (سورة الأنعام: 103)، و﴿لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ﴾ (سورة الإخلاص: 3). وجمهور متكلمي السنة والشيعة على أن الله ليس جسماً، وكلهم متفقون على أنه لا يشبه شيئاً من خلقه، والذكورة والأنوثة من صفات الأجسام المخلوقة. وهذا الإيمان بوحدانية الله وتفرّده هو لبّ التوحيد.
لماذا يقول القرآن عن الله «هو»؟
كل اسم في العربية إما مذكر وإما مؤنث، وليس فيها ضمير محايد للعاقل، والمذكر هو الصيغة الأصلية غير المعلَّمة. فالشمس مؤنثة في اللغة والقمر مذكر، ولا يستنتج أحد من ذلك شيئاً عن الشمس والقمر. وكثير من الألفاظ الدالة على المعاني الإلهية مؤنثة: الرحمة، والحكمة، والقدرة، واللفظ الذي يستعمله المتكلمون للدلالة على حقيقة الله نفسها، وهو «الذات».
ويتنقّل القرآن نفسه بين الضمائر في الحديث عن الله. فهو سبحانه يتكلم بضمير المفرد: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات: 56). ويتكلم بضمير «نحن»: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9). ويتحدث عنه القرآن بضمير الغائب «هو». فما دلّ «نحن» قط على أن الله متعدد، ولا دلّ «هو» قط على أن الله رجل، وإنما هما من أساليب العربية في الحديث عن ربّ ذي جلال قريب من عباده.
هل يُسمّى الله أباً في الإسلام؟
لم يسمِّ القرآن الله أباً ولا أماً قط، وهو يُعرض عن كل وصف لله بالأبوة والولادة:
لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ
وقد عاب القرآن على مشركي مكة أنهم جعلوا الملائكة بنات لله (سورة الزخرف: 19؛ سورة النجم: 27)، وردّ كذلك دعوى أن الله اتخذ ولداً (سورة مريم: 92). وصلة الله بخلقه أقرب من كل صلة قرابة: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ (سورة ق: 16). وفي جواب هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟ موازنة بين طريقة المسيحيين وطريقة المسلمين في الحديث عن الله.
ما صلة رحمة الله بالرَّحِم؟
تُفتتح سور القرآن كلها إلا واحدة بالبسملة، وفيها اسم الله «الرحمن». وهذا الاسم من مادة (ر ح م)، ومنها كذلك «الرَّحِم»، وهي موضع الجنين من أمه. وقد أخبر النبي ﷺ أن الله نفسه هو الذي وصل بينهما:
«قَالَ اللَّهُ أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي»
سنن أبي داود 1694، وصححه الألباني
وحين وجدت امرأة من السبي في المدينة صبيّها الذي فقدته، فضمّته إلى صدرها، سأل النبي ﷺ أصحابه: أترونها تطرح ولدها في النار؟ قالوا: لا. فقال: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (صحيح البخاري 5999). فالصورة التي يرسمها التراث نفسه لمحبة الله هي صورة الأم.
ماذا قال ابن عربي والصوفية عن الأنوثة والتجلي الإلهي؟
قسّم علماء المسلمين أسماء الله إلى أسماء الجمال، كاللطيف والودود والرحيم، وأسماء الجلال، كالعزيز والمتعالي. وقد بيّنت الباحثة اليابانية ساتشيكو موراتا (Sachiko Murata) في كتابها «The Tao of Islam» (1992) كيف قرأ مفكرو المسلمين، من ابن عربي إلى شعراء الفرس، هاتين المجموعتين من الأسماء على أنهما متكاملتان، كالين واليانغ في الفكر الصيني، ورأوا أثرهما معاً في الرجال والنساء.
وقد تأمّل ابن عربي (ت 638هـ/1240م)، في الفص المحمدي من كتابه «فصوص الحكم»، قولَ النبي ﷺ: «حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» (سنن النسائي 3939). وقرّر أن المرأة أكمل موضع يُشهد فيه تجلّي الحق. وتراثٌ يقول هذا لم يتصوّر الله ذكراً قط. وفي جواب ما هو التصوف؟ مزيد عن هذه المدرسة.
هل يجوز أن يُشار إلى الله بضمير «هي»؟
عربية القرآن تستعمل «هو»، وأكثر المسلمين يحتفظون بضمير المذكر (He) حين يتكلمون بالإنجليزية، حرصاً على القرب من ألفاظ الوحي. ويستعمل بعض العلماء المسلمين ضمير المؤنث (She) أحياناً. فقد ذهبت أمينة ودود (Amina Wadud)، صاحبة كتاب «Qur’an and Woman»، إلى أن ضمير المذكر ليس وصفاً حرفياً لله، وأن سماع «هي» قد يذكّر المؤمنين بذلك. وتستعمل عائشة شودري (Ayesha Chaudhry) الضميرين كليهما في كتابها «The Colour of God». ويجمع هؤلاء الكتّاب جميعاً يقينُ التراث بأن الله لا يحصره ضمير.
ويفتح القرآن طريقاً يسلكه كل مسلم من قبل:
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ
كلمة في الختام
الله فوق كل صورة نتصوره بها، وهو أقرب إلينا من أي صورة. وفي الرجال والنساء جميعاً أثر من أسمائه، وكلاهما يقف بين يديه بكرامة متساوية، كما يقرر القرآن في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟. وإذا عجزت الألفاظ، فادعُه بالأسماء التي سمّى بها نفسه:
وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَا
يا رحمن يا رحيم، يا من شققت للرحم اسماً من اسمك، احتضن كل من يقرأ هذه السطور بأرحم مما تحتضن الأم ولدها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الله رجل؟
لا. فليس لله جسم ولا جنس، ولا مثيل له في المخلوقات (سورة الشورى: 11). والرجل والمرأة كلاهما من خلق الله، خلقهما زوجين، وخالق الأزواج متعالٍ عنها.
لماذا يستعمل القرآن ضمير «هو» في الحديث عن الله؟
الأسماء في العربية إما مذكرة وإما مؤنثة، ولا محايد فيها، والمذكر هو الأصل. فضمير «هو» من قواعد اللغة، والقرآن يجعل الله يتكلم كذلك بضميري «أنا» و«نحن» دون أن يدل ذلك على أكثر من إله واحد.
هل يجوز أن يُشار إلى الله بضمير المؤنث «هي»؟
عربية القرآن نفسها تستعمل «هو»، وأكثر المسلمين يحتفظون بضمير المذكر حين يتكلمون بالإنجليزية. وبعض العلماء المسلمين، ومنهم أمينة ودود، يستعملون «هي» أحياناً ليبيّنوا أن الضمير ليس وصفاً لله. ودعاء الله بأسمائه، كالرحمن، يُغني عن المسألة كلها (سورة الإسراء: 110).
ما قول الشيعة في هذه المسألة؟
يتفق علم الكلام الشيعي على أن الله ليس جسماً ولا جنس له. والخطبة الأولى من «نهج البلاغة»، المنسوبة إلى الإمام علي، تعلّم أن الله فوق كل وصف مأخوذ من المخلوقات.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ساتشيكو موراتا، The Tao of Islam: A Sourcebook on Gender Relationships in Islamic Thought (مطبعة جامعة ولاية نيويورك، 1992)
- ابن عربي، «فصوص الحكم» (الفص المحمدي)
- سنن أبي داود 1694 (أنا الرحمن وهي الرحم)
- صحيح البخاري 5999 (الله أرحم بعباده من الأم بولدها)
- أمينة ودود، Inside the Gender Jihad: Women's Reform in Islam (Oneworld، 2006)
- عائشة شودري، The Colour of God
الصورة: Phillip Maiwald (Nikopol), The inner dome of the Sheikh Lotfollah Mosque, Isfahan, 2008. CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور