ما هو التصوف؟
سؤال رقم 1110
السؤال
ما هو التصوف؟ وبماذا يؤمن الصوفية وماذا يمارسون؟ وهل التصوف جزء من الإسلام الذي عليه جمهور الأمة؟
ملخص الجواب
التصوف هو البعد الباطن في الإسلام، والسعي إلى ما سمّاه النبي ﷺ الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه. نشأ من دعوة القرآن إلى الذكر والمحبة، وصاغته رابعة والجنيد والغزالي والرومي وابن عربي، ويحيا اليوم في طرق كالقادرية والنقشبندية والشاذلية والجشتية والمولوية. وقد عدّه ابن خلدون من العلوم الشرعية.
الجواب
الحمد لله

التصوف هو البعد الباطن في الإسلام: طريق تزكية القلب، ودوام ذكر الله، والوصول إلى محبته. وغايته المقام الذي سمّاه النبي ﷺ الإحسان. وقد نشأ التصوف في قلب التيار العام للإسلام، وفي أكثر تاريخ المسلمين سلك هذا الطريق كبار الفقهاء والمتكلمين والأولياء معاً. ومنه جاء العالمَ شعرُ الرومي وحافظ، ومناجاة رابعة، والطرق التي حملت الإسلام إلى الهند وإندونيسيا وغرب أفريقيا.
ما معنى كلمة التصوف؟
أشهر الأقوال أن «الصوفي» نسبة إلى الصوف، لأن الزهاد الأوائل في العراق والشام كانوا يلبسون جِباب الصوف الخشنة. وربطه آخرون بالصفاء. أما الصوفية أنفسهم فكانت عنايتهم بالحقيقة أكثر من عنايتهم باللفظ. فقد سمّوا علمهم علم القلوب، وردّوه إلى حوار رواه مسلم في صحيحه، حين جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ في صورة رجل، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان. فقال ﷺ في الإحسان:
«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
فالفقهاء يعلّمون الإسلام، أي العمل الظاهر، والمتكلمون يعلّمون الإيمان، أي أصول العقيدة، والصوفية يعلّمون الإحسان، أي حضور القلب. والثلاثة جميعاً هي ما قال عنه النبي ﷺ في آخر الحديث: «يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (صحيح مسلم 8).
بماذا يؤمن الصوفية؟
عقيدة الصوفية هي عقيدة سائر المسلمين. وإنما يتميزون بتأكيدهم على المحبة والذكر والقرب. فالقرآن يصف قوماً ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ (سورة المائدة: 54)، ويخبر كل إنسان بمدى قرب الله منه:
وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ
وقد جعل الصوفية هذه الآيات محور حياتهم. وعظّموا كذلك حديثاً قدسياً يصف فيه الله العبد الذي يتقرب إليه:
«وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ»
من هم كبار الصوفية؟
- رابعة العدوية (ت نحو 801م) من البصرة، علّمت عبادة الله حباً له وحده. وفي المناجاة التي نسبها إليها الشاعر الفارسي فريد الدين العطار فيما بعد، تسأل ربها: إن كانت تعبده خوفاً من النار فليحرقها بها، وإن كانت تعبده طمعاً في الجنة فليحرمها منها، وإن كانت تعبده لذاته فلا يحرمها جماله.
- الجنيد البغدادي (ت 910م) علّم تصوفاً رزيناً منضبطاً. وينقل عنه القشيري أن علمهم هذا مقيّد بالكتاب والسنة.
- الغزالي (ت 1111م)، الفقيه الشافعي والمتكلم الكبير، ترك كرسي التدريس في بغداد في أزمة روحية، فوجد اليقين في طريق الصوفية، كما يحكي في «المنقذ من الضلال». وقد جمع كتابه «إحياء علوم الدين» بين الفقه والروح لكل الأجيال التي جاءت بعده.
- ابن عربي (ت 1240م)، المولود في مرسية والمدفون في دمشق، صاحب «الفتوحات المكية» وقصائد الحب في «ترجمان الأشواق»، وفيها يقول: «أدين بدين الحب أنّى توجّهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني».
- جلال الدين الرومي (ت 1273م)، العالم الحنفي في قونية، سكب حبه لله ولصاحبه شمس التبريزي في «المثنوي»، الذي طالما سمّاه الناطقون بالفارسية «القرآن بالفارسية».
ما هي الطرق الصوفية؟
منذ القرن الثاني عشر الميلادي انتظم التصوف في طرق، لكل منها سلسلة من الشيوخ تتصل بالنبي ﷺ، وأكثرها عن طريق علي رضي الله عنه. ومن أكبرها القادرية، نسبة إلى عبد القادر الجيلاني (ت 1166م) في بغداد، والنقشبندية في آسيا الوسطى، والشاذلية في شمال أفريقيا، والجشتية، نسبة إلى معين الدين الجشتي (ت 1236م) في أجمير بالهند، والتجانية في غرب أفريقيا، والمولوية، طريقة الرومي. ويبايع المريد شيخاً أو مرشداً، ويلتزم ورداً يومياً، ويشهد مجالس الذكر.
ويرى بعض المنتقدين، ولا سيما في الأوساط السلفية المعاصرة، أن بعض الممارسات الصوفية بدعة. ومع ذلك فإن ابن تيمية (ت 1328م)، وهو ناقد شديد لبعض الممارسات المتأخرة، أثنى على الجنيد، وشرح جزءاً من كتاب «فتوح الغيب» لعبد القادر الجيلاني. وعدّ ابن خلدون (ت 1406م) التصوف في «المقدمة» من العلوم الشرعية الحادثة في الملة.
ما هو الذكر؟ وهل يستعمل الصوفية الموسيقى؟
قلب الممارسة الصوفية هو الذكر: ترديد أسماء الله، وكلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، والصلاة على النبي ﷺ، فرادى أو في حلقة. والقرآن يعد بثمرته:
أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ
وتمارس طرق كثيرة السماع كذلك، أي الإصغاء إلى الإنشاد والشعر الروحي. فالجشتية في الهند وباكستان قدّموا للعالم فن القوّالي، والمولوية في قونية قدّموا الصلاة الدوّارة للدراويش، التي أدرجتها اليونسكو في قائمتها سنة 2008. وأفرد الغزالي كتاباً من «الإحياء» لآداب السماع. ويبيّن جوابانا عن حكم الموسيقى وحكم الرقص وجه جوازهما. والجماعات الصوفية كذلك في مقدمة من يحتفلون بالمولد النبوي احتفالاً بهيجاً (هل يجوز الاحتفال بالمولد النبوي؟).
هل يستطيع كل أحد أن يسلك طريق التصوف؟
نعم. فالإحسان جزء من دين كل مسلم. وتستطيع أن تبدأ اليوم: حافظ على صلواتك الخمس بحضور قلب، وأضف بعدها دقائق من الذكر، واقرأ الغزالي أو الرومي في ترجمة جيدة، وابحث عن شيخ تدل أخلاقه على الرحمة التي يعلّمها. ويقول الصوفية إن الطريق أدبٌ قبل كل شيء. وللإرشاد إلى الدعاء من القلب، انظر جواب كيف أدعو الله؟.
كلمة في الختام
يفتتح الرومي «المثنوي» بالناي الذي قُطع من منبت القصب، فصار لحنه أنين شوق إلى الرجوع. يقول: «استمع إلى الناي كيف يحكي حكايته، ويشكو آلام الفراق». وكل قلب إنساني هو ذلك الناي، صنعه الله، وهو يحنّ إليه. جعل الله قلبك يترنّم بذكره، وملأه بالمحبة التي تعيده إليه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل التصوف سني أم شيعي؟
أكثر الطرق الصوفية سنية، وأتباعها يتمذهبون بالمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي. وهناك طرق صوفية شيعية كذلك، كالطريقة النعمة اللهية في إيران، وعلماء الشيعة يسلكون الطريق الباطن نفسه باسم «العرفان».
هل التصوف حلال؟
نعم. فالتصوف سعي إلى الإحسان، الذي جعله النبي ﷺ جزءاً من الدين في حديث جبريل. وقد عدّه الغزالي والقشيري وابن خلدون جميعاً علماً من علوم الشريعة.
هل يجب الانتساب إلى طريقة صوفية ليكون المرء صوفياً؟
لا. فكثير من المسلمين يتعلمون على شيخ في طريقة، وكثيرون غيرهم يقرؤون الغزالي والرومي، ويحافظون على ورد يومي من الذكر، ويطلبون الإخلاص والمحبة بأنفسهم. فالإحسان حق لكل مؤمن.
من هم الدراويش الدوّارون؟
الدراويش الدوّارون أتباع الطريقة المولوية التي أسسها أصحاب الرومي في قونية. وقد أدرجت اليونسكو صلاتهم الدوّارة المعروفة بالسماع (Sema)، التي يصحبها الناي، في التراث الثقافي غير المادي للبشرية سنة 2008.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 8 (حديث جبريل)
- أبو القاسم القشيري، «الرسالة القشيرية» (القرن الحادي عشر الميلادي)
- أبو حامد الغزالي، «إحياء علوم الدين» و«المنقذ من الضلال»
- ابن خلدون، «المقدمة»، فصل في علم التصوف
- اليونسكو، مراسم السماع المولوية (القائمة التمثيلية، 2008)
- آنا ماري شيمل، Mystical Dimensions of Islam (مطبعة جامعة نورث كارولاينا، 1975)
الصورة: Diego Delso, The entrance iwan of the Shah Mosque, Isfahan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور