هل النار أبدية في الإسلام؟
سؤال رقم 1032
السؤال
هل يدوم عذاب النار إلى الأبد في الإسلام، أم أن النار ستنتهي يوماً ما؟
ملخص الجواب
القول الأرجح أن النار دار تطهير وأنها ستنتهي. فالقرآن يعلّق مدة النار بمشيئة الله (سورة هود: 107، سورة الأنعام: 128)، ويذكر أن الطاغين يلبثون فيها أحقاباً (سورة النبأ: 23). وقد ذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أن النار تفنى، وعلّم ابن عربي أن عذابها ينقلب عذوبة، وأخبر النبي ﷺ أن الله أمسك تسعاً وتسعين رحمة ليوم القيامة.
الجواب
الحمد لله

قليلة هي الأسئلة التي تُثقل القلب كهذا السؤال: هل النار أبدية في الإسلام؟ والجواب الأوفق للقرآن ولرحمة الله أن النار حق وأمرها جِدّ، وأنها لا تكون عذاباً سرمدياً. فالقرآن يعلّق مدتها بمشيئة الله، والنبي ﷺ وصف الله يُخرج منها الناس قبضةً قبضة، وقد ذهب بعض أكابر علماء التراث إلى أن النار نفسها ستفنى يوماً.
ماذا يقول القرآن عن مدة النار؟
يصف القرآن أهل النار بأنهم «خالدون» فيها، ثم يزيد في موضعين استثناءً لافتاً. ففي سورة هود:
خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ
والاستثناء نفسه، ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾، يختم الآية التي تتحدث عن النار في سورة الأنعام (سورة الأنعام: 128). وقد لاحظ القرّاء منذ القديم فرقاً داخل سورة هود نفسها. فالآية التي تليها في الجنة فيها الاستثناء أيضاً، ثم تُختم بقوله: ﴿عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ﴾ (سورة هود: 108). أما آية النار فتُختم بحرية الله في أن يفعل ما يشاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (سورة هود: 107).
وتصف سورة النبأ الطاغين في النار بلفظ من ألفاظ الزمن المقدّر:
لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا
والأحقاب جمع حُقُب، وهو دهر من الدهور: طويل جداً، لكنه معدود.
هل قال أحد من العلماء المتقدمين بفناء النار؟
نعم، ومنهم أسماء تنتسب إليها حركات معاصرة متشددة. فقد حُفظ في أحد كتب التفسير المبكرة أثرٌ منسوب إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مفاده أن أهل النار لو لبثوا فيها قدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.
وأفرد ابن تيمية (ت 1328م) لهذه المسألة رسالة، هي «الرد على من قال بفناء الجنة والنار». فدافع عن أبدية الجنة، وذهب إلى أن النار تفنى، لأن رحمة الله غالبة، وكل عقوبة يُنزلها لها حكمة. وفهم «الأحقاب» في سورة النبأ على أنها دهور تنتهي. وبسط تلميذه ابن القيم (ت 1350م) الأدلة نفسها مطوّلة في «حادي الأرواح»، ثم في «شفاء العليل»، ووصف النار بأنها دواء للنفوس، وختم بردّ الأمر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (سورة هود: 107).
وذهب أكثر المتكلمين من السنة والشيعة إلى القول الآخر، وهو أن النار أبدية لمن جحد الإيمان، وكثير من المسلمين يأخذون به اليوم. وهو قول محترم. والقول بفناء النار هو الأوفق لاستثناءات القرآن وللرحمة الغالبة التي تصفها السنة.
ماذا قال ابن عربي في أهل النار؟
وذهب الشيخ الأندلسي ابن عربي (ت 1240م) أبعد من ذلك. فقد لاحظ في «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكية» أن لفظ «العذاب» يشترك في أصله مع «العذوبة». وعلّم أن من يبقون في النار ينقلب عذابهم إلى حال تلائمهم وتعذُب لهم، فتبلغهم رحمة الله حتى هناك. فالرحمة عند ابن عربي هي الكلمة الأولى والأخيرة في الخلق.
ماذا تقول الأحاديث عن الرحمة يوم القيامة؟
علّم النبي ﷺ أن الرحمة التي نراها في هذه الدنيا جزء واحد من رحمة الله:
«إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ»
وفي صحيح مسلم يزيد النبي ﷺ: «وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح مسلم 2752).
وفي حديث الشفاعة الطويل، بعد أن يشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، يقول الله إنه لم يبقَ إلا أرحم الراحمين:
«فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»
ثم يُلقَون، كما يتابع الحديث، في نهر الحياة على باب الجنة، فينبتون كما تنبت الحِبّة في حميل السيل. ووصف النبي ﷺ كذلك آخر رجل يخرج من النار، يخرج حَبْواً، فيقال له: ادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها. فلما سأل الرجل: أتضحك مني وأنت الملك؟ ضحك النبي ﷺ نفسه (صحيح البخاري 6571).
هل النار دار تطهير؟
قرأ كثير من المسلمين، قديماً وحديثاً، النار صورةً لتطهير النفس، كالذهب في كير الصائغ. وقد سمّى الشاعر الفيلسوف محمد إقبال (ت 1938م) النار في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام» «تجربة مقوِّمة قد تعيد إلى الذات المتحجرة إحساسها بنسيم الرحمة الإلهية الحي».
وهذه القراءة تحفظ للذنب خطره كاملاً. فالنار كذلك عدل الله للمظلومين: فالطاغية والمعتدي والسارق سيُسألون عن كل أذى، ولا تُنسى دمعة مظلوم. والعدل والرحمة متلازمان، ورحمة الله أعظم (انظر هل يغفر الله الذنوب جميعاً؟). والمؤمنون العصاة لا يُتركون في النار أبداً، كما في جواب هل يدخل المسلمون النار بذنوبهم؟، ومصير أتباع الأديان الأخرى مبسوط في جواب هل يدخل غير المسلمين النار؟.
بين الخوف والرجاء
علّم العلماء أن المؤمن يسير بين الخوف والرجاء، كالطائر بجناحين. فالخوف يُبقينا يقظين لما نُلحقه بالناس من أذى، والرجاء يُبقينا راجعين إلى من ينتظرنا. فلتحملك النار على إصلاح ما أفسدت، ولتكن رحمة الله التي ﴿وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (سورة الأعراف: 156) آخر ما يخطر بقلبك كل ليلة. وللمزيد عن الحياة الآخرة انظر ماذا يحدث بعد الموت في الإسلام؟.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يخلد المسلمون في النار؟
لا. فالمذاهب السنية والشيعية متفقة على أن كل مؤمن يدخل النار يخرج منها، وقد وصف النبي ﷺ آخر من يخرج منها ويدخل الجنة.
هل قال ابن تيمية بفناء النار؟
بسط ابن تيمية في رسالته «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» الأدلة على أن النار تفنى وتبقى الجنة. وبسط تلميذه ابن القيم الأدلة نفسها في «حادي الأرواح» و«شفاء العليل».
ما معنى «خالدين» في القرآن؟
الخلود مكث طويل مقيم. وقد علّق القرآن خلود أهل النار بمشيئة الله (سورة هود: 107، سورة الأنعام: 128)، وفهمه العلماء القائلون بفناء النار مكثاً طويلاً جداً يُنهيه الله.
ما قول الجمهور في النار؟
ذهب أكثر المتكلمين من السنة والشيعة إلى أن النار أبدية لمن جحد الإيمان. وللقول بفنائها خط قوي من الأقلية يمتد من آثار الصحابة إلى ابن تيمية وابن القيم وابن عربي وعلماء معاصرين.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن تيمية، «الرد على من قال بفناء الجنة والنار»
- ابن قيم الجوزية، «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»؛ «شفاء العليل»
- ابن عربي، «فصوص الحكم»؛ «الفتوحات المكية»
- جون هوفر، "Islamic Universalism: Ibn Qayyim al-Jawziyya's Salafi Deliberations on the Duration of Hell-Fire"، The Muslim World 99 (2009)
- محمد إقبال، «تجديد التفكير الديني في الإسلام» (1930)
- صحيح البخاري 6469
الصورة: ʿAli ibn Muhammad al-Barmaki, Mosque lamp of Amir Qawsun, Cairo, c. 1329–1335. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور