هل يدخل غير المسلمين النار؟

سؤال رقم 1031

السؤال

هل يدخل أتباع الأديان الأخرى، أو من لم يسمعوا بالإسلام قط، النارَ بعد الموت؟

ملخص الجواب

غير المسلم لا يُعذَّب لكونه غير مسلم. فالقرآن يعد اليهود والنصارى والصابئين والمؤمنين، ممن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، بأن لهم أجرهم (سورة البقرة: 62، سورة المائدة: 69)، ويقرر أن الله لا يعذّب أحداً قبل أن تبلغه رسالة حقاً (سورة الإسراء: 15). وقد علّم الغزالي أن أكثر أتباع الأديان الأخرى داخلون في رحمة الله التي سبقت غضبه.

الجواب

الحمد لله

A brass astrolabe with an ornate suspension crown, its pierced star-map plate laced with curling pointers above engraved Arabic script.

يسأل كثير من المسلمين هذا السؤال عن أحب الناس إليهم: جدة مسيحية، أو صديق هندوسي حميم، أو جار لم يفتح المصحف قط. وجواب القرآن مملوء بالرجاء. فغير المسلم لا يدخل النار لكونه غير مسلم. فالله يعد المؤمنين المخلصين من اليهود والنصارى وغيرهم بالأجر، ولا يعذّب أحداً قبل أن تبلغه رسالته حقاً، ورحمته سبقت غضبه.

ماذا يقول القرآن عن اليهود والنصارى وسائر الأديان؟

يجيب القرآن عن هذا السؤال صراحة، ويجيب عنه مرتين بألفاظ متقاربة:

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ

سورة البقرة: 62

ويتكرر الوعد نفسه في سورة المائدة (سورة المائدة: 69). والميزان في الآيتين واحد: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح. وتزيد سورة آل عمران أن أهل الكتاب ﴿۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗ﴾ (سورة آل عمران: 113)، فمنهم أمة قائمة تتلو آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يأمرون بالمعروف ويسارعون في الخيرات، ﴿وَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (سورة آل عمران: 114). ثم تَعِد الآية التالية بأن شيئاً من خيرهم لن يُجحد: ﴿وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُ﴾ (سورة آل عمران: 115).

هل يعذّب الله من لم تبلغه الرسالة؟

يقرر القرآن أصلاً راسخاً من أصول العدل الإلهي:

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا

سورة الإسراء: 15

وقد استخرج أبو حامد الغزالي (ت 1111م)، الفقيه الشافعي والمتكلم الكبير، معنى هذا الأصل في رسالته «فيصل التفرقة». فقسم غير المسلمين ثلاثة أصناف. الأول لم يسمع باسم محمد ﷺ قط، فهو معذور. والثاني سمع به سماعاً صحيحاً، وعرف أخلاقه وآياته، ثم جحده عناداً: وهؤلاء وحدهم هم الملومون عنده. والثالث سمع اسمه، لكن من طريق الافتراء، فقيل له إنه كذّاب مدّعٍ. وألحق الغزالي هذا الصنف الثالث بالأول، لأن ما بلغه صورة مشوّهة للرسالة.

وانتهى من ذلك إلى أن أكثر نصارى الروم والترك في زمانه داخلون في رحمة الله. فإن صحّ هذا في زمان الغزالي، فهو أولى بالصحة في أهل زماننا، الذين يعرفون الإسلام في الغالب من عناوين الأخبار ومن سلوك آحاد المسلمين.

وماذا عن آية من يبتغي غير الإسلام ديناً؟

قرأ بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ﴾ (سورة آل عمران: 85) على أنه يغلق الباب الذي فتحته آية البقرة 62، وذهب بعض المفسرين الأوائل إلى أن آية آل عمران نسخت الآية الأولى. وهو قول معتبر يأخذ به كثير من المسلمين بإخلاص.

والقول الأرجح أن الآيتين محكمتان كلتاهما. فالإسلام في القرآن معناه الاستسلام لله الواحد، وهو الدين الذي ينسبه القرآن إلى إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وأتباعهم جميعاً (سورة آل عمران: 52، سورة البقرة: 131-133). ووعد الله بأجر المؤمنين خبر عن رحمته، وقد قرر علماء الأصول أن الأخبار لا يدخلها النسخ. ويخبرنا القرآن كذلك أن اختلاف الأديان جزء من تدبير الله:

لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِ

سورة المائدة: 48

ماذا قال العلماء المتقدمون في مصير غير المسلمين؟

يتتبّع محمد حسن خليل في دراسته Islam and the Fate of Others (مطبعة جامعة أكسفورد، 2012) هذه المسألة عند أربعة من كبار عقول التراث. فالغزالي، كما رأينا، جعل الهلاك استثناءً. وعلّم ابن عربي (ت 1240م) أن كل طريق يفضي إلى الله، وأن الكلمة الأخيرة للرحمة. وذهب ابن تيمية (ت 1328م) وتلميذه ابن القيم (ت 1350م) إلى أن النار نفسها ستفنى يوماً، وهو قول مبسوط في جواب هل النار أبدية في الإسلام؟. وفي العصر الحديث حمل المصلح محمد رشيد رضا (ت 1935م) هذا الرجاء في تفسيره «تفسير المنار»، ويصفه خليل بأنه من القائلين بشمول الرحمة على حذر.

ووراءهم جميعاً حديث واحد رواه النبي ﷺ عن لحظة الخلق:

«إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»

صحيح البخاري 7422

وفي رواية صحيح مسلم: «إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (صحيح مسلم 2751). فالرب الذي تسبق رحمته غضبه يحاسب كل نفس وهو يعلم أين وُلدت ولمن، وما الذي بلغها حقاً.

ماذا يقول علم الكلام الشيعي؟

يصل علماء الإمامية إلى قريب من ذلك. فهم يفرّقون بين الكافر القاصر، الذي حال بينه وبين الإيمان أمر خارج عن إرادته، والكافر المقصّر الذي رأى الحق واضحاً فأعرض عنه عداوةً. وقد ذهب آية الله مرتضى مطهري (ت 1979م) في كتابه «العدل الإلهي» إلى أن ما يعمله غير المسلمين من خير لوجه الله يُثابون عليه، ونقل عن ابن سينا وملا صدرا أن أكثر من لم يقبلوا الحق معذورون عند الله.

كيف ينظر المسلم إلى أهله وأصدقائه من غير المسلمين؟

  • كِلِ الحكم إلى الله. فلا يعلم إنسان قلب غيره ولا مصير نفس من النفوس. ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ (سورة المائدة: 48).
  • أحبّهم وأكرمهم. فالقرآن يبيح البر والقسط مع غير المسلمين الذين يسالمونك ويثني عليه (سورة الممتحنة: 8). وانظر هل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟.
  • ادعُ لهم. ادعُ لهم بالصحة والسعادة والهداية كما تفهمها، وبرحمة الله عليهم.
  • دع سلوكك يتكلم. إن كنت ترجو أن يرى الناس جمال الإسلام، فليروه فيك.

وفي تعليم القرآن الأوسع عن أهل الكتاب انظر ماذا يقول القرآن عن النصارى واليهود؟ وهل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟.

كلمة في الختام

قد يجعل سؤالُ من يدخل النار المسلمَ قلقاً على غيره، وهذا القلق علامة محبة. ويجيب القرآن عنه بأوسع وعد يمكن أن يُعطى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (سورة الأعراف: 156). فثق بمن خلق أصدقاءك وأهلك، وهو أعلم بقلوبهم منك، ومحبته لهم أعظم من محبتك (انظر هل يحب الله الناس جميعاً؟). جمعنا الله جميعاً، وكلَّ من نحب، في ظل رحمته.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يدخل أصدقائي المسيحيون أو اليهود الجنة؟

يقول القرآن إن اليهود والنصارى الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم (سورة البقرة: 62، سورة المائدة: 69). ومصيرهم إلى الله، وفي كلمات القرآن نفسها كل داعٍ إلى الرجاء.

ما مصير من لم يسمعوا بالإسلام؟

لا يعذّب الله أحداً قبل أن يبلغه رسول (سورة الإسراء: 15). وزاد الغزالي أن من لم يبلغهم عن النبي ﷺ إلا صورة مشوّهة منزلتهم منزلة من لم يسمعوا به أصلاً.

هل يجوز للمسلم أن يحكم على شخص بعينه بأنه في النار؟

لا. فمصير كل نفس لا يعلمه إلا الله، وقد تعلّم المسلمون أن يكِلوا الحكم إليه وأن يدعوا لمن يحبون.

ما قول الشيعة في نجاة غير المسلمين؟

يفرّق علماء الإمامية بين الكافر القاصر المعذور والكافر المقصّر الملوم. ويرى مرتضى مطهري في كتابه «العدل الإلهي» أن ما يعمله غير المسلمين من خير لوجه الله يُثابون عليه.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. أبو حامد الغزالي، «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»
  2. محمد حسن خليل، Islam and the Fate of Others: The Salvation Question (مطبعة جامعة أكسفورد، 2012)
  3. محمد رشيد رضا، «تفسير المنار»
  4. مرتضى مطهري، «العدل الإلهي» (عدل إلهي)
  5. صحيح البخاري 7422

الصورة: Muhammad Zaman al-Munajjim al-Asturlabi, Planispheric astrolabe, Mashhad, 1654–1655. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور