ماذا يقول القرآن عن المسيحيين واليهود؟

سؤال رقم 1118

السؤال

كيف يتحدث القرآن عن المسيحيين واليهود، وكيف يأمر المسلمين أن يعاملوهم؟

ملخص الجواب

يسمي القرآن اليهود والنصارى أهل الكتاب، ويجلّ التوراة والإنجيل وحياً من عند الله. ويعد من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً بأن له أجره عند ربه (سورة البقرة: 62)، ويذكر كنائسهم ومعابدهم في البيوت التي يدفع الله عنها (سورة الحج: 40)، ويحلّ طعامهم والزواج منهم (سورة المائدة: 5)، ويخبر المسلمين أن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً، فليستبقوا الخيرات (سورة المائدة: 48).

الجواب

الحمد لله

Marble columns with gilded capitals and arches of glittering mosaic surround the ambulatory of the Dome of the Rock, lit by a hanging chandelier.

يرد ذكر المسيحيين واليهود في القرآن من أوله إلى آخره. فموسى عليه السلام أكثر الأنبياء ذكراً فيه، ومريم هي المرأة الوحيدة التي سمّاها باسمها، وفيه سورة كاملة تحمل اسمها. فإذا سأل سائل: ماذا يقول القرآن عن المسيحيين واليهود؟ فأول الجواب أنه يتحدث عنهم حديثه عن الأهل. فهو يسميهم أهل الكتاب، ويجلّ التوراة والإنجيل وحياً من عند الله، ويعد المؤمنين منهم بالأجر، ويأمر المسلمين أن يلقوهم بالعدل والبر وأحسن الأخلاق.

من هم أهل الكتاب في القرآن؟

أهل الكتاب هم الأمم التي أوتيت الكتاب قبل القرآن: اليهود، ويسميهم القرآن بني إسرائيل والذين هادوا، والمسيحيون، وهم النصارى في لفظ القرآن. ويصف القرآن نفسه بأنه مصدّق لما بين يديه من الكتاب (سورة المائدة: 48)، ويأمر المسلمين أن يقولوا لهم: ﴿وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ﴾ (سورة العنكبوت: 46). وقد فُصّل معنى هذه الآية في جواب هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟

بماذا يعد القرآن المسيحيين واليهود؟

أشهر آية في القرآن عن أهل الأديان الأخرى تعد اليهود والنصارى بما وعدت به المؤمنين:

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ

سورة البقرة: 62

ويتكرر هذا الوعد في سورة المائدة (69). ثم تصف سورة آل عمران ما عُرف فيهم من تعبّد وقيام:

۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ

سورة آل عمران: 113

وتقول الآيتان التاليتان إنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، ويسارعون في الخيرات، ﴿وَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾، وإن ما يفعلونه من خير لن يضيع عند الله (سورة آل عمران: 114-115). ويذكر القرآن كذلك أن من قوم موسى ﴿أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 159)، وأن النصارى ﴿أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، لأن منهم قسيسين ورهباناً لا يستكبرون (سورة المائدة: 82). وأما مسألة نجاة اليهود والنصارى فمفصّلة في جواب هل يدخل غير المسلمين النار؟

كيف يأمر القرآن المسلمين أن يعاملوا المسيحيين واليهود؟

يجعل القرآن العيش المشترك مع أهل الكتاب جزءاً من الشريعة نفسها. فهو يحلّ طعامهم للمسلمين وطعام المسلمين لهم، ويبيح الزواج منهم (سورة المائدة: 5)، فتكون الزوجة والأم المسيحية أو اليهودية قلبَ بيت مسلم (هل يجوز للمسلم الزواج من مسيحية أو يهودية؟). ويأمر المسلمين ألّا يجادلوهم إلا ﴿بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ (سورة العنكبوت: 46)، ويدعوهم إلى ﴿كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ (سورة آل عمران: 64). وفي سنة 2007 اتخذ 138 عالماً مسلماً هذه الآية عنواناً لرسالة مفتوحة إلى قادة المسيحيين، هي رسالة «كلمة سواء بيننا وبينكم».

ويذكر القرآن دور عبادتهم في المواضع التي يدفع الله عنها بنفسه. ففي الآيات التي أذنت للمؤمنين أول مرة في الدفاع عن أنفسهم، يبيّن علة ذلك:

وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗا

سورة الحج: 40

فقد ذُكرت الصوامع والبِيَع والصلوات، وهي أديرة الرهبان وكنائس النصارى وكُنُس اليهود، قبل المساجد.

لماذا يُقرّ القرآن تعدد الأديان؟

يعدّ القرآن تعدد الشرائع من تدبير الله وحكمته:

لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ

سورة المائدة: 48

هل ينتقد القرآن المسيحيين واليهود؟

نعم، والقراءة المنصفة تذكر هذه المواضع. فالقرآن يجادل في عقيدة التثليث وفي ألوهية عيسى عليه السلام (سورة النساء: 171، وسورة التوبة: 30)، ويلوم جماعات بعينها على أخطاء بعينها: قوماً نقضوا العهود، وأحباراً ورهباناً يأكلون أموال الناس (سورة التوبة: 34)، وأهل قرية حاضرة البحر اعتدوا في السبت بالحيلة فقيل لهم: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ﴾ (سورة البقرة: 65)، وتفصيل قصتهم في سورة الأعراف (163-166). وكل موضع من هذه المواضع خاص بأهله، والقرآن نفسه يحول دون جعلها حكماً على أمم بأسرها حين يقول عن أهل الكتاب: ﴿۞لَيۡسُواْ سَوَآءٗ﴾ (سورة آل عمران: 113).

وآية المائدة (51)، التي تنهى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، نزلت في المدينة زمن الحرب، في شأن التحالفات العسكرية والسياسية مع أطراف معادية. والقرآن نفسه يأمر بالبر والقسط مع كل من لم يقاتل المؤمنين: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة الممتحنة: 8). وتفصيل الآيتين في جواب هل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟

كيف عاش النبي ﷺ مع المسيحيين واليهود؟

تنص صحيفة المدينة، التي حفظتها سيرة ابن إسحاق للنبي ﷺ، على أن «يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». ومرّت به ﷺ جنازة فقام لها، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» (صحيح البخاري 1312). واستقبل ﷺ وفد نصارى نجران في مسجده (هل يجوز للمسلم دخول الكنيسة؟)، وأخبر أنه هو نفسه خصيمُ يوم القيامة لكل من ظلم معاهَداً، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ من ماله شيئاً بغير طيب نفس (سنن أبي داود 3052، وصححه الألباني).

ويحتفظ رهبان دير سانت كاترين في سيناء بعهد أمان يُعرف باسم «أشتي نامه» (Ashtiname)، وينسبونه إلى النبي ﷺ. وصحة نسبته محل خلاف بين المؤرخين، وقد دافع عنها الباحث جون أندرو مورو (John Andrew Morrow)، وما فيه من عهود يوافق ما تقرره النصوص الصحيحة أصلاً. وللوقوف على صورة اليهودية في القرآن خاصة، انظر جواب ماذا يقول الإسلام عن اليهود؟

دعاء في الختام

يؤمن المؤمنون في سورة البقرة بكل رسول أرسله الله، ثم يدعون:

لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ

سورة البقرة: 285

اللهم اجعل أبناء إبراهيم جيراناً في الدنيا ورفقاء في الآخرة، يستبقون الخيرات.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يسمي القرآن المسيحيين واليهود كفاراً؟

الاسم الغالب عليهم في القرآن هو أهل الكتاب، وبه يميّزهم من عبدة الأوثان. وهو يجادل في عقائد بعينها كالتثليث، وينتقد جماعات بعينها على أفعال بعينها، ويعد مع ذلك كل يهودي ومسيحي آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً بالأجر (سورة البقرة: 62).

هل يقول القرآن إن اليهود قردة وخنازير؟

لا. فآيات القردة (سورة البقرة: 65، وسورة الأعراف: 163-166) تحكي قصة قرية واحدة حاضرة البحر اعتدى أهلها في السبت بالحيلة، وآية المائدة (60) تتحدث عمّن لعنهم الله بأعمالهم. فهي تصف عقوبة في قصة بعينها، ولا تقول شيئاً عن اليهود بوصفهم شعباً، والقرآن نفسه يثني على أمة من قوم موسى يهدون بالحق وبه يعدلون (سورة الأعراف: 159).

هل يجوز للمسلم أن يتزوج من المسيحيين أو اليهود؟

نعم. فالقرآن يبيح الزواج من نساء أهل الكتاب (سورة المائدة: 5)، والقول الأرجح أن هذا الإذن يشمل المرأة المسلمة كذلك. والتفصيل في جواب الزواج من مسيحية.

هل ينهى القرآن عن مصادقة المسيحيين واليهود؟

نزلت آية المائدة (51) في المدينة زمن الحرب، في شأن التحالف (الولاية) مع أطراف معادية. ويأمر القرآن في موضع آخر بالبر والقسط مع كل من لم يقاتل المؤمنين (سورة الممتحنة: 8).

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. ابن هشام، «السيرة النبوية» (عن ابن إسحاق)، صحيفة المدينة
  2. صحيح البخاري 1312 (قيام النبي ﷺ لجنازة يهودي)
  3. سنن أبي داود 3052 (من ظلم معاهداً)
  4. «كلمة سواء بيننا وبينكم» (رسالة مفتوحة من علماء مسلمين، 2007)
  5. جون أندرو مورو، The Covenants of the Prophet Muhammad with the Christians of the World (2013)

الصورة: Lazhar Neftien, Inside the Dome of the Rock, Jerusalem, 2009. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور