هل يجوز للمسلم الزواج من مسيحية أو يهودية؟

سؤال رقم 1069

السؤال

هل يجوز للرجل المسلم أن يتزوج امرأة مسيحية أو يهودية؟ وهل يلزمها أن تدخل في الإسلام؟

ملخص الجواب

يجوز للرجل المسلم أن يتزوج المرأة المسيحية أو اليهودية، وتبقى على دينها. فالقرآن أباح نكاح المحصنات من أهل الكتاب (سورة المائدة: 5)، وعلى ذلك المذاهب السنية الأربعة، ويجيزه كثير من فقهاء الشيعة أيضاً. ولا إكراه في الدين (سورة البقرة: 256)، فالزوجة المسيحية أو اليهودية تحتفظ بكنيستها أو كنيسها، وبأعيادها، وباحترام زوجها لذلك كله.

الجواب

الحمد لله

A bride's open palms and fingers covered in fine red-brown henna patterns, with stacks of pink and silver bangles at her wrists.

كثير من الرجال المسلمين الذين يطرحون هذا السؤال قد عرفوا امرأة مسيحية أو يهودية أحبوها، ويريدون أن يتزوجوها ببركة الله. والجواب أن المسلم يجوز له أن يتزوج المسيحية أو اليهودية. فالقرآن أباح ذلك بنص صريح، والمذاهب السنية الأربعة متفقة عليه، ويجيزه كثير من فقهاء الشيعة كذلك. ولا يلزمها أن تُسلم، فهي باقية على دينها، وعلى كنيستها أو كنيسها، وعلى أعيادها، ولها على زوجها من الاحترام ما أظهره القرآن لأهل الكتاب.

ماذا يقول القرآن في الزواج من المسيحية؟

جاءت الإباحة في سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن:

ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ

سورة المائدة: 5

و«الذين أوتوا الكتاب» هم اليهود والنصارى، الذين يكرّمهم القرآن أمماً نزل عليها الوحي (ماذا يقول القرآن عن المسيحيين واليهود؟). والآية تقرن نكاح نسائهم بتبادل الطعام معهم، فتجعله جزءاً من الحياة العادية بين الجيران. و«المحصنات» هنا العفيفات الكريمات، وتطلب بقية الآية من الزوج أن يؤتي عروسه مهرها وأن يتزوجها على العفاف والوفاء.

أما الآية التي تحرّم نكاح المشركات (سورة البقرة: 221) فتتعلق بفئة أخرى. فالقرآن يذكر أهل الكتاب والمشركين جماعتين منفصلتين (سورة البينة: 1)، وقد فهم العلماء آية المائدة على أنها الإباحة الصريحة للأولى.

ماذا قال العلماء والصحابة؟

المذاهب السنية الأربعة، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، متفقة على أن للمسلم أن يتزوج المسيحية أو اليهودية. وقد تزوج حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو من خواص أصحاب النبي ﷺ، امرأة يهودية في العراق. وتزوج النبي ﷺ نفسه صفية بنت حيي، وقد وُلدت في أسرة يهودية من أهل المدينة. فلما عيّرتها إحدى زوجاته بأنها «بنت يهودي» واساها قائلاً:

«إِنَّكِ لاَبْنَةُ نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ»

جامع الترمذي 3894، وصححه الألباني

فقد أكرم ﷺ نسبها إلى هارون وموسى عليهما السلام، وجعل أصلها مصدر عزة لها.

وفي المسألة قول أشد. فقد ذهب عبد الله بن عمر إلى أن المرأة التي تقول إن ربها عيسى داخلة في آية المشركات، فكان يكره هذا الزواج ويقول: «وَلاَ أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى» (صحيح البخاري 5285). وطلب أبوه الخليفة عمر من حذيفة أن يفارق زوجته، خشية أن يرغب رجال المسلمين عن نساء أمتهم، وينبّه فقهاء الحنفية الذين نقلوا هذا الخبر إلى أن عمر لم يحكم بتحريم الزواج. وقد أخذ جمهور العلماء بنص آية المائدة الصريح، وأكد متأخرو الحنفية، كابن عابدين (ت 1836م)، أن هذا الزواج حلال.

وفي التراث الشيعي يجيز أكثر الفقهاء الجعفريين الزواج المؤقت بالمسيحية أو اليهودية، ويتحفظون أكثر في الزواج الدائم. وأجاز آخرون الزواج الدائم، منهم الشيخ الصدوق (ت 991م). ومن المعاصرين كتب محمد جواد مغنية (ت 1979م) أن عدداً كبيراً من فقهاء الإمامية يجيزونه، وذكر أن المحاكم الجعفرية في لبنان كانت تعقد مثل هذا الزواج.

هل يجب على الزوجة المسيحية أن تُسلم أو تترك دينها؟

لا يجب عليها ذلك. فقاعدة القرآن تشمل كل بيت:

لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ

سورة البقرة: 256

فالزوجة المسيحية أو اليهودية تبقى على دينها طوال زواجها. ولها أن تذهب إلى كنيستها أو كنيسها، وأن تصلي على طريقتها، وأن تصوم أصوامها وتحتفل بأعيادها، وأن تزين البيت لعيد الميلاد المجيد أو توقد شموع الحانوكا. والزوج المحب يشارك أسرتها احتفالاتها بمودة، كما يفعل كثير من المسلمين (هل الاحتفال بعيد الميلاد المجيد حرام؟). أما الضغط عليها لتُسلم، أو السخرية من دينها، أو قطعها عن جماعتها، فنقض لأمانة الزواج. فإن جاءت إلى الإسلام يوماً فليكن ذلك باختيارها الحر وعن رضا وفرح.

كيف يربي الزوجان من دينين مختلفين أبناءهما؟

افترض الفقهاء المتقدمون أن الأبناء يتبعون دين أبيهم المسلم. أما الأزواج اليوم فيتحاورون في ذلك قبل الزواج ويقررون معاً، بمحبة وصدق. وكثير من الأسر المختلطة تعلّم أبناءها التراثين معاً: أب يصلي ويصوم معهم، وأم تصحبهم إلى كنيستها أو كنيسها، وأجداد من الجهتين مرحّب بهم في كل عيد. والأبناء يتعلمون الإيمان على أحسن وجه من والدين يحترم كل منهما الآخر، وفيما يجمع المسلمين والمسيحيين من عقائد مشتركة رصيد كبير يبنون عليه (هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟).

وتعين على ذلك خطوات عملية:

  • اتفقا على الأساسيات مبكراً: أسماء الأبناء، وتعليمهم الديني، والأعياد التي ستحتفل بها الأسرة.
  • احرصا على صحة عقد النكاح: الرضا والشهود والمهر (ماذا يجري في حفل الزواج الإسلامي؟بالإنجليزية). ويسجّل كثير من الأزواج زواجهم مدنياً أيضاً حمايةً للطرفين أمام القانون.
  • احترما الأسرتين. فالأهل المترددون كثيراً ما يحتاجون إلى وقت، واللطف والصبر يقرّبانهم في الغالب.

وماذا عن زواج المسلمة من مسيحي؟

لهذه المسألة أدلتها وتاريخها الخاص، والقول الأرجح أن المسلمة يجوز لها كذلك أن تتزوج المسيحي أو اليهودي. وتفصيل ذلك في جواب هل يجوز للمسلمة أن تتزوج مسيحياً أو غير مسلم؟

مودة ورحمة بين دينين

يصف القرآن الزواج بأنه آية من آيات الله:

وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةً

سورة الروم: 21

اللهم بارك لكل زوجين جمعهما الحب من دينين مختلفين، وارزقهما المودة والرحمة، وبيتاً يعبد فيه كل منهما ربه بحرية.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يجب على المسيحية أن تُسلم لتتزوج مسلماً؟

لا. فالقرآن أباح هذا الزواج وهي باقية على مسيحيتها أو يهوديتها، والإيمان لا يكون بالإكراه (سورة البقرة: 256). والإسلام الذي يُعلن إرضاءً للأسرة وحدها لا قيمة له عند الله.

هل يجوز للمسلم أن يتزوج كاثوليكية؟

نعم. فالكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت كلهم مسيحيون ومن أهل الكتاب. وللكنيسة الكاثوليكية أحكامها الخاصة في الزواج المختلط، فقد ترغب العروس الكاثوليكية كذلك في مباركة كاهنها.

ما رأي الشيعة في الزواج من المسيحية؟

يجيز أكثر الفقهاء الجعفريين الزواج المؤقت بالمسيحية أو اليهودية ويتحفظون في الزواج الدائم. وأجاز آخرون الزواج الدائم، منهم الشيخ الصدوق. وذكر محمد جواد مغنية أن كثيراً من فقهاء الإمامية يجيزونه، وأن المحاكم الجعفرية في لبنان عقدت مثل هذا الزواج.

هل يجوز أن يُعقد الزواج في كنيسة؟

عقد النكاح يحتاج إلى الرضا والشهود والمهر، ويصح في أي مكان. ويجمع كثير من الأزواج بين عقد النكاح ومراسم كنسية أو مدنية، وللمسلم أن يحضر مراسم عروسه باحترام.

هل يجوز للمسلمة أن تتزوج مسيحياً؟

القول الأرجح أنه يجوز لها ذلك، والأدلة مبسوطة في جواب مستقل عن زواج المسلمة من غير المسلم.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 5285 (قول ابن عمر)
  2. جامع الترمذي 3894 (صفية ابنة نبي)
  3. ابن عابدين، «رد المحتار» (حكم نكاح الكتابية عند الحنفية)
  4. محمد جواد مغنية، «الفقه على المذاهب الخمسة»
  5. ويكي شيعة، زواج المسلم من غير المسلم

الصورة: Sistak, Henna on a Muslim bride's hands, Madurai, 2011. CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور