هل زواج الأقارب من أبناء العم والخال حرام؟
سؤال رقم 1071
السؤال
هل يجوز في الإسلام الزواج من ابن العم أو ابنة العم، أو ابن الخال أو ابنة الخال، وهل في ذلك ما يدعو إلى الحذر؟
ملخص الجواب
زواج أبناء العم والخال حلال. فقد عدّد القرآن المحرمات من القرابة ثم أحلّ ما وراء ذلك (سورة النساء: 23-24)، وليس أبناء العم والخال فيهن، بل ذكرتهم سورة الأحزاب (50) فيمن يحل للنبي ﷺ أن يتزوج منهن. وقد تزوج ﷺ ابنة عمته زينب بنت جحش. ولأن أولاد أبناء العم أكثر عرضة بقليل للأمراض الوراثية، فالاستشارة الوراثية قبل الزواج خطوة حكيمة.
الجواب
الحمد لله

الزواج من ابن العم أو ابنة العم، ومن ابن الخال أو ابنة الخال، حلال في الإسلام. فقد ذكر القرآن قائمة محددة بالقرابات التي يحرم الزواج منها، وليس أبناء العم والخال فيها. ثم أحلّ كل من وراء تلك القائمة، وفي آية أخرى ذكر أبناء العمومة والخؤولة صراحةً فيمن يحل للنبي ﷺ أن يتزوج منهن. وقد تزوج ﷺ ابنة عمته زينب بنت جحش. والحذر الوحيد الذي ينبّه إليه التراث والطب الحديث معاً يتعلق بالصحة، والاستشارة الوراثية تجيب عنه جواباً حسناً.
ماذا يقول القرآن في زواج الأقارب؟
عدّدت سورة النساء النساء اللاتي يحرم على الرجل الزواج منهن: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، والأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وأمهات الزوجات، والربائب، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين (سورة النساء: 23). ثم قالت:
وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ
فالقائمة تذكر العمات والخالات وبنات الإخوة ثم تقف. وابن العم أو ابنة العم، وهو ولد العم أو العمة أو الخال أو الخالة، مما «وراء ذلك». والحكم نفسه، على وجه التقابل، في زواج المرأة من ابن عمها أو ابن خالها.
بل ذكر القرآن أبناء العمومة والخؤولة صراحةً. فقد قال مخاطباً النبي ﷺ، وهو يذكر من أحلّ له الزواج منهن:
وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ
فقد اجتمعت الأنواع الأربعة من أبناء العم والخال في سطر واحد.
هل تزوج النبي ﷺ ابنة عمته؟
نعم. فزينب بنت جحش رضي الله عنها ابنة أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ. وقد ذكر القرآن نفسه زواجهما (سورة الأحزاب: 37)، وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» (صحيح البخاري 7420). وقصتها، وسائر زيجات النبي ﷺ، في جواب كم عدد زوجات النبي ﷺ؟
والزواج داخل العائلة الكبيرة شائع بين المسلمين منذ الجيل الأول. فقد تزوج علي بن أبي طالب، ابن عم النبي ﷺ، فاطمةَ بنت النبي ﷺ. وكان زواج أبناء العم شائعاً في أوروبا أيضاً حتى عهد قريب: فقد تزوج تشارلز داروين ابنة خاله إيما ويدجوود، وتزوج ألبرت أينشتاين ابنة خالته إلسا.
ماذا قال العلماء في زواج أبناء العم؟
اتفقت المذاهب السنية الأربعة والمذهب الجعفري على أن الزواج من ابن العم أو ابنة العم حلال. وقدّم بعض الفقهاء المتقدمين نصائح في الأولى والأفضل. فقد ذهب الشافعي (ت 204هـ/820م) إلى أنه يُستحب للرجل أن يتزوج من خارج عشيرته، وبيّن متأخرو الشافعية أن الزواج يُقصد به ربط الأسر المختلفة بعضها ببعض. واستحب ابن قدامة (ت 620هـ/1223م) أن تكون الزوجة من غير الأقارب، لأن ولدها يكون أنجب، وحذّر من أن الخصومة بين زوجين من أبناء العم قد تمتد إلى العائلة كلها فتُفضي إلى قطيعة الرحم.
وخالف علماء آخرون حتى هذه النصيحة. فقد ردّ تقي الدين السبكي (ت 756هـ/1355م) استحباب الشافعية لأنه لا دليل عليه، مستشهداً بزواج علي وفاطمة. وأما القول الذي يُحتج به أحياناً على زواج الأقارب: «اغتربوا لا تضووا»، أي تزوجوا من الأباعد لئلا يضعف أولادكم، فلا يوجد في شيء من كتب الحديث بسند يُعتمد عليه، وقد قال المحدّث ابن الصلاح إنه لم يجد أصلاً معتمداً للخبر المنسوب إلى النبي ﷺ في النهي عن نكاح القرابة القريبة.
والقول الصحيح أن زواج أبناء العم حلال من غير كراهة، وأن للأسرة أن توازن بين النصائح العملية التي قدّمها الفقهاء والنصائح الطبية اليوم.
هل في زواج الأقارب مخاطر صحية؟
أولاد أبناء العم المباشرين أكثر عرضة بعض الشيء للأمراض الوراثية، لأن الأبوين أكثر احتمالاً لأن يحملا الجينات المتنحية النادرة نفسها. والخطر أقل مما يظنه كثير من الناس. فقد قدّرت مراجعة علمية سنة 2002، قادتها روبن بينيت (Robin Bennett) للجمعية الوطنية لمستشاري الوراثة في الولايات المتحدة، الزيادة في خطر التشوه الخلقي الخطير أو الاضطراب الوراثي بما بين 1.7 و2.8 نقطة مئوية فوق الخطر الذي يحمله كل زوجين. ويرتفع الخطر حين يتكرر زواج الأقارب عبر أجيال متعاقبة، أو حين تحمل العائلة مرضاً معروفاً كالثلاسيميا أو فقر الدم المنجلي.
وحفظ صحة النسل من مقاصد الشريعة، وقد عملت المجتمعات المسلمة بذلك. فجعلت المملكة العربية السعودية الفحص قبل الزواج لفقر الدم المنجلي والثلاسيميا إلزامياً سنة 2004، وتجري برامج مماثلة في البحرين وقطر والإمارات وإيران. ويستطيع الزوجان من أبناء العم:
- مراجعة مستشار وراثي قبل الزواج، ولا سيما إن أصيب بعض الأقارب بأمراض وراثية.
- إجراء فحص الدم قبل الزواج للأمراض الشائعة في مجتمعهما.
- اتخاذ قرار مستنير معاً. فكثير من الأزواج الأقارب يعلمون أن الخطر عليهم ضئيل فيتزوجون مطمئنين، ويتعرّف آخرون إلى خيارات مثل الفحص في أثناء الحمل.
هل يُشترط الرضا في زواج الأقارب؟
دائماً. فزواج الأقارب الذي ترتّبه الأسر لا يحل إلا إذا رضيه العروسان رضاً حراً. ولا مكان في الإسلام للضغط على أحد ليتزوج ابن عمه أو ابنة عمه حفاظاً على المال أو الشرف داخل العائلة، والزواج بغير رضا العروس باطل (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟). وقد خيّر النبي ﷺ فتاة زوّجها أبوها وهي كارهة (سنن أبي داود 2096، وصححه الألباني). والتعرف إلى الخاطب أو المخطوبة في صدق وأدب من حسن الاختيار (هل التعارف قبل الزواج حرام؟)، ووصف حفل الزواج نفسه في جواب ماذا يحدث في حفل الزواج الإسلامي؟بالإنجليزية
المودة داخل العائلة
حين يكون الاختيار حراً والأسرتان على وفاق، فقد يكون زواج أبناء العم بركة مضاعفة: بيت جديد، وصلة رحم قديمة تزداد متانة. وقد أمر القرآن المؤمنين بتقوى الله وصلة الأرحام: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَ﴾ (سورة النساء: 1). بارك الله كل زواج عُقد باسمه، ورزق الزوجين الصحة والمودة والذرية الصالحة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل تزوج النبي ﷺ ابنة عمته؟
نعم. فزينب بنت جحش ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، فهي ابنة عمته لحّاً. وقد ذكر القرآن نفسه زواجهما (سورة الأحزاب: 37).
هل يحرم الكلام مع ابن العم أو ابنة العم؟
لا. فأبناء العم من الأهل، والحديث العادي المهذب معهم حلال. ولأنهم ممن يحل الزواج منهم، يُراعى معهم ما يُراعى بين البالغين من أدب وحياء.
ما رأي الفقه الشيعي في زواج أبناء العم؟
يجيزه المذهب الجعفري كما تجيزه المذاهب السنية. وكثيراً ما يستشهد الشيعة بزواج علي وفاطمة، وهما من القرابة القريبة، مثالاً مباركاً.
هل يجوز الزواج من أبناء أبناء العم أو من ابن ابن العم؟
نعم. فكل قريب سوى من ذُكروا في سورة النساء (23) يحل الزواج منه، والخطر الوراثي بين أبناء العم من الدرجة الثانية أقل بكثير منه بين أبناء العم المباشرين.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن قدامة، «المغني»، كتاب النكاح
- الخطيب الشربيني، «مغني المحتاج» (استحباب الشافعي واعتراض السبكي)
- R. L. Bennett et al., Genetic Counseling and Screening of Consanguineous Couples and Their Offspring, Journal of Genetic Counseling 11 (2002)
- University of Washington News، Study finds cousin marriage risks lower than thought (2002)
- الفحص قبل الزواج لفقر الدم المنجلي والثلاسيميا في السعودية، Annals of Saudi Medicine (2011)
الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور