هل تجوز الصداقة بين الرجل والمرأة في الإسلام؟
سؤال رقم 1134
السؤال
هل يحرم على المسلم والمسلمة من غير المحارم أن يكونا صديقين، أو أن يدرسا معاً، أو أن يقضيا الوقت معاً؟
ملخص الجواب
الصداقة بين المسلمين والمسلمات حلال. فالقرآن يجعل المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (سورة التوبة: 71)، وكان النبي ﷺ يزور أم سليم وأم أيمن، وواصل أبو بكر وعمر زيارة أم أيمن بعده، ودرّست أم الدرداء الرجال والنساء في جامع دمشق. وتقوم هذه الصداقات على الاحترام، والصدق في المشاعر، والوفاء للأزواج، وتجنّب الخلوة التي تجرّ إلى الأذى.
الجواب
الحمد لله

يدرس المسلمون والمسلمات جنباً إلى جنب، ويعملون في الفرق نفسها، ويتطوعون في بنوك الطعام نفسها، ويكبرون جيراناً. فيتساءل كثيرون: هل تجوز الصداقة بين الجنسين، أم إن مجرد الحديث بينهما حرام؟ وجواب القرآن وسيرة النبي ﷺ في ذلك مطمئن: الصداقة بين المسلمين والمسلمات حلال. فالقرآن نفسه يسمّي المؤمنين والمؤمنات أولياء بعضهم لبعض، وقد كان المجتمع المسلم الأول عامراً بمثل هذه الصلات.
هل الصداقة مع الجنس الآخر حرام؟
يصف القرآن جماعة المؤمنين فيقول:
وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ
والأولياء جمع وليّ، وهو الصديق القريب والنصير والمعين. فالآية تجمع الرجال والنساء في دائرة واحدة من الولاء والرعاية والتعاون على الخير. ويبيّن القرآن كذلك الحكمة من تنوّع البشر:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ
هل كان للنبي ﷺ وأصحابه أصدقاء من الجنس الآخر؟
نعم. فقد كان النبي ﷺ يزور أم سليم في بيتها بالمدينة، فلما سئل عن ذلك قال:
«إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي»
وكان يزور كذلك أم أيمن، التي حضنته صغيراً. فلما توفي ﷺ قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: «انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزُورُهَا». فلما بلغاها بكت، فبكيا معها (صحيح مسلم 2454). وكانت امرأة أخرى من أهل المدينة، هي أم شريك، ذات بيت كريم مفتوح، حتى وصفها النبي ﷺ بقوله: «تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي» (صحيح مسلم 1480).
وكانت الصداقة تأخذ كذلك صورة المشورة. فقد ذكر ابن عبد البر في «الاستيعاب» أن عمر كان يقدّم رأي الشفاء بنت عبد الله، وهي امرأة ذات علم كانت تعلّم الكتابة، وكان يولّيها أحياناً شيئاً من أمر السوق.
هل كان الرجال والنساء يتعلمون معاً في صدر الإسلام؟
كان مسجد النبي ﷺ موضع علم للرجال والنساء جميعاً. وكانت النساء يحضرن مجلسه بانتظام، حتى طلبن منه يوماً خاصاً بهن لأن الرجال أخذوا أكثر وقته، فقلن: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ» (صحيح البخاري 101).
وفي الجيل التالي درّست أم الدرداء الصغرى الحديث والفقه في الجامع الكبير بدمشق، ويُروى أن الخليفة عبد الملك بن مروان كان يجلس بين تلاميذها. وبعد قرون درّست كريمة المروزية (ت 1070م) صحيح البخاري في مكة لرجال قدموا من أطراف العالم الإسلامي. ويوثّق كتاب محمد أكرم الندوي «المحدِّثات» (al-Muḥaddithāt) آلافاً من هؤلاء المعلّمات (من هن أشهر العالمات في تاريخ الإسلام؟). فقد كان العلم المشترك بين الجنسين جزءاً مألوفاً من حياة المسلمين.
ما حدود الصداقة بين الرجل والمرأة؟
من العلماء من يكره الصداقة الوثيقة بين الجنسين جملةً، خشية أن تفضي إلى الفتنة. وهذا الاحتياط قول معتبر، ومن أخذ به فاختياره محترم. غير أن توجيه النصوص نفسها أدقّ من ذلك، وهو الذي يرسم معالم الصداقة الصالحة:
- اجتنب الخلوة التي تجرّ إلى الأذى. قال النبي ﷺ: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (صحيح البخاري 5233). وحدّ الفقهاء الخلوة بأنها الانفراد في موضع لا يدخله أحد غيرهما، فالأماكن العامة والمكاتب المفتوحة والجماعات خارجة عنها.
- صُن نظرك وكلامك. يأمر القرآن الرجال والنساء على السواء بغضّ البصر (سورة النور: 30-31)، أي ألّا ينظر أحدهما إلى الآخر بشهوة. وليكن الكلام لطيفاً عفيفاً.
- كن صادقاً في مشاعرك. فإن تحولت الصداقة إلى ميل عاطفي فاعترف بذلك ولا تُخفه (هل الإعجاب بشخص حرام؟)، وإن كان الزواج ممكناً فاسعَ إليه بالطريق الكريم (هل التعارف والمواعدة قبل الزواج حرام؟).
- احفظ حرمة الزواج. فالصداقة التي تؤذي الزوج أو الزوجة، أو تنطوي على حميمية خفية، ظلمٌ له.
- لا تقبل التحرش أبداً. فالاهتمام غير المرغوب فيه، والضغط، واللمس، حرام في كل حال.
وفي السلام والمصافحة انظر جواب هل يجوز للمسلم مصافحة الجنس الآخر؟، وفي مكان المرأة في أماكن العبادة المشتركة انظر هل يجوز للمرأة الذهاب إلى المسجد؟.
كيف ينبغي أن ينظر الآباء والمجتمع إلى هذه الصداقات؟
بالثقة والتوجيه. فالقرآن يأمر: ﴿ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾ (سورة الحجرات: 12). والشباب الذين يُوثق بهم ويُعلَّمون ويُصغى إليهم أحسن اختياراً من الذين يُراقَبون بعين الريبة.
كلمة في الختام
قال النبي ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (سنن أبي داود 4833، وحسّنه الألباني). فميزان الصديق أن يقرّبك من الخير. رزقك الله أصدقاء، رجالاً ونساءً، يذكّرونك به ويعينونك على أن تنمو.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم الكلام مع الجنس الآخر عبر الإنترنت؟
لا. فالحديث عبر الإنترنت تحكمه الآداب نفسها التي تحكم الحديث وجهاً لوجه: اللطف والاحترام والصدق. واحذر الغرباء، ولا تشارك صوراً أو معلومات قد تُستعمل لإيذائك.
هل يجوز للمتزوج أن يكون له أصدقاء من الجنس الآخر؟
الصداقة جائزة، والوفاء للزوج أو الزوجة مقدَّم. فالصداقة المعلنة التي يعلم بها الزوج، والخالية من أي حميمية خفية، تحفظ للزواج حرمته.
هل يحرم أن أنفرد بصديق من الجنس الآخر؟
نهى النبي ﷺ أن يخلو رجل بامرأة (صحيح البخاري 5233). وفهم الفقهاء الخلوة بأنها الانفراد خلف باب مغلق، فالمقهى وقاعة الدرس والمكتب والمشي في مكان عام لا خلوة فيها.
ماذا لو نشأت في قلبي مشاعر تجاه صديقي أو صديقتي؟
المشاعر أمر فطري لا لوم فيه. فكن صادقاً مع نفسك، وإن كان الزواج ممكناً ويرغب فيه كلاكما فامضيا إليه بالطريق الكريم.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 2844، 101، 5233
- صحيح مسلم 2454، 1480
- ابن عبد البر، «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (ترجمة الشفاء بنت عبد الله)
- محمد أكرم الندوي، al-Muḥaddithāt: The Women Scholars in Islam (Interface Publications، 2007)
الصورة: Fridolin freudenfett, Entrance to the Ibn Rushd-Goethe Mosque at the Johanniskirche, Berlin-Moabit, 2017. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور