هل يجوز للمسلم مصافحة الجنس الآخر؟

سؤال رقم 1133

السؤال

هل يجوز للرجل المسلم أن يصافح امرأة، أو للمسلمة أن تصافح رجلاً، من غير المحارم؟

ملخص الجواب

مصافحة الجنس الآخر مجاملةً عاديةً بلا شهوة حلال على القول الأرجح. فلا آية تحرّمها، وكان النبي ﷺ يدع الأمة من إماء المدينة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت، وأجاز فقهاء الحنفية المصافحة حيث تنتفي الشهوة، وأباحها يوسف القرضاوي إذا خلت من الشهوة وخوف الفتنة. ويأخذ كثير من العلماء بالقول الأشد، والمسلم الذي يمتنع عنها جدير بالاحترام.

الجواب

الحمد لله

A square panel of white Iznik tiles patterned with red, cobalt, and green flowers and leaves inside a scalloped red border.

زميل جديد يمدّ يده في اجتماع، ومعلمة تحيّي أولياء الأمور عند باب المدرسة، وجار يمدّ يده مرحّباً. يمرّ المسلمون بهذه اللحظة كل يوم، وكثيراً ما يتساءلون: هل مصافحة هذه اليد حرام؟ وقد اختلف العلماء في ذلك. والقول الأرجح أن المصافحة بين الرجل والمرأة، إذا كانت مجاملة عادية خالية من الشهوة، حلال. ومن آثر من المسلمين ألّا يصافح فهو آخذ برأي معتبر كذلك، وكلاهما جدير باللطف.

هل مصافحة الجنس الآخر حرام؟

لم تذكر آية من القرآن المصافحة بين الرجال والنساء. وتوجيه القرآن في العفة يتحدث عن غض البصر وحفظ الفرج (سورة النور: 30-31)، وهما متعلقان بالشهوة. ويأمر القرآن كذلك بحسن الرد على من يحيّينا:

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآ

سورة النساء: 86

والمصافحة نفسها تحية محبوبة عند المسلمين. فقد قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» (سنن أبي داود 5212، وصححه الألباني).

وتدل السنة كذلك على أن التلامس العادي الخالي من الشهوة كان جزءاً من الحياة في المدينة. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه:

«كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ»

صحيح البخاري 6072

وماذا عن بيعة النبي ﷺ للنساء؟

أقوى أدلة القول الأشد بيعةُ نساء المدينة للنبي ﷺ. فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أنه كان يبايعهن بالكلام، وأن يده لم تمسّ يد امرأة في تلك البيعة (صحيح البخاري 7214). ولما طلبت النساء أن يبايعنه باليد قال: «إِنِّي لاَ أُصَافِحُ النِّسَاءَ إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» (سنن النسائي 4181).

وقد استنتج كثير من العلماء، قديماً وحديثاً، من هذه الروايات أن مصافحة غير المحرم من الجنس الآخر محرمة. وهذا قول معتبر واسع الانتشار.

وقرأ علماء آخرون الروايات نفسها قراءة أضيق. فهي تصف ما فعله النبي ﷺ نفسه في بيعة رسمية، ولم يأمر فيها غيره بشيء. وقد وصفت صحابية أخرى، هي أم عطية، البيعة نفسها فقالت: «فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ يَدَهَا» (صحيح البخاري 4892)، وفهم منه بعض الشرّاح أن الأيدي كانت ممدودة. وامتناع النبي ﷺ، الذي اختاره لنفسه، لا يجعل الفعل وحده حراماً على الجميع.

ماذا قال العلماء في المصافحة؟

أجاز المذهب الحنفي، وهو أوسع المذاهب انتشاراً في العالم الإسلامي، مصافحة العجوز لانتفاء الشهوة. وقد ذكر المرغيناني (ت 593هـ/1197م) في «الهداية» أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصافح العجائز من القبيلة التي استُرضع فيها. والعلة التي ذكرها الفقهاء، أي انتفاء الشهوة وخوف الفتنة، هي لبّ المسألة.

وبناءً على هذا التعليل، انتهى الشيخ يوسف القرضاوي (ت 2022م) في «فتاوى معاصرة» إلى أن المصافحة بين الرجل والمرأة جائزة إذا خلت من الشهوة وخوف الفتنة، وأن الأولى قصرها على مواضع الحاجة، كمصافحة الأقارب والأصهار. ونصح المؤمن المحتاط بألّا يبدأ بمدّ يده، فإن مُدّت إليه يدٌ صافحها.

ويأمر القرآن النبي ﷺ: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ﴾ (سورة الأعراف: 199)، وقد جعل الفقهاء العرف أصلاً من أصول الأحكام في أمور كالتحية. فحيث تكون المصافحة هي التحية المعتادة في العمل والمدرسة وبين الجيران، فهي لا تحمل إلا معنى الاحترام.

كيف يتعامل المسلم مع المصافحة في حياته اليومية؟

  • صافح بقلب سليم. فإن أخذت يداً مجاملةً بلا شهوة، فأنت عامل برأي علمي معتبر.
  • اعتذر بلطف إن شئت. فالابتسامة الدافئة، أو إيماءة الرأس، أو وضع اليد على القلب، مع كلمة توضيح، تحفظ للتحية لطفها.
  • لا تُحرج أحداً. فسحب اليد فجأة من يد ممدودة قد يجرح صاحبها. وقد كان النبي ﷺ ألين الناس، واللين جزء من كل حكم.
  • لا تحكم على اختيار مسلم آخر. فمصافحة المرء أو امتناعه لا تقيس إيمانه. وتتبّع الناس في ذلك ظلم قائم بذاته (هل مضايقة النساء بسبب الحجاب أو الدين حرام؟).

وتكثر هذه المسائل في العمل وفي الصداقات بين الجنسين وبين أتباع الأديان، فانظر هل تجوز الصداقة بين الرجل والمرأة في الإسلام؟ وهل يجوز للمرأة المسلمة أن تعمل؟ وهل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟. أما المودة بين المتحابين فمسألة أخرى (هل التقبيل قبل الزواج حرام؟).

كلمة في الختام

المصافحة أمر صغير، وقد وعد النبي ﷺ فيها بالمغفرة. فسواء مددت يدك أو وضعتها على قلبك، فلتحمل تحيتك السلام، فقد قال الله في أهل الجنة: ﴿وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞ﴾ (سورة يونس: 10). جعل الله كل لقاء لك سبباً للرحمة.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل تنقض مصافحة الجنس الآخر الوضوء؟

يختلف ذلك باختلاف المذاهب. فالحنفية يرون أن اللمس لا ينقض الوضوء، والشافعية يرون أن التقاء بشرة الرجل والمرأة من غير المحارم ينقضه، والمالكية والحنابلة يرون أنه لا ينقضه إلا مع الشهوة.

هل يجوز للمسلمة أن تصافح الرجل في العمل؟

نعم على القول الأرجح، إذا كانت مجاملة خالية من الشهوة. ولها كذلك أن تعتذر بلطف، بابتسامة أو بوضع اليد على القلب، وعلى الزملاء أن يحترموا أيّ الخيارين.

هل يأثم من لمسته فتاة أو شاب عن غير قصد؟

لا. فالتلامس العارض في الزحام، أو في الحافلة، أو عند المرور، لا إثم فيه، والقرآن يرفع الحرج فيما لم يُتعمَّد (سورة الأحزاب: 5).

هل يحرم عناق الجنس الآخر؟

عناق التحية يجري على أصول المصافحة نفسها: عرف البلد، وانتفاء الشهوة، وارتياح الطرفين. أما بين الأهل الأقربين فالعناق من الرحمة.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 6072، 7214، 4892
  2. سنن النسائي 4181
  3. المرغيناني، «الهداية»، كتاب الكراهية (في مصافحة العجوز)
  4. يوسف القرضاوي، «فتاوى معاصرة»، الجزء الثاني (في مصافحة المرأة)

الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور