هل يجوز للمرأة المسلمة أن تعمل؟
سؤال رقم 1065
السؤال
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تعمل أو تبني مسيرة مهنية خارج البيت، وهل تحتاج إلى إذن أحد؟
ملخص الجواب
للمرأة المسلمة أن تعمل في كل مجال مباح، وما تكسبه ملك لها. فالقرآن يقرر أن للنساء نصيباً مما اكتسبن (سورة النساء: 32)، وأمر النبي ﷺ امرأة أن تخرج فتجدّ نخلها، وكانت نساء المدينة يتاجرن ويزرعن ويداوين الجرحى ويعلّمن. والزوجان يقرران أمر العمل معاً، بالشورى وعلى قدم المساواة.
الجواب
الحمد لله

للمرأة المسلمة أن تعمل. فلها أن تشغل وظيفة، وأن تبني مسيرة مهنية، وأن تدير تجارة، وأن تحتفظ بكل درهم تكسبه. فالقرآن يتحدث عن النساء كاسباتٍ بحقهن، والنبي ﷺ أرسل امرأة لتجدّ نخلها، وكانت النساء من حوله يتاجرن ويزرعن ويداوين ويعلّمن. وأما عمل الزوجة فأمر يُحسم داخل الزواج بالشورى بين شريكين متساويين.
ماذا يقول القرآن عن عمل المرأة؟
أوضح آية في ذلك في سورة النساء، حيث ينهى الله المؤمنين عن التحاسد ثم يقول:
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَ
والفعل «اكتسب» معناه الكسب والتحصيل بجهد الإنسان نفسه. وقد استعمله القرآن للنساء كما استعمله للرجال تماماً، فكسب المرأة لها كما أن كسب الرجل له.
ويصف القرآن كذلك المؤمنين والمؤمنات شركاء في الحياة العامة:
وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ
والأمر بالمعروف يأخذ صاحبه إلى السوق والعيادة وقاعة الدرس ومجلس الشورى، والآية تجعل هذا العمل للمؤمنين والمؤمنات معاً. والصورة الأوسع للمرأة في القرآن مبسوطة في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟
هل عملت النساء في عهد النبي ﷺ؟
نعم، وكان النبي ﷺ يشجعهن. فأول من آمن به، خديجة رضي الله عنها، كانت تاجرة من تجار مكة تستأجر الرجال ليحملوا بضاعتها إلى الشام. وقد عمل النبي ﷺ نفسه لها أول الأمر، وهي التي عرضت عليه الزواج (من هي خديجة؟بالإنجليزية).
وفي المدينة طُلّقت خالة جابر بن عبد الله، وأرادت أن تخرج لتجدّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج في عدتها. فأتت النبي ﷺ، فقال لها:
«بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا»
فربط ﷺ عملها بالخير الذي يمكّنها منه. وسائر نساء المدينة يرسمن الصورة نفسها:
- زينب امرأة عبد الله بن مسعود كانت تنفق من مالها على زوجها وعلى أيتام في حجرها. فلما سألت هل يُحسب إنفاقها عليهم صدقة، قال النبي ﷺ: «لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» (صحيح البخاري 1466).
- أسماء بنت أبي بكر كانت تعلف فرس زوجها، وتستقي الماء، وتنقل النوى على رأسها من أرضه التي كانت منها على ثلثي فرسخ، أي نحو ميلين (صحيح البخاري 5224).
- رُفيدة الأسلمية كانت تداوي الجرحى. فلما أصيب سعد بن معاذ إصابة شديدة يوم الخندق حُوّل إليها، وكان النبي ﷺ يعوده عندها صباحاً ومساءً (الأدب المفرد 1132). ولا تزال الممرضات المسلمات يكرّمنها أولَ ممرضة في الإسلام.
- الشفاء بنت عبد الله كانت معلّمة. فقد قال لها النبي ﷺ: «أَلاَ تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ» (سنن أبي داود 3887، وصححه الألباني)، يعني زوجه حفصة. وذكر ابن حجر (ت 1449م) في «الإصابة» أن الخليفة عمر كان يقدّم رأيها، وربما ولّاها شيئاً من أمر السوق.
لمن دخل المرأة العاملة؟
هو لها. فالشريعة عدّت المرأة البالغة دائماً أهلاً كاملة للتملك والبيع والشراء والتعاقد والهبة باسمها. فراتبها ومدخراتها وتجارتها ملك لها، ولا حق فيها لزوج ولا أب ولا أخ.
وقد جعلت المذاهب الفقهية نفقة البيت على الزوج، وهذا الواجب باقٍ عليه وإن كانت زوجته تكسب. وكثير من الأزواج اليوم يختارون أن يجمعوا دخلهم، وهو اختيار جميل إذا ارتضاه الطرفان بحرية. وقصة زينب تبيّن كيف كان النبي ﷺ ينظر إلى عطاء الزوجة لأهلها: صدقةً يضاعف الله أجرها.
هل تحتاج الزوجة المسلمة إلى إذن زوجها لتعمل؟
أعطى كثير من الفقهاء المتقدمين الزوج حق تقييد خروج زوجته، في إطار نظام كان هو وحده المنفق عليها فيه. ولا تزال دار الإفتاء المصرية تجعل له رأياً في ذلك اليوم، لكنها تقرر أن من تزوج امرأة يعلم أنها تعمل فقد رضي بعملها.
والقول الأرجح أن الزوجين يقرران هذه الأمور معاً. فالقرآن يثني على الذين ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ (سورة الشورى: 38)، ويصف الزوجين بأن كلاً منهما لباس للآخر: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّ﴾ (سورة البقرة: 187). فحيث يُتقاسم الدخل ورعاية الأولاد والعمل يُتقاسم القرار كذلك. ولا يحل لأحد الزوجين أن يمنع الآخر رزقاً حلالاً ليتحكم فيه.
ويمنح التراث المرأة كذلك أداة عملية. فالمذهب الحنبلي يصحّح الشروط التي تكتبها الزوجة في عقد زواجها، ويجعل لها حق فسخ الزواج إن أخلّ الزوج بها. وقد قال النبي ﷺ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (صحيح البخاري 2721). فالمرأة التي تريد أن تحتفظ بعملها تستطيع أن تنص عليه في عقدها.
ما الأعمال التي يجوز للمرأة المسلمة أن تعملها؟
كل عمل مباح. والأخلاق نفسها تحكم عمل المرأة وعمل الرجل: أن يكسب بالصدق، ويوفي الكيل، ويفي بالوعد، ويعامل زملاءه وعملاءه بالحسنى. وقد درّست النساء في تاريخ المسلمين الحديث في كبرى المساجد، ووقفن المدارس والمستشفيات، ونسخن المخطوطات، وأدرن الضياع، وقصتهن في جواب العالمات في الإسلام. وأجاز أبو حنيفة أن تتولى المرأة القضاء في المعاملات، وقد انتخبت دول حديثة أكثر سكانها مسلمون نساءً لقيادتها (هل يجوز أن تتولى المرأة رئاسة دولة مسلمة؟بالإنجليزية).
وأماكن العمل التي يعمل فيها الرجال والنساء جنباً إلى جنب جائزة. فقد كان مسجد النبي ﷺ في المدينة موضع صلاة وتعلّم وشأن عام للرجال والنساء معاً، وكانت أسواق المدينة مشتركة. والكرامة وحسن الخلق مطلوبان من الجميع.
العمل عبادة
أكرم النبي ﷺ عمل اليد:
«مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»
فالمرأة التي تداوي أو تعلّم أو تبني أو تتاجر بنية صادقة تفعل ما فعلته نساء المدينة، وعملها يمكن أن يكون عبادة. بارك الله في عمل يد كل مؤمنة ومؤمن، وجعله سبب خير لأسرتها ولمجتمعها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل تحتاج الزوجة المسلمة إلى إذن زوجها لتعمل؟
الزواج في الإسلام قائم على التشاور، فالزوجان يقرران أمر العمل معاً. والمذهب الحنبلي يجيز للمرأة أن تشترط في عقد زواجها، فالمرأة التي تريد أن تحتفظ بعملها تستطيع أن تنص على ذلك فيه.
هل يجب على الزوجة العاملة أن تنفق راتبها على البيت؟
كسب المرأة في الشريعة ملك خالص لها. وما تختار أن تعطيه لأسرتها فهو هبة منها، وقد قال النبي ﷺ إن لها في ذلك أجرين.
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تعمل في مكان مختلط؟
نعم. فقد كان النساء والرجال في المدينة يصلّون ويتعلمون ويتبايعون في المسجد نفسه والأسواق نفسها. وأخلاق العمل واحدة للجميع: الصدق، وحسن المعاملة، والكسب الحلال.
ماذا يقول الفقه الحنفي في عمل المرأة؟
يعدّ الفقه الحنفي المرأة البالغة كاملة الأهلية في التملك والبيع والشراء والتعاقد. بل أجاز أبو حنيفة أن تتولى المرأة القضاء في المعاملات.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 1483 (خالة جابر ونخلها)
- صحيح البخاري 1466 (زينب امرأة ابن مسعود)
- البخاري، الأدب المفرد 1132 (رفيدة)
- ابن حجر العسقلاني، «الإصابة في تمييز الصحابة» (ترجمة الشفاء بنت عبد الله)
- دار الإفتاء المصرية، A woman's right to work
- مشروع الأخلاق الجنسية النسوية، جامعة برانديز: Marriage and stipulations
الصورة: Diego Delso, The Vakil Bazaar, Shiraz, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور