هل يجوز للحائض أن تصلي أو تقرأ القرآن؟
سؤال رقم 1059
السؤال
هل يجوز للمرأة المسلمة في أيام الحيض أن تصلي، أو تقرأ القرآن، أو تمس المصحف، أو تدعو، أو تذهب إلى المسجد؟
ملخص الجواب
تدع المرأة في أيام حيضها الصلاة ولا تقضيها، وتقضي ما فاتها من الصيام بعد ذلك. والقول الأرجح أن لها أن تقرأ القرآن، لأن الحديث الذي يمنعها ضعيف، وقد أجاز ذلك المالكية وابن حزم وابن تيمية وابن القيم. أما الدعاء والذكر والاستماع إلى القرآن فمباحة لها بالاتفاق، وقد قال النبي ﷺ لعائشة: «إن حيضتك ليست في يدك».
الجواب
الحمد لله

الحيض من خلق الله للمرأة، وقد قابلته الشريعة بالتيسير. فالمرأة في أيام حيضها تدع الصلوات الخمس ولا تقضيها، وتؤخر الصيام ثم تقضي أيامه بعد ذلك. وما سوى ذلك من حياتها مع الله باقٍ مفتوح: فلها أن تدعو، وأن تذكر الله، وأن تستمع إلى القرآن، وأن تشهد العيد، ولها على القول الأرجح أن تقرأ القرآن نفسه. فالحيض لا ينقص شيئاً من قربها من ربها.
لماذا لا تصلي المرأة في أيام الحيض؟
ترك الصلاة في الحيض رحمة وتخفيف من الرب الذي يقول:
يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ
فالمرأة التي ينزل منها الدم، وكثيراً ما تكون متألمة متعبة، أُعفيت من تكرار الطهارة والقيام لخمس صلوات في اليوم، وأُعفيت كذلك من عبء قضائها. وقد سألت امرأةٌ عائشةَ رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فأجابتها عن تجربة: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ» (صحيح مسلم 335). ويسمّي القرآن الحيض أذى، فيقول: ﴿قُلۡ هُوَ أَذٗى﴾ (سورة البقرة: 222)، والشريعة تقابل الأذى بالتخفيف. أما ما فاتها من الصيام فتقضيه بعد رمضان على مهل (ما هي مفطرات الصيام في رمضان؟).
وكان النبي ﷺ يتحدث عن الحيض برفق. فلما حاضت عائشة في طريقها إلى الحج، وجلست تبكي بسَرِف، دخل عليها فقال:
«إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»
فوقفت بعرفة، ورفعت صوتها بالتلبية، وذكرت الله في أعظم أيام السنة، ولم تؤخر من المناسك إلا الطواف بالكعبة.
هل يجوز للحائض قراءة القرآن؟
اختلف العلماء في ذلك. فمنع الحنفية والشافعية والحنابلة الحائض من قراءة القرآن، وأجازوا لها ما تقوله على وجه الدعاء أو الذكر من قصير العبارات. وعمدتهم حديث: «لاَ تَقْرَإِ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (جامع الترمذي 131). وقد رواه الإمام الترمذي ونقل معه نقد البخاري لراويه إسماعيل بن عياش، إذ كانت رواياته عن أهل الحجاز غير معتمدة، وضعّفه الألباني.
وأجاز القراءةَ للحائض كثير من كبار العلماء. فالمذهب المالكي يجيزها، لأن الحيض يمتد أياماً كثيرة، والمرأة الحافظة قد تنسى ما حفظته. ويُروى القول نفسه عن الشافعي في مذهبه القديم، وفي رواية عن أحمد بن حنبل، وعن الطبري. وقال ابن حزم (ت 456هـ/1064م) في «المحلى»: «وقراءة القرآن والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوء وبغير وضوء، وللجنب والحائض». وذهب ابن تيمية (ت 728هـ/1328م) إلى أنه لا نص صريح صحيح يمنع الحائض من القراءة، ووافقه تلميذه ابن القيم.
والسنة تدل على المعنى نفسه. فقد أخبرت عائشة أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجرها وهي حائض ثم يقرأ القرآن (صحيح البخاري 297). وذكر الإمام البخاري في ترجمة باب من صحيحه أن ابن عباس لم يرَ بالقراءة للجنب بأساً، وأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه.
فالقول الأرجح أن للحائض أن تقرأ القرآن، حفظاً أو من شاشة، في حلقات التلاوة والدروس وفي وردها بالليل. فللمعلمة أن تعلّمه، وللطالبة أن تراجعه، والفتاة التي تستعد لمسابقة في التلاوة لا يلزمها أن تنقطع عنه أسبوعاً.
هل يجوز للحائض مس المصحف؟
ذهب الجمهور إلى منع الحائض من مس المصحف العربي مباشرة، وحملوا قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ (سورة الواقعة: 79) على أنه حكم للناس. وكثير من المفسرين الأوائل فهموا الآية في الكتاب الذي في السماء، فقد روى الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المطهَّرين فيها هم الملائكة. وأجاز ابن حزم، كما سبق في كلامه، مس المصحف على كل حال.
والمرأة التي تأخذ بقول الجمهور تبقى أمامها سبل كثيرة للقراءة: فلها أن تمسك المصحف بحائل منفصل كقطعة قماش أو من وراء غلافه، وأن تقرأ من الهاتف أو الجهاز اللوحي، أو من ترجمة مطبوعة مع تفسيرها. وتفصيل مس المصحف من غير وضوء في جواب هل يجوز مس المصحف بدون وضوء؟
هل يجوز للحائض دخول المسجد؟
أمر النبي ﷺ الحُيَّض في العيد أن يخرجن مع الناس، فقال: «وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ» (صحيح البخاري 324)، ولم يأمرهن إلا باعتزال مصلّى الناس. وطلب ﷺ من عائشة أن تناوله الخُمرة من المسجد، فلما قالت إنها حائض، قال:
«إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»
فبدنها طاهر لا يُتّقى مسّه، ويدها تمتد إلى بيت الله. واختلف العلماء في مكث الحائض في قاعة الصلاة، وتستطيع المرأة على كل حال أن تحضر الدروس والمجالس والأنشطة التي تقام في سائر مرافق المسجد (هل يجوز للمرأة الذهاب إلى المسجد؟). فإذا طهرت اغتسلت (كيفية الغسل) وعادت إلى الصلاة.
كيف أبقى قريبة من الله في أيام الحيض؟
- ادعي الله كما تشائين. فقد اتفقت المذاهب كلها على أن الدعاء والذكر والصلاة على النبي ﷺ مفتوحة لك (كيف أدعو الله؟).
- حافظي على وردك من القرآن على القول الأرجح، أو استمعي إلى التلاوة إن أخذتِ بقول الجمهور.
- احفظي أوقات الصلاة. فبعض النساء يُبقين سجادة الصلاة مبسوطة، ويقضين عند كل وقت صلاة دقائق في الذكر، فيحفظن بذلك إيقاع اليوم.
- استريحي بلا شعور بالذنب. فهذا أمر كتبه الله على بنات آدم، وهو من خلقه وتقديره.
دعاء في الختام
في خاتمة سورة البقرة دعاء يعلّمه القرآن لكل مؤمن يحمل ثقلاً:
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآ
نسأل الله أن يجعل كل مرحلة من حياة المرأة موسماً للقرب منه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز للحائض مس المصحف؟
يمنع جمهور الفقهاء الحائض من مس المصحف العربي مباشرة، وأجازه ابن حزم وغيره. وكثير ممن يمنعه يجيز حمله بحائل منفصل أو القراءة من الهاتف، فلا تحتاج امرأة إلى أن تنقطع عن القرآن.
هل يجوز للحائض الدعاء والذكر؟
نعم، باتفاق المذاهب كلها. فللحائض أن تدعو، وأن تذكر الله، وأن تصلي على النبي ﷺ، وأن تستمع إلى القرآن في كل وقت.
هل تقضي الحائض الصلوات التي فاتتها؟
لا. فقد أخبرت عائشة أن النساء في عهد النبي ﷺ كنّ إذا حضن يؤمرن بقضاء الصوم، ولم يؤمرن قط بقضاء الصلاة (صحيح مسلم 335).
ما رأي الشيعة في قراءة الحائض للقرآن؟
في الفقه الجعفري يجوز للحائض أن تقرأ القرآن إلا آيات السجدة الواجبة الأربع. ويرى بعض الفقهاء كراهة الإكثار من القراءة في الحيض، والكراهة هنا تنقص الثواب ولا تحرّم القراءة.
هل يجوز للحائض الاستماع إلى القرآن؟
نعم. فلا يمنع أي مذهب الاستماع إلى القرآن في أيام الحيض، وهو سبيل حسن لتبقى المرأة قريبة من كتاب الله.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 294، 297، 324؛ صحيح مسلم 298، 335
- جامع الترمذي 131 (الحديث الضعيف في قراءة الحائض)
- ابن حزم، «المحلى»
- ابن تيمية، «مجموع الفتاوى»
- الطبري، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، تفسير سورة الواقعة: 79
الصورة: Shadhi ibn Muhammad ibn Ayyub (calligrapher); Aydughdi ibn ʿAbdallah al-Badri (illuminator), Folio from a Mamluk Qurʾan (Sūrat al-Sajda), Cairo, 1313–1314. Freer Gallery of Art, Smithsonian Institution, Washington (F1938.15). Public domain, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور