ماذا يقول الإسلام عن حقوق العمال والأجر العادل؟

سؤال رقم 1260

السؤال

ما حقوق العامل في الإسلام؟ وما الذي يجب على صاحب العمل أن يدفعه ويوفّره؟ وهل يجوز للمسلم أن ينضم إلى نقابة أو يُضرب عن العمل؟

ملخص الجواب

حقوق العمال جزء من الشريعة. فالقرآن ينهى عن بخس الناس أشياءهم، والنبي ﷺ أمر أن يُعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، والله يعلن أنه خصم من استوفى العمل ولم يعطِ الأجر. ولا يجوز لصاحب العمل أن يكلّف العمال ما يغلبهم، وعليه أن يعاملهم معاملة الإخوة. والتكاتف من أجل أجر عادل وعمل آمن، كما في النقابات، من التعاون على البر الذي أمر به القرآن.

الجواب

الحمد لله

A long vaulted brick bazaar corridor lined with shops of bright folded fabrics, its arches lit by hanging lamps and a window of colored glass.

يكرّم الإسلام العمل ويحمي العامل. فقد عمل النبي ﷺ نفسه بالأجرة في شبابه، ويتكلم القرآن والسنة عن الأجر وساعات العمل والكرامة بصراحة لا تزال تدهش القارئ. وتقوم حقوق العمال في الإسلام على ثلاثة واجبات على صاحب العمل: أن يدفع ما اتُّفق عليه، وأن يدفعه في وقته، وألّا يحمّل العامل أو العاملة فوق ما يطيق. وحبس الأجر من أعظم الذنوب في السنة.

ماذا يقول القرآن عن الأجر العادل؟

قال النبي شعيب عليه السلام لتجار مدين:

وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ

سورة هود: 85

فأجر العامل حقٌّ له، ودفعُ أقل مما اتُّفق عليه، أو أقل مما يستحقه العمل، هو البخس الذي تنهى عنه الآية. وتبدأ سورة المطففين بالويل للذين يستوفون الكيل من الناس ثم يُنقصونه إذا كالوا لهم (سورة المطففين: 1-3). وصاحب العمل الذي يطلب كل ساعة من يوم العامل ثم يبخسه أجره يفعل ذلك بعينه.

ويضع القرآن كذلك حداً لكل عبء: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286). فصاحب العمل الذي يحمّل العمال فوق طاقتهم قد أخذ لنفسه سلطاناً لم يأخذه الله لنفسه.

ماذا قال النبي ﷺ عن أجور العمال؟

أمر ﷺ بتعجيل الأجر فقال: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (سنن ابن ماجه 2443، وصححه الألباني). وروى عن ربه من أشد الوعيد في السنة:

«قَالَ اللَّهُ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ»

صحيح البخاري 2227

ولفظ «استوفى» من أصل الكلمة نفسها التي في آية المطففين: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ﴾ (سورة المطففين: 2). فسرقة الأجر معدودة في أعظم المظالم.

وكان النبي ﷺ يعرف العمل من داخله. فقد أخبر أصحابه أن كل نبي رعى الغنم، وأنه كان يرعاها لأهل مكة على قراريط (صحيح البخاري 2262). وقال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (صحيح البخاري 2072).

كيف يعامل صاحب العمل عماله؟

لما عيّر أبو ذر رجلاً بأمه، عاتبه النبي ﷺ وقال:

«إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ»

صحيح البخاري 30

وقد قال ذلك في الخدم والرقيق في زمانه (هل كان للنبي محمد عبيد؟ وهل يبيح الإسلام الرق؟). فإذا كان هذا ما أوجبه لمن لا حرية قانونية لهم، فالموظف الحر أولى بأن يُعطى مثله على الأقل. ويطلب هذا الحديث بلغة يومنا:

  • أجراً يكفي للعيش، يُدفع كاملاً وفي وقته.
  • ساعات عمل معقولة وراحة حقيقية، مع العون حين يثقل العمل.
  • ظروف عمل آمنة، لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة.
  • الكرامة: فلا شتم، ولا إذلال، ولا احتقار لأصل العامل أو أهله.
  • الحرية: فلا مصادرة لجوازات السفر، ولا ديون تحبس العمال المهاجرين في أعمالهم.

وهذه الواجبات جزء من عناية الشريعة الأوسع بالفقراء، المبسوطة في جوابَي ماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟ وما هي الشريعة الإسلامية؟

هل يجوز للمسلم أن ينضم إلى نقابة أو يُضرب عن العمل؟

نعم. فالعمال الذين يتكاتفون لطلب أجر عادل وظروف عمل آمنة يمتثلون أمراً من أوامر القرآن:

وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ

سورة المائدة: 2

وفي سيرة النبي ﷺ نفسه سابقة لذلك. فنحو سنة 590 للميلاد باع تاجر من زبيد في اليمن بضاعة للعاص بن وائل، وهو رجل ذو نفوذ من قريش، فأبى أن يدفع ثمنها، عالماً أن الغريب لا عشيرة له تدافع عنه. فاجتمع وجوه مكة وعقدوا حلف الفضول، وتعاهدوا أن يقفوا مع كل مظلوم، فاستُردّت بضاعة التاجر. وقد شهده محمد ﷺ في شبابه، وظل بعد النبوة يُثني على هذا الحلف. والنقابة التي تقف مع العمال الذين حُبست أجورهم تحمل الروح نفسها. والإضراب السلمي والتفاوض وسيلتان مشروعتان إلى هذه الغاية.

ماذا يطلب الإسلام من العامل؟

العدل يجري في الاتجاهين. فالقرآن يثني على الأجير ﴿ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾ (سورة القصص: 26). والمسلم الذي يقبل أجراً عليه أن يؤدي العمل بأمانة وعناية، وصاحب العمل العادل جدير بالوفاء. وحق المرأة المتساوي في العمل وفي الأجر العادل مبيّن في جواب هل يجوز للمرأة المسلمة أن تعمل؟

كلمة في الختام

كل عمل يُتقن، في الحقل أو في المكتب أو في المطبخ، يراه الله:

وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ

سورة التوبة: 105

بارك الله في الأيدي العاملة، وجعل كل صاحب عمل عادلاً، وكل أجر وافياً.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم تأخير أجر العامل أو حبسه؟

نعم. فقد أمر النبي ﷺ أن يُعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه (سنن ابن ماجه 2443)، وفي الحديث القدسي يجعل الله صاحب العمل الذي يحبس أجر العامل من الثلاثة الذين هو خصمهم يوم القيامة (صحيح البخاري 2227).

هل يجوز للمسلم أن ينضم إلى نقابة أو يُضرب عن العمل؟

نعم. فتكاتف العمال لطلب أجر عادل وظروف عمل آمنة من التعاون على البر (سورة المائدة: 2). وقد شهد محمد ﷺ في شبابه حلف الفضول، وهو حلف عقده أهل مكة لإنصاف تاجر مُنع ثمن بضاعته.

هل يجوز أخذ جواز سفر العامل أو وثائقه؟

لا. فحبس أوراق الإنسان لمنعه من ترك عمله سلبٌ للحرية التي وهبه الله إياها، والحديث القدسي يجعل بيع الحر من أعظم المظالم (صحيح البخاري 2227).

ماذا يطلب الإسلام من العامل؟

الأمانة وإتقان العمل. فالقرآن يثني على الأجير القوي الأمين (سورة القصص: 26)، والعامل الذي يقبل عملاً عليه أن يؤديه بعناية واجتهاد.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. سنن ابن ماجه 2443 (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)
  2. صحيح البخاري 2227 (الحديث القدسي في حبس الأجر)
  3. صحيح البخاري 30، 2072، 2262
  4. ابن كثير، «السيرة النبوية» (في حلف الفضول)
  5. مارتن لينغز، Muhammad: His Life Based on the Earliest Sources (1983)

الصورة: Diego Delso, The Vakil Bazaar, Shiraz, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور