ما هي الشريعة الإسلامية؟
سؤال رقم 1043
السؤال
ما هي الشريعة، وما الذي تطلبه أحكامها في الحقيقة من المسلمين ومن المجتمع؟
ملخص الجواب
الشريعة هي الطريق الذي فتحه الله للناس، وأحكامها كلها في خدمة العدل والرحمة. فقد وصف القرآن النبي ﷺ بأنه رحمة للعالمين (سورة الأنبياء: 107)، وعرّف العلماء الشريعة بمقاصدها: حفظ النفس والعقل والدين والأسرة والمال. أما الفقه فهو الجهد البشري في فهمها، ولذلك يختلف باختلاف المذاهب والعصور. والمجتمع الذي يحيا بالشريعة يُطعم الفقير، ويداوي المريض، ولا يُكره أحداً على دينه.
﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾
الجواب
الحمد لله

الشريعة هي الطريق الذي فتحه الله للناس، إليه سبحانه وإلى بعضهم بعضاً. وأصل الكلمة في لسان العرب مورد الماء الذي يُنحدر إليه: الطريق المطروق الذي يقود العطشان إلى النهر. وقد حفظ العلماء هذه الصورة بعناية؛ فالشريعة طريق إلى ماء الحياة، وكل حكم فيها إنما وُضع لخدمة العدل والرحمة. وقد قال الله تعالى في النبي ﷺ الذي جاء بها: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107).
وكثير من الناس إذا سمعوا بالشريعة لم يخطر ببالهم أولاً إلا العقوبات، والتراث يعرّفها بأوسع من ذلك بكثير. فقد كتب الإمام ابن قيم الجوزية (ت 1350م) رحمه الله في «إعلام الموقعين» أن الشريعة مبنية على الحِكَم ومصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأنها «عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها». فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى القسوة، وعن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة عنده، وإن أدخلها فيها أحدٌ بالتأويل.
ما معنى كلمة الشريعة في القرآن؟
وردت كلمة «شريعة» في القرآن مرة واحدة، في خطاب النبي ﷺ:
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا
ووردت كلمة من أصلها في سورة المائدة، إذ يخاطب الله أمم الأرض فيقول: ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ (سورة المائدة: 48)، ثم تمضي الآية فتأمرهم أن يستبقوا الخيرات. فالقرآن يقدّم الشرع الإلهي منذ البدء طريقاً يتسع للاختلاف، شُرع ليعمل الناس الخير.
ما الفرق بين الشريعة والفقه؟
يميّز العلماء بين أمرين كثيراً ما تخلط بينهما عبارة «قانون الشريعة». فالشريعة طريق الله نفسه، كاملٌ رحيم. والفقه، ومعناه «الفهم»، هو جهد الفقهاء البشري في استنباط هذا الطريق من القرآن والسنة في زمانهم ومكانهم. والفقه علمٌ دقيق متأنٍّ يحتمل الخطأ، وقد أكرم النبي ﷺ هذا الجهد حتى حين يخطئ:
«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»
ومن هنا نشأت المذاهب الفقهية: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي عند أهل السنة، والجعفري عند الشيعة. وهي كثيراً ما تختلف، والتراث يعدّ هذا الاختلاف رحمة. ولما عرض الخليفة العباسي المنصور أن يجعل «موطأ» الإمام مالك قانوناً واحداً للدولة كلها، أبى مالك، لأن الصحابة، فيما يُروى، تفرّقوا في البلدان، وعند أهل كل بلد شيء من علمهم. ولذلك يقبل الفقه النموّ، ويعود العلماء في كل عصر إلى المصادر بالاجتهاد. وهذا التجديد هو عمل الإسلام التقدمي اليوم.
ما هي مقاصد الشريعة؟
سأل كبار الفقهاء: لأي غاية جاءت الشريعة؟ فأجاب الإمام الغزالي (ت 1111م) في «المستصفى» بأن كل حكم فيها يخدم حفظ خمسة أمور: الدين، والنفس، والعقل، والنسل وما يتصل به من أسرة ونسب، والمال. فكل ما يحفظها موافق للشريعة، وكل ما يفوّتها مخالف لها.
ثم بنى الإمام الشاطبي الغرناطي (ت 1388م) على ذلك في «الموافقات»، فجعل مقاصد الشريعة ميزاناً تُقرأ به النصوص كلها. وجدّد العلّامة التونسي محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1973م) هذا العلم في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» (1946). وفي زماننا بيّن جاسر عودة في كتابه Maqasid al-Shariah as Philosophy of Islamic Law (2008) كيف تخاطب هذه المقاصد قضايا الكرامة الإنسانية والتنمية والحقوق.
ويقدّم القرآن الميزان نفسه في آية يتلوها الخطباء في خطب الجمعة منذ قرون:
۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
ماذا تطلب الشريعة من المجتمع؟
المجتمع الذي يحيا بالشريعة يبدأ برعاية أضعف أفراده. فالزكاة فريضة، وهي حق للفقراء والمساكين والغارمين وفي الرقاب وابن السبيل (سورة التوبة: 60)، وتفصيل أحكامها في جواب كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟. ويروي المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أول الأمر لا يفرض العطاء من بيت المال إلا للمفطوم من الأطفال. فسمع ذات ليلة رضيعاً يبكي، لأن أمه تعجّلت فطامه لتنال العطاء. فلما أصبح أمر بأن يُفرض العطاء لكل مولود منذ ولادته.
وفي عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (حكم 717-720م) تروي كتب التاريخ أن عمّال الزكاة في بعض الأقاليم لم يجدوا فقيراً يأخذها. ثم بنت المجتمعات الإسلامية بعد ذلك البيمارستانات التي تداوي المرضى بلا مقابل، والأوقاف التي تُطعم المسافرين، وتعلّم الأيتام، وتُصلح الجسور. وفي جوابَي الرعاية الصحية الشاملة والفقر تفصيل هذه الأخبار. فإذا أخذت الأمة مقاصد حفظ النفس والعقل والمال بجد، صارت هذه المقاصد طعاماً وشفاءً وعلماً وكرامةً للناس جميعاً.
هل تعني الشريعة العقوبات القاسية؟
الحدود أحكام معدودة من بين آلاف الأحكام، وقد أحاطها الفقهاء المتقدمون بشروط بالغة الشدة حتى ندر تطبيقها. والقول الصحيح اليوم أنها ليست للتطبيق، وأسباب ذلك مبسوطة في جواب هل يقطع الإسلام الأيدي حقاً؟.
والشريعة كذلك لا تُكره ضمير أحد: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة البقرة: 256)، ولذلك لا عقوبة دنيوية فيها على ترك الإسلام، كما هو مبيّن في جواب ماذا يحدث للمسلم إذا ترك الإسلام؟. والإيمان المفروض بالإكراه لا وزن له عند الله.
هل يمكن للمسلمين أن يعيشوا بالشريعة في بلد علماني؟
نعم، وأكثرهم يفعلون. فأكثر الشريعة صلاة وصيام، وصدق في التجارة، وبرّ بالوالدين، ووفاء في الزواج، وإحسان إلى الجيران، وصدقة. والمسلم في تورنتو أو برلين يحيا بالشريعة كلما صلّى الصلاة في وقتها، وأدّى ما عليه من حقوق، وأطعم جائعاً.
وقد ذهب الفقيه القانوني السوداني عبد الله أحمد النعيم في كتابه Islam and the Secular State (2008) إلى أن طاعة المسلم للشريعة لا قيمة لها إلا إذا اختارها بحرية، فلا يجوز للدولة أن تفرضها على أحد باسم الشريعة. والدولة العادلة المحايدة التي تحمي حرية الدين تترك للمسلمين أن يعيشوا دينهم بإخلاص.
طريق اليسر
وقد جمع النبي ﷺ روح الشريعة كلها حين بعث أصحابه معلّمين فقال: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا» (صحيح البخاري 69). وقال القرآن مثل ذلك في صيام رمضان، فجعله العلماء أصلاً للشريعة كلها:
يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ
جعلنا الله ممن يسلكون هذا الطريق إلى الماء شاكرين، ويجدون في شرعه الرحمة التي أودعها فيه، ويحملون هذه الرحمة إلى كل من يلقون.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الشريعة هي الفقه؟
الشريعة هي الطريق الإلهي نفسه، الكامل الرحيم. أما الفقه، ومعناه الفهم، فهو عمل الفقهاء البشري في قراءة القرآن والسنة في زمانهم ومكانهم، ولذلك كثيراً ما تختلف أجوبة المذاهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري.
ماذا تقول الشريعة عن المرأة؟
خلق الله النساء والرجال من نفس واحدة (سورة النساء: 1)، ووعدهم أجراً متساوياً على أعمالهم (سورة الأحزاب: 35). ومقاصد الشريعة تحفظ لكل إنسان نفسه وعقله ودينه وأسرته وماله، وللمرأة أن تتولى القيادة، وأن تعلّم، وأن تعمل، وأن تختار زوجها بنفسها.
هل تعني الشريعة قطع الأيدي؟
الحدود أحكام معدودة من بين آلاف الأحكام، أحاطها الفقهاء المتقدمون بشروط بالغة الشدة حتى ندر تطبيقها، وهي ليست للتطبيق اليوم. وأكثر الشريعة في الصلاة والصدق والصدقة وحياة الأسرة.
هل يستطيع المسلمون اتباع الشريعة في بلد غير مسلم؟
نعم. فالمسلم يحيا بالشريعة حيثما صلّى وصام وأدّى الزكاة ووفى بوعده وعدل مع الناس، ولا يحتاج شيء من ذلك إلى دولة تفرضه.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن قيم الجوزية، «إعلام الموقعين عن رب العالمين»
- الشاطبي، «الموافقات في أصول الشريعة»
- الغزالي، «المستصفى من علم الأصول»
- جاسر عودة، Maqasid al-Shariah as Philosophy of Islamic Law: A Systems Approach (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2008)
- عبد الله أحمد النعيم، Islam and the Secular State: Negotiating the Future of Shari'a (مطبعة جامعة هارفارد، 2008)
- صحيح البخاري 7352
الصورة: Ondřej Havelka, The Great Mosque of Djenné, Mali, 2021. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور