ماذا يحدث للمسلم إذا ترك الإسلام؟
سؤال رقم 1047
السؤال
ماذا يحدث للمسلم الذي يترك الإسلام أو يتحول إلى دين آخر، وهل للردة عقوبة؟
ملخص الجواب
ترك الإسلام لا عقوبة دنيوية عليه. فالقرآن يعلن أنه لا إكراه في الدين (سورة البقرة: 256)، ويجعل الإيمان والكفر إلى مشيئة الإنسان (سورة الكهف: 29)، ولم يجعل للردة عقوبة. وذهب فقهاء متقدمون كإبراهيم النخعي إلى أن من ترك الإسلام يُدعى إلى العودة ما دام حياً. والأسرة تحفظ روابط المحبة، والحساب الأخير لله وحده.
﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّ﴾
الجواب
الحمد لله

ترك الإسلام لا عقوبة دنيوية عليه. فمن ترك الدين يبقى له نفسه وماله وكرامته ومكانه في أسرته. وحكم القرآن في ذلك صريح: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة البقرة: 256). فالإيمان الذي يقبله الله إيمان يُعطى عن حرية، والاعتقاد الذي يُمسك عليه المرء خوفاً لا وزن له عنده.
وهذا الجواب موجّه إلى الأسر التي يحزنها اختيار عزيز عليها، وإلى من تساوره الأسئلة أو من ترك الدين فعلاً. فقد جعل الله أمر الإيمان بينه وبين كل نفس.
ماذا يقول القرآن عن ترك الإسلام؟
يذكر القرآن ترك الناس للإيمان في مواضع كثيرة، ويَكِل حسابهم في كل مرة إلى الله، ولا يجعل لذلك عقوبة دنيوية قط. وهو يخاطب حرية الاعتقاد مباشرة:
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ
ويذكّر الله نبيه ﷺ بأن اليقين لا يُفرض بالإكراه، ولو على يد نبي:
أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ
وتصف سورة النساء قوماً ﴿ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ (سورة النساء: 137). والآية تفترض أن هؤلاء يبقون بين الناس مدة تكفي لأن يغيّروا رأيهم مرة بعد مرة، وتكل حسابهم إلى الله. وتقول سورة المائدة إنه إن ارتد قوم عن دينهم ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ (سورة المائدة: 54). ولا تأمر أيٌّ من الآيتين بإيذاء أحد.
كيف عامل النبي ﷺ من تركوا الإسلام؟
بايع أعرابي النبي ﷺ على الإسلام في المدينة، ثم أصابته حمّى، فجاءه ثلاث مرات يقول: «أَقِلْنِي بَيْعَتِي». وكان النبي ﷺ يأبى في كل مرة، حتى خرج الرجل من المدينة، فلم يلحقه أحد ولم يؤذه أحد (صحيح البخاري 7211).
وفي صلح الحديبية (628م) قبل النبي ﷺ ألا يُردّ إليه من ترك المدينة من المسلمين ولحق بمكة (صحيح مسلم 1784). فقد ترك الصلح للناس أن يفارقوا الجماعة دون أن يُطارَدوا.
ماذا عن حديث قتل المرتد؟
في صحيح البخاري حديث نصّه: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (صحيح البخاري 6922). وقد اختلف العلماء في فهمه، فحمله أكثر الفقهاء المتقدمين على أنه عقوبة عامة، وما زال هذا القول الأشد يُدرَّس في بعض البلاد.
وفهمه كثير من العلماء، قديماً وحديثاً، على غير ذلك. فهو حديث آحاد، ويجب أن يُقرأ في ضوء آيات القرآن الكثيرة في حرية الاعتقاد. وكان ترك الجماعة في عهد النبي ﷺ يعني في الغالب الانضمام إلى أعدائها في الحرب. والمذهب الحنفي نفسه ذهب إلى أن المرأة المرتدة لا تُقتل، لأن العقوبة كانت مرتبطة بالرجال القادرين على حمل السلاح على الجماعة. وعلى هذا الفهم كانت الجريمة خيانةً وخروجاً مسلحاً، ولم يُعاقَب على الاعتقاد وحده قط.
وكان الفقيه الكوفي المتقدم إبراهيم النخعي (ت 714م) يرى أن من ترك الإسلام يُستتاب أبداً، أي يُدعى إلى العودة ما بقي حياً، ويُروى مثل ذلك عن سفيان الثوري (ت 778م). ودعوة تمتد العمر كله لا تترك موضعاً للقتل. وفي القرن العشرين ذهب شيخ الأزهر محمود شلتوت (تولى المشيخة 1958-1963) إلى أن كثيراً من العلماء لا يُثبتون الحدود بأحاديث الآحاد، وأن الكفر وحده لا يبيح الدم. وبيّن طه جابر العلواني في كتابه Apostasy in Islam (2011) أن القرآن والسنة يخلوان من أي دليل صريح على عقوبة من لم يفعل شيئاً سوى أن غيّر دينه. وذهب العالم السوداني عبد الله أحمد النعيم إلى أن الإيمان لا قيمة له إلا إذا كان حراً. والقول الأرجح، وهو الموافق للقرآن، أن الردة لا عقوبة دنيوية عليها.
ماذا تفعل الأسرة حين يترك أحد أفرادها الإسلام؟
الحزن طبيعي حين يترك ولد حبيب أو أخ عزيز الدين الذي تعتز به. فاجعل حزنك في دعائك، واجعل حبك في أفعالك. فالقرآن يأمر الولد أن يصاحب والديه ﴿فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا﴾ حتى حين يدعوانه إلى الشرك (سورة لقمان: 15). ولما قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أمها، وهي يومئذ مشركة، تزورها، قال لها النبي ﷺ: «صِلِي أُمَّكِ» (صحيح البخاري 2620).
والأمر نفسه إذا كان الولد هو الذي ترك. فقطع الابن أو البنت، أو تهديدهما، أو التشهير بهما بين الناس، حرام، كما هو مبيّن في جوابَي هل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت؟ وهل يحرم التضييق على الناس بسبب الدين؟. أبقوه على مائدة الأسرة، فكثير ممن يتركون يعودون مع الزمن، ويعودون من الباب الذي أبقته المحبة مفتوحاً.
ماذا لو كانت لديّ شكوك في إيماني، أو كنت قد تركته؟
الأسئلة جزء من حياة الإنسان، وكثير من كبار العلماء صارعوا الشك قبل أن يبلغوا اليقين. فالإمام الغزالي (ت 1111م) يصف في سيرته الذاتية «المنقذ من الضلال» فترة من الشك العميق دامت نحو شهرين. ولا حاجة بك إلى أن تخفي أسئلتك عن الله، فهو يعلمها.
وإن كنت قد تركت الإسلام، فحياتك وسلامتك مصونتان. لا يحق لأحد أن يهددك، وإن فعل أحد ذلك فاتصل بالشرطة في بلدك. ومصيرك الأخير إلى الله الذي قال: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (سورة الأعراف: 156)، والذي يحاسب كل إنسان على ما علمه حقاً وما قدر على فهمه. ويبيّن جواب هل يدخل غير المسلمين النار؟ سعة هذه الرحمة.
دعاء في الختام
يعلّم القرآن المؤمنين دعاءً بالثبات يستطيع كل قلب أن يجعله دعاءه:
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ
جمع الله كل أسرة على المحبة، وهدى كل قلب باحث إلى الحق والخير.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل عقوبة الردة في الإسلام القتل؟
لا. فالقرآن لم يجعل لترك الإسلام عقوبة دنيوية، وذهب كثير من العلماء، منهم شيخ الأزهر محمود شلتوت وطه جابر العلواني، إلى أن حديث المرتد إنما ورد فيمن حمل السلاح على الجماعة في الحرب.
ماذا يحدث للمسلم الذي يتحول إلى المسيحية؟
تحفظ له الشريعة نفسه وماله وكرامته وصلته بأهله. وإيمانه بينه وبين الله، ويبقى أقاربه المسلمون مأمورين بمعاملته بالمحبة والإحسان.
هل أقطع صلتي بقريب ترك الإسلام؟
لا. فالقرآن يأمر بالإحسان حتى إلى الوالدين اللذين يدعوان ولدهما إلى ترك الإيمان (سورة لقمان: 15)، وقد أمر النبي ﷺ أسماء أن تصل أمها وهي غير مسلمة. فأبقِ باب المحبة مفتوحاً.
ماذا يقول الفقه الحنفي في الردة؟
ذهب الحنفية إلى أن المرأة المرتدة لا تُقتل، لأن العقوبة القديمة كانت مرتبطة بالرجال القادرين على محاربة الجماعة. وهذا التعليل يؤيد القول المعاصر بأن المسألة كانت مسألة خيانة وحرابة، ولم يكن الاعتقاد وحده جريمة قط.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- طه جابر العلواني، Apostasy in Islam: A Historical and Scriptural Analysis (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011)
- محمود شلتوت، «الإسلام عقيدة وشريعة»
- عبد الله سعيد وحسن سعيد، Freedom of Religion, Apostasy and Islam (أشغيت، 2004)
- عبد الله أحمد النعيم، Islam and the Secular State (مطبعة جامعة هارفارد، 2008)
- ابن قدامة، «المغني» (نقلاً لقول النخعي)
- صحيح البخاري 7211
الصورة: Richard Mortel, The prayer hall of the Great Mosque of Córdoba, 2016. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور