هل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت بسبب المثلية؟
سؤال رقم 1003
السؤال
هل يجوز للوالدين المسلمين أن يتبرّآ من ابنهما أو ابنتهما لأنه مثلي، أو أن يطرداه من البيت ويقطعا صلتهما به؟
ملخص الجواب
التبرؤ من الابن أو البنت بسبب المثلية حرام. فقد قرن الله الرَّحِم باسمه الرحمن وتوعّد من يقطعها، وأمر النبي ﷺ بالعدل بين الأولاد، ووصل رحمه حتى مع أقارب لم يكونوا على دينه. والحب بين اثنين من جنس واحد حلال في ذاته، وعلى كل قول في المسألة يبقى على الوالدين واجب الرحمة والنفقة والقرب.
الجواب
الحمد لله

الابن أو البنت حين يصارح والديه بأنه مثلي يضع بين أيديهما أمانة. وكثير من الآباء والأمهات المسلمين يتلقّون هذه الأمانة بخوف: من الأقارب، ومن الناس، ومما يريده الله منهم. وجواب القرآن والسنة في ذلك واضح ومطمئن: التبرؤ من الولد لأنه مثلي حرام. فالصلة بين الوالد وولده من الأرحام التي أمر الله أن توصل، وليس في قلب الولد ولا في حياته ما يبيح لوالديه قطعها.
ماذا يقول القرآن في قطيعة الرحم؟
يضع القرآن الأرحام إلى جوار ذكر الله نفسه. فسورة النساء تبدأ بخلق الناس جميعاً من نفس واحدة، ثم تقول:
وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا
ويعدّ القرآن في موضع آخر تقطيع الأرحام من الإفساد في الأرض (سورة محمد: 22). وقد أدرج العلماء قطيعة الرحم في كتب الكبائر، ومنها كتاب الإمام الذهبي (ت 748هـ/1348م).
وقد بيّن النبي ﷺ سرّ عِظَم هذه الصلة. فكلمة «الرَّحِم»، التي تدل على موضع الولد من أمه وعلى القرابة معاً، تشترك في أصلها مع اسم الله «الرحمن»:
«إِنَّ الرَّحِمَ سُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ»
وأخبر ﷺ أنه «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» (صحيح البخاري 5984). والوالد الذي يتبرأ من ولده يرتكب عين ما تحذّر منه هذه النصوص، ومع أقرب الناس إليه.
هل للتبرؤ من الولد أصل في الفقه الإسلامي؟
ليس في الشريعة إجراء يُتبرأ به من الولد. فالنسب يثبت بالولادة، ولا يملك الوالد أن يرفعه بإعلان أو تصريح. وقد تولّى الله بنفسه قسمة الميراث بين الأبناء والبنات (سورة النساء: 11)، وقضى النبي ﷺ في ذلك فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (سنن أبي داود 2870، وصححه الألباني). فلا وصية ولا إعلان يُخرج الولد المثلي من أسرته.
والسنة تأمر الوالدين كذلك بالعدل بين الأولاد. فحين أعطى والدُ النعمان بن بشير ابنه عطية، وجاء يُشهد النبي ﷺ عليها، سأله: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟»، فلما قال: لا، قال ﷺ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ» (صحيح البخاري 2587). وإبقاء سائر الإخوة قريبين مع إقصاء الولد المثلي هو عين التفضيل الذي أبى النبي ﷺ أن يشهد عليه.
هل المثلية حرام؟
القول الأرجح، كما هو مفصّل في جوابَي هل المثلية حرام؟ وماذا يقول القرآن عن المثلية؟، أن الحب بين اثنين من جنس واحد، والعلاقة الوفية بينهما، حلال. فقوم لوط عليه السلام إنما ذمّهم القرآن لاعتدائهم على الضيوف وقطعهم الطريق على المسافرين، ولم يجعل القرآن عقوبة دنيوية على محبة إنسان من الجنس نفسه.
ولا يزال بعض الآباء والأمهات يأخذون بالقول الأشد الذي يُدرَّس في كثير من المساجد، وحتى على هذا القول لا يتغير حكم التبرؤ. فحين قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أمُّها، وهي يومئذ مشركة، تزورها في المدينة، سألت أسماءُ النبيَّ ﷺ: أتصِلُها؟ فقال:
«نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ»
بل يذهب القرآن إلى أبعد من ذلك. فإذا ألحّ الوالدان على ولدهما أن يشرك بالله، أمره أن يرفض هذا الطلب وحده، ثم أن يبقى قريباً منهما مع ذلك:
وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا
فإذا كان الولد مأموراً بأن يصاحب بالمعروف والدين يدعوانه إلى الشرك، فالوالدان أولى بأن يُحسنا إلى ولد لا يفترق عنهما إلا فيمن يحب.
كيف عامل الأنبياء أبناءهم الذين خالفوهم؟
أطول قصة في القرآن قصةُ أسرة. فقد ألقى أبناء يعقوب عليه السلام أخاهم يوسف في البئر، وكذبوا على أبيهم سنين، فبكى يعقوب حتى ابيضّت عيناه، ومع ذلك لم يطردهم قط. ولما اعترفوا أخيراً قال لهم: ﴿سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (سورة يوسف: 98). وقال لهم يوسف، وهو الذي ظلموه: ﴿لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ (سورة يوسف: 92).
وأظهر النبي ﷺ الحنان نفسه في صغير الأمور. فقد قبّل سبطه الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع متباهياً: «إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا». فنظر إليه النبي ﷺ ثم قال: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» (صحيح البخاري 5997).
ماذا يفعل الوالدان حين يصارحهما الولد بمثليته؟
- تقبّلوا الأمانة. لقد اختار ولدكم أن يصدُقكم القول، فاحمدوا الله على ولد يريد أن يعرفه والداه على حقيقته.
- أصغوا أولاً. اسألوه منذ متى يعرف ذلك عن نفسه، وما الذي حمله وحده، وما الذي يرجوه. أبقوا بيتكم مفتوحاً له، وأبقوه معكم على مائدة العيد ومائدة الإفطار.
- لا تفرضوا عليه زواجاً ولا «علاجاً». فالزواج بغير رضا حرّ باطل (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟)، وما يسمى «علاج التحويل» رفضته كبرى الهيئات الطبية لأنه عديم الجدوى ومؤذٍ.
- اطلبوا المشورة الرحيمة. تحدثوا إلى إمام عالم أو مرشد يعرف سعة التراث كله. وفي كثير من المدن جماعات منفتحة ترحّب بالجميع (هل توجد مساجد منفتحة ترحّب بالمثليين؟).
- ادعوا لولدكم كما تدعون لأنفسكم: بالصحة والإيمان، وبزوج محب، وبعمر مديد قريب منكم.
وتعمل مؤسسة ناز ومات (Naz and Matt Foundation) في بريطانيا مع الآباء والأمهات المتدينين وأبنائهم المثليين والعابرين جنسياً خاصة، وتقدّم منظمة «مسلمون من أجل القيم التقدمية» (Muslims for Progressive Values) جماعةً حاضنة وبرامج تعليمية. ويستطيع الشباب في الولايات المتحدة التواصل مع مشروع تريفور (The Trevor Project) في أي ساعة.
ماذا لو كان أهلي قد قطعوني؟
إن كنت أنت الولد الذي يقرأ هذه السطور، فاعلم أن منزلتك عند الله لا تتوقف على قبول أحد: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ (سورة ق: 16). أبقِ باب المودة مفتوحاً حيث يكون ذلك آمناً، واحفظ سلامتك وطمأنينتك حيث لا يكون. وكم من أسرة أعرضت أول الأمر ثم عادت إلى أبنائها. وإلى أن يحين ذلك، فلتحطك جماعة مؤمنة، ولتكن الرحمة التي رجوتها من والديك هي الرحمة التي تحملها أنت في حياتك.
دعاء في الختام
يذكر القرآن أن عباد الرحمن يدعون لأهليهم بهذه الكلمات:
رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ
والولد هو تلك القرّة للعين. اللهم افتح قلب كل أب وأم للولد الذي وهبتهما إياه، واجمع كل أسرة في رحمتك.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم طرد الابن المثلي من البيت؟
نعم. فطرد الولد قطعٌ للرحم التي أمر الله بوصلها، وإيواء الولد الذي يعتمد على والديه والإنفاق عليه واجب عليهما في كل مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي.
هل يجوز للوالد أن يحرم ولده المثلي من الميراث؟
لا. فأنصبة الميراث فرضها الله في سورة النساء، وقضى النبي ﷺ بألّا وصية تغيّر نصيب وارث. وميول الولد لا أثر لها في ميراثه، ابناً كان أو بنتاً.
ماذا أفعل إن كان أهلي قد قطعوني؟
الله أقرب إليك من حبل الوريد (سورة ق: 16)، ومحبته لا تتوقف على رضا أحد. أبقِ باب المودة مفتوحاً حيث يكون ذلك آمناً، واحفظ سلامتك، والتمس جماعة تؤازرك، والجهات المذكورة في هذا الجواب.
هل أحضر زواج ولدي من شريك من الجنس نفسه؟
حضور الوالدين زواجَ ولدهما من صلة الرحم، والقول الأرجح أن هذا الزواج نفسه مشروع. وحضورهما في ذلك اليوم رحمةٌ يذكرها الولد طوال عمره.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 5984، 5988، 5997، 2587، 2620
- سنن أبي داود 2870 (لا وصية لوارث)
- الذهبي، كتاب الكبائر
- سكوت سراج الحق كوغل، Living Out Islam: Voices of Gay, Lesbian, and Transgender Muslims (مطبعة جامعة نيويورك، 2014)
- مؤسسة ناز ومات (Naz and Matt Foundation)
الصورة: Sistak, Henna on a Muslim bride's hands, Madurai, 2011. CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور