ماذا يقول القرآن عن المثلية؟

سؤال رقم 1002

السؤال

ماذا يقول القرآن عن المثلية والعلاقات بين اثنين من جنس واحد، وما معنى الآيات الواردة في قوم لوط؟

ملخص الجواب

ليس في القرآن لفظ للمثلية، ولم يجعل عقوبة دنيوية على الحب بين اثنين من جنس واحد. وآياته في قوم لوط تذم قرية حاولت أن تنتزع الضيوف، وقطعت الطريق، ومنعت إيواء الغرباء (سورة هود: 78، سورة الحجر: 70، سورة العنكبوت: 29). وقد حمل أكثر المفسرين المتقدمين آيتي النساء 15-16 على الزنا بين رجل وامرأة. وتعليم القرآن في تنوع البشر (سورة الحجرات: 13) وفي المودة والرحمة بين الزوجين (سورة الروم: 21) لكل مؤمن.

الجواب

الحمد لله

Gold Kufic letters in long horizontal strokes on parchment dyed deep indigo, with a small gold verse marker at the right edge.

لم يذكر القرآن المثلية باسمها. فليس فيه لفظ للميل الجنسي، ولم يجعل عقوبة دنيوية على الحب بين اثنين من جنس واحد. وما يقصده الناس حين يسألون عما يقوله القرآن في المثلية هو في الغالب قصة لوط عليه السلام، المذكورة في سبع سور، ومعها آيتان في سورة النساء. وقصة لوط، إذا قُرئت بتأنٍّ وعلى ترتيبها، خبرٌ عن قرية اعتدت على الغرباء، وقطعت الطريق على المسافرين، وأخرجت الصالحين. ومن هذه القراءة يأخذ القول الأرجح حكمه: الحب بين اثنين من جنس واحد، والعلاقة الوفية بينهما، حلال.

هل ذكر القرآن المثلية؟

الآيات التي تتحدث عن قوم لوط هي: الأعراف 80-84، وهود 77-83، والحجر 57-77، والشعراء 160-175، والنمل 54-58، والعنكبوت 28-35، والقمر 33-39. ولا يُستشهد في الموضوع خارجها إلا بآيتي النساء 15-16. أما لفظ «اللواط» الذي استعمله الفقهاء المتأخرون للجماع بين الرجال فمشتق من اسم لوط، ولا يرد في الكتاب في أي موضع.

والقرآن هو الميزان الذي توزن به كل رواية وكل حكم جاء بعده (كيف يُفسَّر القرآن؟). فأول ما يجب أن نسمع ما تقوله هذه الآيات بألفاظها.

ماذا جرى في قصة لوط؟

تبدأ القصة بالضيافة. تأتي الملائكة لوطاً في صورة رجال، فـ﴿سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا﴾ (سورة هود: 77)، لعلمه بأهل قريته. ثم ﴿وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ﴾ (سورة هود: 78)، فوقف لوط على بابه يناشدهم:

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓ

سورة هود: 78

ثم يقول القرآن: ﴿وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ﴾ (سورة القمر: 37). ويكشف جواب الجمع للوط في سورة الحجر أن القرية كانت قد منعته من قبلُ أن يؤوي أحداً من خارجها:

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ

سورة الحجر: 70

وفي سورة العنكبوت يعدّد لوط جرائم القرية معاً: يأتون الرجال، ويقطعون السبيل، ويأتون في ناديهم المنكر علانية (سورة العنكبوت: 29). وكان جوابهم على كل دعوته أن قالوا: ﴿أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡ﴾ (سورة الأعراف: 82)، يعنون لوطاً وأهله (وانظر سورة النمل: 56).

فالقصة في مجموعها تصف جمعاً عزم على اغتصاب غريبين، وقرية جعلت السلب وإذلال الغرباء عادة لها، وقوماً قابلوا نبيهم بالطرد. ويبيّن سكوت سراج الحق كوغل في كتابه Homosexuality in Islam (2010) كيف تضيف كل رواية من روايات القصة تفصيلاً إلى هذه الصورة من العنف ونكران الضيافة.

وماذا عن آيتي الشهوة من دون النساء؟

آيتان تتحدثان عن شهوة رجال القرية. ففي سورة الأعراف يقول لوط: ﴿إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾ (سورة الأعراف: 81). وفي سورة الشعراء يسألهم: ﴿أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم﴾ (سورة الشعراء: 165-166).

وقد قرأ المفسرون المتقدمون هاتين الآيتين على أنهما ذم للجماع بين الرجال في ذاته، وعلى هذه القراءة بُني الفقه بعدهم. وهو تفسير معتبر يأخذ به كثير من المسلمين اليوم. والقراءة الأرجح تنظر فيما قرنه القرآن نفسه بهذه التهمة. فرجال القرية كانت لهم أزواج، وقد انقضّوا على الغرباء بشهوة تربطها الآيات ذاتها بالاعتداء والسلب واحتقار الضيوف. واللفظ الذي وصفهم به القرآن، «مسرفون»، يدل على قوم تجاوزوا كل حد. وجمعٌ من المتزوجين يهاجم المسافرين يحدّثنا عن العنف والتسلط، ولا يقول شيئاً عن اثنين من جنس واحد يحب أحدهما الآخر ويفي له. وهذه القراءة مبسوطة كاملة في جواب هل المثلية حرام؟

ما معنى آيتي النساء 15-16؟

تتحدث سورة النساء عن نساء يأتين الفاحشة، ثم تقول: ﴿وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ﴾ (سورة النساء: 16). ويطبّق بعض الوعاظ المعاصرين هاتين الآيتين على المثليين والمثليات. وأكثر المفسرين المتقدمين فهموهما على غير ذلك. فقد رجّح الطبري (ت 923م)، شيخ المفسرين الأوائل، أن الآية 16 في رجل وامرأة غير متزوجين يقعان في الزنا، وذهب أكثر العلماء المتقدمين إلى أن الآيتين نُسختا بعدُ بحكم سورة النور.

وتُختم الآية كذلك بالرحمة: ﴿فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا﴾ (سورة النساء: 16).

ماذا يقول القرآن عن المحبة واختلاف البشر؟

يحتفي القرآن بتنوع الخلق. فالله ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ (سورة الشورى: 49)، وقد جعل الناس مختلفين لحكمة:

إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ

سورة الحجرات: 13

ويعرف القرآن كذلك رجالاً لا أرب لهم في النساء. فسورة النور تذكر، فيمن يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم، ﴿أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾ (سورة النور: 31)، وقد عدّت أزواج النبي ﷺ رجلاً من مخنّثي المدينة منهم (هل العبور الجنسي حرام؟).

وما يطلبه القرآن من كل زوجين واحد: أن يسكن كل منهما إلى الآخر، وأن تكون بينهما مودة ورحمة: ﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةً﴾ (سورة الروم: 21). ويستطيع اثنان من جنس واحد أن يعيشا هذه الآية، وكثيرون يعيشونها في زواج وفيّ (هل يجوز زواج مسلمَين من جنس واحد؟).

لماذا يعتقد كثير من المسلمين أن القرآن يحرّم المثلية؟

تعلّم أكثر المسلمين القراءة الموروثة لقصة لوط من معلمين يثقون بهم، وقد عززت هذه القراءةَ رواياتٌ حديثية وأحكام فقهية من خارج القرآن. وهذه الروايات متفاوتة في قوتها، وقد اختلف الفقهاء فيها اختلافاً شديداً (هل كل الأحاديث صحيحة؟). والرجوع إلى ألفاظ القرآن نفسه توقير للكتاب، وكثير من حركات التجديد في تراثنا بدأت من هناك.

دعاء في الختام

يطلب القرآن من قارئه أن يُقبل عليه بتواضع وشوق إلى الفهم. وقد عُلّم النبي ﷺ هذا الدعاء:

رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا

سورة طه: 114

فتح الله معاني كتابه لكل قلب يطلبه، وجعله مصدر رحمة لعباده جميعاً.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل وردت كلمة «اللواط» في القرآن؟

لا. فاللواط مصطلح فقهي متأخر اشتُق من اسم لوط، ولم يستعمله القرآن قط، وليس فيه لفظ للمثلية أصلاً.

هل يقول القرآن إن المثليين معذَّبون في الآخرة؟

لا توجد في القرآن آية تتوعد بعذاب الآخرة من أحب إنساناً من جنسه. والعذاب في قصة لوط نزل بقرية اعتدت على الضيوف، وقطعت الطريق على المسافرين، وأرادت إخراج نبيها.

ماذا يقول القرآن عن المثلية بين النساء؟

لا شيء صريحاً. فقد حمل قليل من المفسرين آية النساء 15 على النساء فيما بينهن، وحملها أكثرهم، ومنهم الطبري، على الزنا بين رجل وامرأة.

هل يقرأ مفسرو الشيعة قصة لوط قراءة مختلفة؟

قرأ المفسرون المتقدمون من الشيعة والسنة القصة على أنها ذم للجماع بين الرجال. والقراءة المتأنية المبسوطة هنا تقوم على النص العربي الذي يشترك فيه الفريقان.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. الطبري، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (تفسير النساء 15-16 وآيات قوم لوط)
  2. سكوت سراج الحق كوغل، Homosexuality in Islam: Critical Reflection on Gay, Lesbian, and Transgender Muslims (Oneworld، 2010)
  3. كيشا علي، Sexual Ethics and Islam: Feminist Reflections on Qur'an, Hadith, and Jurisprudence (Oneworld، 2006؛ طبعة موسعة 2016)
  4. سورة الأعراف: 80-84، هود: 77-83، الحجر: 57-77، الشعراء: 160-175، النمل: 54-58، العنكبوت: 28-35، القمر: 33-39

الصورة: Unknown calligrapher, Folio from the Blue Qurʾan (Sūrat al-Baqara 2:62), c. 950. Chester Beatty Library, Dublin (Is 1405A). Public domain, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور