هل العبور الجنسي حرام في الإسلام؟

سؤال رقم 1005

السؤال

هل يحرم في الإسلام أن يكون الإنسان عابراً جنسياً، وهل يجوز للمسلم العابر أن يعيش وفق جنسه الذي يعرفه في نفسه؟

ملخص الجواب

العبور الجنسي حلال. فالله يخلق ما يشاء (سورة الشورى: 49)، وقد كرّم كل بني آدم (سورة الإسراء: 70). وعاش في المدينة في عهد النبي ﷺ أناس مختلفو الجنس يُعرفون بالمخنثين، وعدّ أزواجه ﷺ أحدهم من غير أولي الإربة المذكورين في سورة النور: 31، وأبى ﷺ أن يُقتل آخر منهم. ورأى شرّاح الحديث المتقدمون أن من خالفت طبيعته غيره لا لوم عليه، وفتحت فتاوى حديثة في إيران ومصر الطريق إلى التحول الجراحي.

الجواب

الحمد لله

Looking straight up into a tiled dome: rows of lemon-shaped medallions in gold and blue grow smaller as they spiral toward a bright center.

كثير من المسلمين العابرين جنسياً يكبرون وهم يسمعون أن حقيقتهم تمرّد على الله. والقرآن والسنة يعلّمان ما هو أرحم من ذلك. فالعبور الجنسي حلال: الله يخلق ما يشاء وقد كرّم كل إنسان، وقد عاش في المدينة في عهد النبي ﷺ أناس تنوّعت أجناسهم علانيةً، وقرر العلماء المتقدمون أن من خالفت طبيعته طبيعة غيره فلا لوم عليه. وللمسلم العابر أن يعيش وفق جنسه، وأن يصلي ويتزوج ويعبد الله كأي أحد سواه، كاملَ العبودية.

هل يحرم في الإسلام أن يكون المرء عابراً جنسياً؟

معنى العبور الجنسي أن يختلف جنس الإنسان كما يعرفه في نفسه عن الجنس الذي سُجّل له عند ولادته. ولا أحد يختار ذلك، والقرآن يذكّرنا بأن الخلق لله يصوّره كيف يشاء:

لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ

سورة الشورى: 49

والبشر أكثر تنوعاً مما يحيط به أي تقسيم بسيط، وقد عرف الفقهاء المتقدمون ذلك جيداً. فكتبوا أحكاماً مفصّلة للخنثى في الصلاة والميراث والنكاح، وجعلوا له مكاناً في كل باب من أبواب الفقه. والعابر جنسياً كذلك عبد من عباد الله، يعلم الله من باطنه ما لا يعلمه أحد.

هل كان في عهد النبي ﷺ أناس عابرون جنسياً؟

نعم. فقد كان في المدينة أناس يُعرفون بالمخنّثين، عُدّوا ذكوراً عند ولادتهم وعاشوا على هيئة النساء وطباعهن. والقرآن نفسه يذكر، فيمن يجوز للنساء أن يخففن من سترهن أمامهم، التابعين من الرجال الذين لا أرب لهم في النساء:

أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ

سورة النور: 31

وروت عائشة رضي الله عنها أن مخنّثاً كان يدخل على أزواج النبي ﷺ، لأنهن كنّ يعددنه من هؤلاء الرجال (صحيح مسلم 2181). ثم منع النبي ﷺ ذلك الرجل من الدخول على النساء بعد أن وصف لرجلٍ جسدَ امرأة وصفاً مفصّلاً، فخان الأمانة التي أُذن له بالدخول من أجلها (صحيح البخاري 5235). فكان الحكم متعلقاً بإفشائه ما رأى، وبقي المخنثون جزءاً من حياة المدينة أجيالاً بعد ذلك.

ولما أُتي النبي ﷺ بمخنّث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، نُفي إلى النقيع خارج المدينة. فسأل بعض الحاضرين: ألا نقتله؟ فقال النبي ﷺ:

«إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ»

سنن أبي داود 4928 (وصححه الألباني)

وفي الجيل الذي تلا النبي ﷺ كان أشهر مغنّي المدينة، طُوَيس، مخنّثاً. وتُظهر دراسة المؤرخ إيفرت روسون (Everett Rowson) «The Effeminates of Early Medina» سنة 1991 مدى حضور هؤلاء في موسيقى المدينة وحياتها الاجتماعية.

وماذا عن حديث لعن المتشبهين من الرجال بالنساء؟

روى البخاري (صحيح البخاري 5886) أن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. وقد فهمه الشرّاح المتقدمون فهماً ضيقاً. ففرّق النووي (ت 676هـ/1277م) بين من كانت هيئته من أصل خلقته ومن تكلّفها، وقرر ابن حجر (ت 852هـ/1449م) أن من لم يقدر على تغيير ذلك فلا لوم عليه.

وبناءً على هذا التفريق الذي قرره المتقدمون، فالقول الأرجح أن الحديث يتناول من يتكلّف هيئة الجنس الآخر سخريةً أو خداعاً، وأن العابر جنسياً، الذي جنسه جزء مما خلقه الله عليه، خارج عنه تماماً. فأن تعيش على حقيقتك صدقٌ، والقرآن لا يطلب من نفس إلا ما في وسعها: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286).

ماذا يقول العلماء المعاصرون؟

فتح حكمان من أعظم الأحكام أثراً في القرن العشرين الطريق إلى التحول. فقد أجاز آية الله روح الله الخميني عمليات تصحيح الجنس، وبعد فتواه سنة 1987 بدأت إيران تعترف بتغيير الجنس قانوناً. وفي مصر سنة 1988 أصدر مفتي الديار المصرية محمد سيد طنطاوي فتوى تجيز الجراحة إذا وجد طبيب ثقة سبباً في البدن نفسه، وبنى فتواه على أحكام الخنثى في الفقه الموروث. وتفاصيل الحكمين وحدودهما مبسوطة في جواب هل تجوز عمليات تصحيح الجنس في الإسلام؟

كيف يعامل المسلمون العابرين جنسياً؟

يمنح القرآن الكرامة لكل إنسان قبل أي سؤال عن معتقده أو سلوكه:

۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ

سورة الإسراء: 70

فأكرموا المسلم العابر بأن تنادوه بالاسم الذي يتسمّى به، وأن ترحبوا به في صفوف الصلاة، وأن تدفعوا عنه السخرية. فقد قال النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ» (صحيح مسلم 2564). وإيذاء أي إنسان في دينه أو جسده حرام (هل يحرم التضييق على النساء في الحجاب أو الدين؟)، وعلى الوالدين لأبنائهم العابرين من الرحمة ما عليهم لكل ولد (هل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت بسبب المثلية؟). وفي كثير من المدن اليوم مساجد منفتحة ترحب بالمسلمين العابرين (هل توجد مساجد منفتحة ترحّب بالمثليين؟).

وإن كنت مسلماً عابراً تشعر بالوحدة، فمنظمة «هداية» (Hidayah) تساند المسلمين المثليين والعابرين في بريطانيا، ومنظمة «مسلمون من أجل القيم التقدمية» (Muslims for Progressive Values) تقدّم جماعة حاضنة في أمريكا الشمالية، ويستطيع الشباب في الولايات المتحدة التواصل مع مشروع تريفور (The Trevor Project) في أي ساعة.

كلمة في الختام

يصف الله صنعه في الإنسان وصف المعتزّ به:

لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ

سورة التين: 4

أرى الله كل مؤمن عابر ذلك التقويم الحسن في نفسه، وأحاطه بمن يرونه فيه كذلك.

والله أعلم

أسئلة شائعة

أين يصلي المسلم العابر جنسياً في المسجد؟

القول الأرجح أن يصلي في صفوف الجنس الذي يعيش به. وقد أفسح الفقهاء المتقدمون في الصفوف مكاناً للخنثى، والمسجد ينبغي أن يرحب بكل مؤمن جاء يصلي.

هل اللاثنائية الجندرية حرام؟

تنطبق عليها الأصول نفسها. فالله يخلق ما يشاء، والفقه الإسلامي المتقدم عرف أناساً لا يندرجون بيسر في قسمين، وكرامة كل إنسان مصونة في القرآن.

ما موقف الشيعة من العابرين جنسياً؟

أفتى آية الله الخميني بجواز عمليات تصحيح الجنس، ومنذ فتواه سنة 1987 تعترف إيران بتغيير الجنس قانوناً. ولا يزال هذا الحكم معمولاً به في إيران اليوم.

هل يحرم على العابر أن يلبس لباس جنسه الذي يعرفه في نفسه؟

لا. فأن تلبس بحسب الجنس الذي جعله الله في قلبك جزء من صدقك مع نفسك. وقد قرر العلماء المتقدمون أن من كانت هيئته من أصل خلقته فلا لوم عليه فيها.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح مسلم 2181 (المخنث الذي عُدّ من غير أولي الإربة)
  2. سنن أبي داود 4928 (إني نُهيت عن قتل المصلين)
  3. إيفرت روسون (Everett K. Rowson)، "The Effeminates of Early Medina"، Journal of the American Oriental Society 111:4 (1991)، 671-693
  4. ابن حجر العسقلاني، «فتح الباري» (شرح صحيح البخاري 5886)
  5. سكوت سراج الحق كوغل، Living Out Islam: Voices of Gay, Lesbian, and Transgender Muslims (مطبعة جامعة نيويورك، 2014)

الصورة: Phillip Maiwald (Nikopol), The inner dome of the Sheikh Lotfollah Mosque, Isfahan, 2008. CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور