هل كل الأحاديث صحيحة؟
سؤال رقم 1115
السؤال
هل كل الأحاديث موثوقة، وكيف ميّز علماء المسلمين الحديث الصحيح من الضعيف والموضوع، وكيف يتعامل المسلمون مع الأحاديث اليوم؟
ملخص الجواب
كثير من الأحاديث صحيح وكثير منها غير صحيح، وعلماء المسلمين هم أول من قرر ذلك. فقد فحصوا كل إسناد وكل متن، وقسّموا الروايات إلى صحيح وحسن وضعيف وموضوع. والمتواتر من الروايات قليل جداً. وقد استدركت عائشة على الصحابة بالقرآن، وانتقد الدارقطني روايات حتى في الصحيحين، ويبقى القرآن ميزان كل رواية.
الجواب
الحمد لله

لا، ليست كل الأحاديث صحيحة، وأول من قرر ذلك علماء المسلمين أنفسهم. فمنذ جيل الصحابة فما بعده فحصوا كل رواية تُنسب إلى النبي ﷺ، وميّزوا الصحيح من الضعيف والموضوع، وألّفوا كتباً كاملة في الأحاديث المكذوبة. والقرآن نفسه هو الذي علّمهم هذا التثبت:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ
فالمسلم اليوم يستطيع أن يحب السنة بكل قلبه، ثم يسأل عن كل رواية: هل قالها النبي ﷺ حقاً، وماذا أراد بها؟
كيف فحص العلماء الأحاديث؟
للحديث جزءان: الإسناد، وهو سلسلة الرواة، والمتن، وهو النص. وقد عدّ العلماء المتقدمون الإسناد حصناً للدين. قال عبد الله بن المبارك (ت 797م)، في كلمة رواها مسلم في مقدمة صحيحه: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء».
وجمع العلماء تراجم آلاف الرواة ليحكموا على عدالتهم وضبطهم. وقارنوا كل إسناد بغيره ليكشفوا الانقطاع والشذوذ والعلل الخفية. ويُروى أن البخاري (ت 870م) انتقى أحاديث صحيحه من نحو ستمئة ألف رواية سمعها، وفي كتابه بالمكرر نحو سبعة آلاف حديث.
وكان الصحابة هم القدوة في ذلك. فقد أخبر أبو موسى الأشعري عمرَ بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ»، فقال له عمر: «وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ» (صحيح البخاري 6245)، فرجع أبو موسى بشاهد.
ما الحديث الصحيح والحسن والضعيف والموضوع؟
قسّم العلماء، الذين دوّن ابن الصلاح (ت 1245م) مصطلحاتهم في كتابه المشهور، الروايات إلى أربع مراتب رئيسة:
- الصحيح: ما اتصل إسناده برواة عدول ضابطين، وسلم من الشذوذ والعلة الخفية.
- الحسن: قريب من الصحيح، في إسناده راوٍ خفّ ضبطه قليلاً.
- الضعيف: في إسناده انقطاع أو راوٍ ضعيف.
- الموضوع: المكذوب المختلق.
وأكثر الروايات، حتى الصحيح منها، أخبار آحاد. ولا يبلغ حدّ التواتر إلا القليل، وهو ما رواه في كل طبقة جمع يستحيل تواطؤهم على الخطأ. وقد وجد ابن الصلاح أمثلة واضحة قليلة له، ومما ذكره تحذير النبي ﷺ من الكذب عليه:
«وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
ومع ذلك وضع الناس الأحاديث، للسياسة وللمذاهب، بل للترغيب في التقوى. فجمعها ابن الجوزي (ت 1201م) في «الموضوعات»، وذكر ابن قيم الجوزية (ت 1350م) في «المنار المنيف» العلامات التي يُعرف بها كذب الرواية من متنها، كمخالفة صريح القرآن أو العقل السليم. ومن الأقوال الشائعة «اطلبوا العلم ولو بالصين»، وقد حكم عليه نقاد الحديث بأنه ضعيف جداً، وعدّه بعضهم موضوعاً.
هل استدرك الصحابة على الأحاديث؟
نعم، وكانت عائشة رضي الله عنها أكثرهم في ذلك. وقد جمع العالم بدر الدين الزركشي (ت 1392م) استدراكاتها على سائر الصحابة في كتاب سمّاه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة».
فحين ذُكر عندها أن الكلب والحمار والمرأة إذا مرّت بين يدي المصلي قطعت صلاته، قالت: «شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلاَبِ»، وذكرت أنها كانت تضطجع على السرير بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، فإذا عرضت لها حاجة انسلّت من عند رجليه (صحيح البخاري 514).
ولما أخبرها ابن عباس أن عمر كان يروي أن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه، قالت إن النبي ﷺ لم يقل إن الله يعذب المؤمن بذلك، وأجابت بالقرآن:
«حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»
وصار منهجها، أي عرض الروايات على القرآن وعلى ما شاهدته من حال النبي ﷺ، أصلاً باقياً.
هل كل ما في صحيح البخاري صحيح؟
يعظّم علماء أهل السنة صحيح البخاري وصحيح مسلم غاية التعظيم، وأكثرهم على أن تلقي الأمة لهما بالقبول يؤكد صحة أسانيدهما. وقد حفظ التراث كذلك أصوات ناقديهما. فقد انتقد الدارقطني (ت 995م) في «كتاب التتبع» نحو مئتي رواية في الكتابين، وأجاب علماء لاحقون كابن حجر والنووي عن اعتراضاته، ودافعوا عن أكثرها.
ووزنت المذاهب الفقهية حتى الروايات الصحيحة. فأبو حنيفة وأصحابه لم يعملوا بخبر الآحاد إذا خالف القرآن أو أصلاً ثابتاً. والإمام مالك قدّم عمل أهل المدينة على خبر الواحد المخالف له. فالإسناد الصحيح يخبرنا أن الرواية موثوقة، ويبقى فهم معناها محتاجاً إلى القرآن والسياق والسنة كلها. وانظر جواب كيف يُفسَّر القرآن الكريم؟
كيف يتعامل المسلمون مع الأحاديث اليوم؟
- تحقّق من درجة الحديث. فمواقع مثل sunnah.com تذكر أحكام العلماء بجانب كل رواية.
- اقرأ الرواية كاملة. فكثير من الأحاديث يجيب عن سؤال بعينه في سياق بعينه.
- اعرض الرواية على القرآن. فالقرآن يصف نفسه بأنه سالم من الاختلاف (سورة النساء: 82). والرواية التي تبدو كأنها تضرب كلام الله بعضه ببعض، أو تأمر بالقسوة، تستدعي نظراً ثانياً، كما علّمت عائشة.
- لا تبنِ الأحكام على الروايات الضعيفة. فقد أجاز العلماء العمل بالضعيف في فضائل الأعمال على أقصى تقدير.
ونحن في هذا الموقع نذكر الأحاديث بكتبها وأرقامها، ونذكر درجتها إذا كانت من خارج البخاري ومسلم، وننبّه إذا كان القول المشهور ضعيفاً. وللأسئلة الأوسع انظر جوابَي ما هي السنة؟بالإنجليزية وهل يجوز للمسلم رد الأحاديث؟بالإنجليزية
كلمة في الختام
قضى علماء الحديث أعمارهم في الأسفار، يقطعون الصحاري ليسمعوا رواية واحدة من راوٍ واحد، حباً للنبي ﷺ وخوفاً من أن ينسبوا إليه ما لم يقله. وعنايتهم هذه هدية لنا. فتلقَّ كلامه بالمحبة نفسها، واجعل الكتاب الذي أنزله الله عليه هاديك:
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا
والله أعلم
أسئلة شائعة
ما معنى الحديث الصحيح؟
الحديث الصحيح ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم من الشذوذ والعلة. والحسن دونه قليلاً في القوة، والضعيف ما قصر عن ذلك، والموضوع هو المكذوب المختلق.
هل كل ما في صحيح البخاري صحيح؟
أكثر علماء أهل السنة على أن أسانيد ما في البخاري ومسلم صحيحة. وقد انتقد الدارقطني نحو مئتي رواية منها، ودافع ابن حجر والنووي عن أكثرها، وتبقى كل رواية محتاجة إلى فهم دقيق في سياقها.
هل يجوز للمسلم أن يرد حديثاً؟
لم يزل العلماء يتوقفون في الروايات التي تخالف القرآن أو الأصول الثابتة، كما فعلت عائشة، وكما فعل أبو حنيفة ومالك في منهجيهما. أما رد السنة جملة فمسألة أخرى، مبحوثة في جواب مستقل عن رد الأحاديث.
ما موقف الشيعة من الحديث؟
للشيعة مجاميعهم الحديثية الخاصة، وأهمها الكتب الأربعة ومنها «الكافي»، وعلماؤهم كذلك يحكمون على الروايات بحسب أسانيدها. ولا يعدّون كل رواية في هذه الكتب صحيحة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن الصلاح، «مقدمة ابن الصلاح» (علوم الحديث)
- بدر الدين الزركشي، «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»
- صوفيا رحمن، Gendering the Ḥadīth Tradition: Recentring the Authority of Aisha, Mother of the Believers (Oxford University Press، 2024)
- جوناثان براون، Hadith: Muhammad's Legacy in the Medieval and Modern World (Oneworld، 2009)
- SeekersGuidance، Weak Hadiths in Sahih al-Bukhari?
- صحيح البخاري 1288 و514 (استدراكات عائشة)
الصورة: Unknown copyist, Manuscript of Sahih al-Bukhari in Maghrebi script, 1097 (Ramadan 490 AH). Library of Mohammed V University, Taroudant, Morocco. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور