هل في الإسلام عقوبة على سب الله والرسول؟

سؤال رقم 1052

السؤال

ما عقوبة من يسب الله أو الرسول في الإسلام، وكيف ينبغي للمسلمين أن يتصرفوا إذا أساء أحد إلى الله أو إلى النبي؟

ملخص الجواب

لم يجعل القرآن عقوبة دنيوية على سب الله أو الرسول. فقد أخبر أن من الناس من يسب الله (سورة الأنعام: 108)، وأمر المؤمنين أن يتركوا مجالس الاستهزاء حتى يخوضوا في حديث غيره (سورة النساء: 140)، وأن يصبروا على ما يقولون (سورة المزمل: 10). وقابل النبي ﷺ الإساءة بالرفق، وعفا عمن سخروا منه. وذهب الحنفية إلى أن الذمي الذي يسب النبي ﷺ لا يُقتل، والقول الصحيح اليوم أن هذا الذنب لا عقوبة دنيوية عليه.

﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا﴾

سورة المزمل: 10

الجواب

الحمد لله

A Chinese-style prayer hall with a sweeping turquoise-tiled roof, red columns, and blue-and-gold signboards under the eaves, fronted by a paved stone courtyard.

هل في الإسلام عقوبة على سب الله والرسول؟ لم يجعل القرآن على ذلك عقوبة دنيوية. فسبّ الله أو رسوله ﷺ إثم عظيم، وحسابه إلى الله وحده. وقد أمر القرآن المؤمنين أن يقابلوه بالصبر والوقار والكلمة الطيبة، وقابل النبي ﷺ من سخروا منه ولعنوه بالرفق والدعاء. فليس لأحد، فرداً كان أو جماعة غاضبة أو حكومة، أن يؤذي إنساناً بسبب ما يقوله في الدين.

ماذا يقول القرآن عن سب الله والاستهزاء بالدين؟

يخبر القرآن أن من الناس من سيسب الله، ويعلّم المؤمنين كيف يتجنبون استثارة ذلك:

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ

سورة الأنعام: 108

فالآية تذكر أعظم سبٍّ يمكن تصوره، ولا تضع له عقوبة، وإنما تطلب من المسلمين أن يمسكوا ألسنتهم هم.

وحين يسمع المؤمنون آيات الله يُستهزأ بها، يبيّن لهم القرآن ما يفعلون:

إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ

سورة النساء: 140

فالجواب أن يقوم المؤمن من المجلس، ولا يدوم ذلك إلا إلى أن يتحول الحديث. وفي سورة المزمل يقول الله لنبيه ﷺ: ﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا﴾ (سورة المزمل: 10). ويعده الله فيقول: ﴿إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ﴾ (سورة الحجر: 95)، ويخبر المؤمنين أنهم سيسمعون أذى كثيراً، وأن الصبر والتقوى ﴿مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ (سورة آل عمران: 186).

كيف قابل النبي ﷺ الإساءة؟

لُعن النبي ﷺ وسُخر منه وافتُري عليه طوال دعوته، وكان جوابه واحداً لا يتغير. فقد دخل عليه جماعة فحيّوه بقولهم: «السَّامُ عَلَيْكُمْ»، أي الموت عليكم، فردّت عليهم عائشة رضي الله عنها بلعنة مثلها. فقال لها:

«مَهْلاً يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»

صحيح البخاري 6024

وكان ﷺ قد ردّ عليهم بكلمة واحدة: «وَعَلَيْكُمْ»، لم يزد عليها.

ولما ردّه زعماء الطائف عرض عليه ملك الجبال أن يُطبق عليهم الجبلين، فأبى وقال: «أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (صحيح البخاري 3231). وفي المدينة أساء إليه عبد الله بن أُبيّ علناً، فاستأذنه عمر في قتله، فقال النبي ﷺ: «دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (صحيح البخاري 4905).

ماذا قال العلماء المتقدمون في ساب الرسول؟

اختلف العلماء في ذلك. فقد جعل كثير من فقهاء المالكية والحنابلة سبّ النبي ﷺ جريمة عقوبتها القتل، وألّف ابن تيمية (ت 1328م) كتاب «الصارم المسلول» في الانتصار لهذا القول. واستندوا إلى روايات من مغازي النبي ﷺ، حملها كثير من العلماء الآخرين على الخيانة والتحريض على الحرب، لا على مجرد الكلام.

أما المذهب الحنفي، وهو أوسع المذاهب انتشاراً في العالم الإسلامي، فكان أشد تحفظاً بكثير. فقد ذهب أبو حنيفة (ت 767م) إلى أن غير المسلم الذي يعيش في ذمة المسلمين لا يُقتل إن سبّ النبي ﷺ. وعلّل الحنفية المتقدمون ذلك بأن السب ضرب من الكفر الذي أقرّه عقد الذمة أصلاً. وكتب الطحاوي (ت 933م) أن مثله يُعزَّر ولا يُقتل. وعدّ القدوري (ت 1037م) سبّ النبي ﷺ من الأفعال التي لا ينتقض بها عهد الذمي، وعلى هذا الحكم بقي كتاب «الهداية» للمرغيناني، الذي لا يزال يُدرَّس في مدارس الحنفية. وقد وثّق الباحث الباكستاني عرفات مظهر هذا الإرث الحنفي في سلسلة مقالات نشرها في صحيفة «دون» (Dawn) سنة 2015.

هل عقوبة القتل على سب الرسول جزء من الشريعة اليوم؟

القول الصحيح أن هذا الذنب لا عقوبة دنيوية عليه. فالقرآن لم يضع له عقوبة، والنبي ﷺ لم يعاقب أحداً ممن أساؤوا إليه، وحرية الضمير أصل قرآني: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة البقرة: 256). والحرية نفسها ثابتة لمن يترك الإسلام، كما هو مبيّن في جواب ماذا يحدث للمسلم إذا ترك الإسلام؟ والحدود نفسها، وهي العقوبات المقدّرة في الفقه الموروث، ليست للتطبيق اليوم، كما هو مفصّل في جواب ما هي الحدود في الإسلام؟

وقد أفضت قوانين التجديف الحديثة، كالتي في باكستان، إلى اتهامات كاذبة، وسجن طويل، وقتل على أيدي الحشود. ففي سنة 2017 قتل حشدٌ الطالبَ الجامعي مشال خان في جامعته بمدينة مردان بتهمة التجديف. وقال العالم الباكستاني جاويد أحمد غامدي بعد ذلك إن قانون التجديف في بلاده مخالف للقرآن ولرسالة الله. فقتل إنسان بسبب كلمات جريمة قتل، والقرآن يعدّ قتل نفس بريئة واحدة كقتل الناس جميعاً: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ (سورة المائدة: 32). ومقاصد الشريعة تحفظ النفس والعقل والدين، وتحرّم هذا بعينه (ما هي الشريعة الإسلامية؟).

ماذا يفعل المسلم إذا أساء أحد إلى الإسلام؟

  • لا تقابل السب بالسب. فالقرآن ينهى عن سب ما يقدّسه الآخرون (سورة الأنعام: 108)، والنبي ﷺ ردّ على اللعن بكلمة واحدة.
  • اترك المجلس إن احتجت إلى ذلك. وعُد إليه حين يتحول الحديث إلى غيره (سورة النساء: 140).
  • أجب بالعلم واللطف. ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ (سورة فصلت: 34).
  • ادعُ لمن أساء. فقد دعا النبي ﷺ لأهل الطائف، وكثير ممن سخروا من الإسلام يوماً صاروا بعدُ من محبيه.

والرسم الساخر، أو الكتاب المحروق، أو الفيلم المسيء، كلها تمتحن صبر المؤمنين، وجواب القرآن عنها واحد في كل مرة. والتعليم الأوسع مبسوط في جواب هل الإسلام دين سلام؟

كلمة في الختام

أصدق ما تظهر به محبة النبي ﷺ اتباع هديه، وكان هديه الحِلم. وهكذا يصف القرآن عباد الرحمن:

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا

سورة الفرقان: 63

رزقنا الله قلوباً مطمئنة به لا تزعزعها إساءة، وألسنة تجيب كل كلمة قاسية بالسلام.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل عقوبة سب الله أو الرسول القتل في الإسلام؟

لا. فالقرآن لم يذكر عقوبة دنيوية لمن يسب الله أو النبي ﷺ، وقد عفا النبي ﷺ نفسه عمن أساؤوا إليه. وليس لفرد ولا لجماعة غاضبة ولا لدولة أن تقتل أحداً أو تؤذيه بسبب كلام في الدين.

ماذا يقول المذهب الحنفي في ساب الرسول؟

ذهب أبو حنيفة ومن بعده من فقهاء الحنفية، كالطحاوي والقدوري، إلى أن الذمي الذي يسب النبي ﷺ لا يُقتل، ولا ينتقض بذلك عهده. وقال الطحاوي إن مثله يُعزَّر ولا يُقتل.

ماذا أفعل إذا سمعت من يسب النبي ﷺ؟

اتبع القرآن والسنة: لا تقابل السب بالسب (سورة الأنعام: 108)، واترك المجلس إن احتجت إلى ذلك (سورة النساء: 140)، وأجب بالصبر والكلمة الطيبة. فقد دعا النبي ﷺ لأهل الطائف بعد أن أخرجوه بالحجارة.

هل يُعدّ رسم النبي ﷺ إساءة إليه؟

لا. فقد صوّر الرسامون المسلمون النبي ﷺ بمحبة قروناً طويلة، في المخطوطات الفارسية والعثمانية والمغولية. ومن يفضّل ألا ينظر إلى هذه الصور فله أن يصرف بصره عنها.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 6024 (إن الله يحب الرفق في الأمر كله)
  2. صحيح البخاري 3231 (النبي ﷺ في الطائف وملك الجبال)
  3. صحيح البخاري 4905 (النبي ﷺ يأبى أن يعاقب عبد الله بن أبي)
  4. الطحاوي، «مختصر الطحاوي»؛ المرغيناني، «الهداية»
  5. عرفات مظهر، "Blasphemy and the death penalty: misconceptions explained" (صحيفة Dawn، 2015)

الصورة: 沈澄心 (Shen Chengxin), Prayer hall of the Great Mosque of Xi'an, 2024. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور