ما هي الحدود في الإسلام؟ وهل يقطع الإسلام الأيدي حقاً؟
سؤال رقم 1051
السؤال
ما هي عقوبات الحدود في الإسلام، كقطع يد السارق؟ وهل يُراد تطبيقها اليوم؟
ملخص الجواب
الحدود عقوبات مقدّرة قليلة العدد ورد ذكرها في القرآن والحديث. وقد ردّ النبي ﷺ من جاؤوه معترفين، وحثّهم على التوبة في السر، وأوقف الخليفة عمر حدّ السرقة في عام المجاعة، ووضع الفقهاء شروطاً بالغة الشدة جعلت تنفيذ هذه العقوبات نادراً. والقول الصحيح اليوم أن الحدود ليست للتطبيق، لأن المجتمع العادل الذي تفترضه غير قائم.
﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾
الجواب
الحمد لله

الحدود عقوبات مقدّرة قليلة العدد ورد ذكرها في القرآن والحديث، كقطع يد السارق. وهي جزء يسير جداً من الشريعة، وقد أحاطها التراث بالرحمة. فالنبي ﷺ ردّ من جاؤوه معترفين، والخليفة عمر أوقف حد السرقة في عام المجاعة، والفقهاء وضعوا لإثباتها شروطاً بالغة الشدة جعلت تنفيذها نادراً. والقول الصحيح اليوم أن الحدود ليست للتطبيق.
والقرآن نفسه يقرن عقوبة السرقة بباب التوبة: ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِ﴾ (سورة المائدة: 39). فالرحمة والتوبة والعدل في المجتمع هي ما تقصده هذه الآيات.
ما هي الحدود؟
الحدود في اللغة هي الفواصل والتخوم. وفي القرآن تدل الكلمة غالباً على الحدود التي رسمها الله في الزواج والطلاق والصيام والميراث. ثم استعملها الفقهاء بعد ذلك لعدد قليل من الجرائم وردت عقوباتها في النصوص: السرقة، والزنا، والقذف، والحرابة، وأضاف بعض المذاهب شرب الخمر. وآلاف المسائل الأخرى في الفقه الإسلامي، من العقود إلى شؤون الأسرة، لا صلة لها بالحدود.
كيف تعامل النبي ﷺ مع المعترفين؟
حين جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ يعترف بخطيئة جنسية ويطلب أن يُطهَّر، صرفه النبي ﷺ قائلاً:
«وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»
فعاد ماعز مرة بعد مرة، وفي كل مرة كان النبي ﷺ يعرض عنه. بل سأل بعد ذلك: أبه جنون؟ أشرب خمراً؟ فقد كان يلتمس أي سبب يدفع به الاعتراف.
وحثّ ﷺ الناس كذلك على تسوية أمورهم فيما بينهم قبل أن تبلغ القضاء، فقال: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» (سنن أبي داود 4376، وصححه الألباني). وعلّم أن «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح البخاري 2442). فكان الهدي النبوي ستر الذنوب، والحث على التوبة في السر، وإبعاد الناس عن المحاكم.
هل أوقف عمر حد قطع اليد؟
نعم. ففي عام الرمادة، المجاعة الكبرى التي أصابت جزيرة العرب نحو سنة 639م، أعلن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لا تُقطع يد في عام المجاعة. والأثر محفوظ في «المصنف» لعبد الرزاق.
وفي واقعة أخرى سرق رقيق لحاطب بن أبي بلتعة ناقة ونحروها. فأمر عمر أولاً بإقامة الحد، ثم التفت إلى سيدهم فقال: «أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ» (موطأ مالك 1438). وألزم حاطباً أن يدفع لصاحب الناقة ضعف ثمنها. فقد أدرك عمر أن المجتمع الذي يترك الناس جياعاً لا يحق له أن يعاقبهم على أخذ الطعام. وواجب إطعام الفقير، المبيّن في جواب ماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟، مقدَّم على كل عقوبة على السرقة.
ما الشروط التي وضعها الفقهاء؟
أخذ فقهاء المذاهب كلها بقاعدة: ادرؤوا الحدود بالشبهات. وفي «جامع الترمذي» رواية تنسب إلى النبي ﷺ قوله: «فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» (جامع الترمذي 1424)، وإن كان إسنادها ضعيفاً. وقد أخذ الفقهاء بالمبدأ مع ذلك، فكانت أي شبهة تُسقط الحد.
ففي السرقة اشترطوا أن يبلغ المسروق النصاب، وأن يؤخذ من حرز، وألّا تكون للسارق فيه شبهة ملك، وألّا يكون مدفوعاً بجوع أو حاجة. وفي الزنا يشترط القرآن أربعة شهود على الفعل نفسه (سورة النور: 4)، ويعاقب من يرمي غيره به دونهم. ويجوز الرجوع عن الإقرار في أي لحظة، ولو بعد المحاكمة. وقد جعلت هذه الشروط الحدود في الواقع العملي أقرب إلى إنذار ببيان عِظم هذه الذنوب عند الله.
هل الرجم مذكور في القرآن؟
لا. فالقرآن لا يذكر عقوبة الرجم. والعقوبة التي يذكرها للزنا هي الجلد (سورة النور: 2)، ومعها شرط الشهود الأربعة. أما عقوبة الرجم فمصدرها روايات حديثية، وتاريخها يبيّن ندرة تطبيق شيء من ذلك. فقد بيّن المؤرخ مارك ديفيد باير (Marc David Baer) أنه في 465 سنة من الحكم العثماني في إسطنبول لم يأمر برجم امرأة في الزنا إلا سلطان واحد، هو محمد الرابع، سنة 1680. وفي سنة 1858 اعتمدت الدولة العثمانية قانون عقوبات خالياً من الحدود تماماً.
لماذا لا تُطبّق الحدود اليوم؟
شُرعت الحدود في إطار مجتمع كامل: مجتمع يطعم الجائع، ويقضي فيه علماء موثوقون، ويبقى فيه باب التراجع عن الإقرار والتوبة مفتوحاً. وبغير هذا المجتمع يصير تطبيق العقوبات نقضاً لمقاصد الشريعة، وهي حفظ النفس والعقل والدين والأسرة والمال (ما هي الشريعة الإسلامية؟).
وقد انتهى العلماء المعاصرون إلى هذه النتيجة من طرق مختلفة. فقد ذهب الفقيه السوداني عبد الله أحمد النعيم في كتابه «Toward an Islamic Reformation» (1990) إلى أن القانون الجنائي في الدولة الحديثة يجب أن يقوم على أسباب يستطيع المواطنون جميعاً أن يشتركوا فيها. وكتب خالد أبو الفضل أن الحدود تفترض مجتمعاً عادلاً ونظاماً قضائياً عادلاً لا وجود لهما اليوم. واقتداءً بسابقة عمر، فالقول الأرجح أن الحدود معطّلة، وأن على المسلمين أن يصرفوا جهدهم إلى العدل والرحمة ورعاية الفقراء، وهي ما تقدّمه الشريعة.
والتعليل نفسه ينطبق على دعاوى العقوبة الدنيوية على ترك الإسلام أو على التجديف، وهي عقوبات لم يشرعها القرآن أصلاً (ماذا يحدث للمسلم إذا ترك الإسلام؟ وهل في الإسلام عقوبة على التجديف؟).
كلمة في الختام
يصف الله شريعته بهذه الكلمات:
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا
ومن وقع في ذنب فسيجد باب التوبة مفتوحاً، كما يبيّن جواب هل يغفر الله جميع الذنوب؟. ستر الله عيوبنا، وتقبّل توبتنا، وجعلنا ممن يطلبون العدل بالرحمة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الرجم مذكور في القرآن؟
لا. فالقرآن لا يذكر الرجم. والعقوبة التي يذكرها للزنا هي الجلد (سورة النور: 2)، ويشترط أربعة شهود على الفعل نفسه (سورة النور: 4)، وهو شرط لا يكاد يتحقق.
هل تقطع الدول الإسلامية الأيدي اليوم؟
قليل جداً منها يفعل ذلك، وأكثر الدول ذات الأغلبية المسلمة ليس في قوانينها عقوبات حدود أصلاً. وقد استبدلت الدولة العثمانية بها قانون عقوبات حديثاً سنة 1858.
ما هي جرائم الحدود؟
تشمل القائمة الفقهية الكلاسيكية السرقة، والزنا، والقذف، والحرابة (قطع الطريق)، وشرب الخمر عند بعض المذاهب. وقد أُحيط كل منها بشروط إثبات صارمة.
هل يجوز لمن ارتكب ما يوجب الحد أن يتوب سراً؟
نعم. فقد قال النبي ﷺ لماعز: ارجع فاستغفر الله وتب إليه، وعلّم أن من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 1695؛ سنن أبي داود 4376؛ صحيح البخاري 2442؛ جامع الترمذي 1424
- موطأ مالك 1438 (عمر ورقيق حاطب)
- عبد الرزاق الصنعاني، «المصنف» (لا قطع في عام المجاعة)
- عبد الله أحمد النعيم، Toward an Islamic Reformation (مطبعة جامعة سيراكيوز، 1990)
- خالد أبو الفضل، Reasoning with God: Reclaiming Shari'ah in the Modern Age (Rowman & Littlefield، 2014)
- مارك ديفيد باير، Death in the Hippodrome: Sexual Politics and Legal Culture in the Reign of Mehmet IV، مجلة Past & Present، العدد 210 (2011)
الصورة: Ondřej Havelka, The Great Mosque of Djenné, Mali, 2021. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور