هل يغفر الله جميع الذنوب؟

سؤال رقم 1033

السؤال

هل يغفر الله أي ذنب إذا تبت منه، ولو كان ذنباً عظيماً، أو ذنباً أعود إليه مرة بعد مرة؟

ملخص الجواب

الله يغفر الذنوب جميعاً لمن رجع إليه. فالقرآن ينادي الذين أسرفوا على أنفسهم ألّا يقنطوا، «إن الله يغفر الذنوب جميعاً» (سورة الزمر: 53)، ويعد التائبين بأن يبدّل سيئاتهم حسنات (سورة الفرقان: 70). وعلّم النبي ﷺ أن الله يغفر للعبد الذي يرجع إليه مرة بعد مرة. أما المظالم بين الناس فتُصلح بردّ الحقوق إلى أهلها ما استطاع المرء.

الجواب

الحمد لله

Looking up into the entrance vault of a mosque: a honeycomb of muqarnas tiles in turquoise, cobalt, and gold rises above walls of floral blue tilework.

ما من مسلم تقريباً إلا وقد سأل هذا السؤال في ساعة شدة: هل يغفر الله الذنوب جميعاً، حتى ذنوبي أنا؟ والقرآن يجيب بلفظه. فالله يغفر الذنوب جميعاً لمن رجع إليه. ولا ذنب أعظم من مغفرته، ولا أقدم، ولا أكثر تكراراً، وباب التوبة مفتوح ما لم تبلغ الروح الحلقوم: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (جامع الترمذي 3537).

ماذا يقول القرآن عن مغفرة الذنوب جميعاً؟

أوضح آية في هذه المسألة من أرجى آيات القرآن كله:

۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

سورة الزمر: 53

فالله ينادي المذنبين: «يا عبادي». فهو ينسبهم إلى نفسه ولا يتبرأ منهم. وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أناس قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا النبي ﷺ يسألونه: هل لما عملوا كفارة؟ (صحيح البخاري 4810). فكان الجواب هذه الآية.

وتذهب سورة الفرقان إلى أبعد من ذلك. فبعد أن تذكر أعظم الذنوب تقول:

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖ

سورة الفرقان: 70

فالتوبة تزيد على المحو: إنها تحوّل صحيفة العمر نفسها.

هل من ذنب لا يغفره الله؟

يقلق بعض القرّاء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (سورة النساء: 48). ويبيّن علماء التفسير أن هذه الآية فيمن لقي الله وهو لا يزال يشرك به، أما آية الزمر: 53 ففيمن تاب ورجع. وقد كان كبار الصحابة أنفسهم يعبدون الأصنام قبل الإسلام، فغفر الله لهم مغفرة تامة. فكل ذنب يتوب منه المرء في حياته مغفور.

أما السؤال الأوسع، عن مصير من لم يرجعوا إلى الله في حياتهم، فموضعه جوابا هل يدخل غير المسلمين النار؟ وهل جهنم أبدية في الإسلام؟

كيف أطلب المغفرة من الله؟

جمع الإمام النووي (ت 676هـ/1277م) في باب التوبة من «رياض الصالحين» الشروط التي اشترطها العلماء للتوبة:

  1. الإقلاع عن الذنب.
  2. الندم على فعله.
  3. العزم على ألّا يعود إليه.
  4. فإن كان الذنب ظلماً لإنسان آخر، ردّ الحق إلى صاحبه: بإعادة ما أُخذ، أو طلب العفو منه.

ولا يحتاج شيء من ذلك إلى كاهن، ولا إلى طقس، ولا إلى اعتراف علني. فأنت ترجع إلى الله بكلماتك أنت، بأي لغة، وفي أي ساعة. وقد بلّغ النبي ﷺ ذلك عن ربه في حديث قدسي:

«يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي»

جامع الترمذي 3540، وصححه الألباني

وماذا عن الذنوب في حق الناس؟

المظالم بين الناس دَين لا بد من قضائه. فقد سأل النبي ﷺ أصحابه: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ» (صحيح مسلم 2581)، ثم وصف رجلاً يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، فيُعطى هؤلاء من حسناته.

والسبيل إلى الخلاص هو الإصلاح. فاعتذر، وردّ ما أخذت، وأصلح ما استطعت. فإن تعذّر الوصول إلى صاحب الحق أو كان قد مات، فقد نصح العلماء بالدعاء له، وذكره بالخير، والتصدق عنه. والله الذي يرى كل سعي خير من يقضي بين العباد.

ماذا لو عدت إلى الذنب نفسه مرة بعد مرة؟

كثير من الناس يتركون الاستغفار لأنهم يشعرون بالنفاق. وقد أجاب النبي ﷺ عن هذا الخوف مباشرة. فوصف عبداً أذنب فقال: رب أذنبت فاغفر لي، فقال الله: «أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ» (صحيح البخاري 7507)، وغفر له. ثم أذنب العبد مرة أخرى فاستغفر فغُفر له، ثم مرة ثالثة.

بل أخبر النبي ﷺ أن الحاجة إلى المغفرة من طبيعة الإنسان:

«لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»

صحيح مسلم 2749

فكل رجعة عمل من أعمال الإيمان، فداوم على الرجوع. وإن استحال الشعور بالذنب يأساً لا ينقشع، فتحدث إلى من تثق به أو إلى مرشد نفسي؛ ويبيّن جواب هل الاكتئاب ضعف في الإيمان؟ لماذا كان طلب العون من السنة.

الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً

حدّث النبي ﷺ عن رجل من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً. فأتى راهباً فسأله: هل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله الرجل في يأسه، فأكمل به المئة. ثم ما زال يسأل حتى دُلّ على عالم، فقال له: «نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ» (صحيح مسلم 2766). وأرسله العالم إلى أرض يعبد أهلها الله، فمات في الطريق. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله الأرض الصالحة أن تقترب، فوُجد أقرب إليها بشبر، فغُفر له (صحيح البخاري 3470؛ صحيح مسلم 2766).

لقد أغلق المعلم الأول باباً تركه الله مفتوحاً. فلا تدع أحداً يفعل ذلك بك، ولا حتى خوفك. وفي السبل الكثيرة التي تبلغ بها محبة الله عباده انظر هل يحب الله كل الناس؟

دعاء في الختام

سمّى النبي ﷺ هذا الدعاء سيد الاستغفار، فقله في الصباح والمساء:

«اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ»

صحيح البخاري 6306

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يغفر الله الكبائر؟

نعم. فآية «إن الله يغفر الذنوب جميعاً» (سورة الزمر: 53) نزلت في أناس قتلوا وزنوا، ثم سألوا: هل لنا من سبيل إلى الرجوع؟ (صحيح البخاري 4810).

هل يغفر الله لي إذا عدت إلى الذنب نفسه مرة بعد مرة؟

وصف النبي ﷺ عبداً أذنب فاستغفر فغُفر له، ثم عاد، مرة بعد مرة (صحيح البخاري 7507). فداوم على الرجوع، فكل رجعة عمل من أعمال الإيمان.

وماذا عن الآية التي تقول إن الله لا يغفر الشرك؟

يبيّن العلماء أن آية سورة النساء: 48 فيمن لقي الله وهو لا يزال يشرك به. أما من تاب من الشرك في حياته فمغفور له، كما غُفر للصحابة الذين عبدوا الأصنام قبل إسلامهم.

هل يلزمني أن أعترف بذنوبي لأحد؟

لا. فالتوبة بينك وبين الله، وقد كره العلماء أن يفضح المرء ما ستره الله عليه من ذنوبه. وإنما تلزمك المظالم التي في حقوق الناس، فتذهب إليهم وتصلح ما أفسدت.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. النووي، «رياض الصالحين»، باب التوبة
  2. أبو حامد الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب التوبة
  3. صحيح البخاري 3470، 4810، 7507
  4. جامع الترمذي 3540
  5. صحيح مسلم 2749، 2581

الصورة: Diego Delso, The entrance iwan of the Shah Mosque, Isfahan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور