ماذا يقول الإسلام عن اللاجئين والمهاجرين؟

سؤال رقم 1253

السؤال

ماذا يعلّم الإسلام عن اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وكيف ينبغي للمسلمين أن يعاملوا من فرّوا من ديارهم؟

ملخص الجواب

يأمر الإسلام المسلمين باستقبال اللاجئين والمهاجرين بالكرم وحفظ الكرامة. فقد أُخرج النبي ﷺ نفسه من داره، والتقويم الإسلامي يعدّ سنواته من هجرته. ويثني القرآن على أهل المدينة الذين أحبّوا من هاجر إليهم وآثروهم على أنفسهم (سورة الحشر: 9)، ويأمر بإجارة كل من يستجير (سورة التوبة: 6)، ويجعل لابن السبيل المنقطع عن بلده نصيباً من الزكاة (سورة التوبة: 60).

الجواب

الحمد لله

The earthen walls and towers of the Great Mosque of Djenné, bristling with wooden beams, rise above the bright awnings of the market in front of it.

في كل عام يفرّ ملايين الناس من الحرب والاضطهاد والجوع، وكثير منهم مسلمون، وكثير غيرهم يطرقون أبواب بلاد المسلمين. والمسلمون في كل بلد يسألون عمّا يطلبه منهم دينهم تجاه الغريب. والجواب ممتد في قصة الإسلام كلها. فقد أُخرج النبي ﷺ نفسه من داره، والتقويم الإسلامي يعدّ سنواته من هجرة، والقرآن يثني على قوم فتحوا بيوتهم للمهاجرين وآثروهم على أنفسهم. فاستقبال اللاجئين ومعاملة المهاجرين بالعدل والكرامة واجب من واجبات الإيمان.

هل كان النبي ﷺ لاجئاً؟

نعم. فقد دعا النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة وأتباعه يُسخر منهم ويُقاطَعون ويُعذَّبون. وفي نحو سنة 615 أرسل طائفة منهم يلتمسون الأمان عند ملك الحبشة النصراني. ثم خرج هو نفسه من مكة سنة 622 تحت تهديد القتل، قاصداً البلد الذي سيصير المدينة. وخاطب بلده وهو يغادره فقال:

«مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ»

جامع الترمذي 3926، وصححه الألباني

فكل لاجئ التفت إلى دار فقدها يجد في هذه الكلمات أنيساً. ويحكي القرآن كذلك قصة موسى عليه السلام، الذي فرّ من مصر خائفاً: ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ﴾ (سورة القصص: 21)، ثم وصل وحيداً إلى ماء مدين، فآوته أسرة قال له شيخها: ﴿لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (سورة القصص: 25).

ماذا يقول القرآن في استقبال المهاجرين؟

استقبل أهل المدينة، وهم الأنصار، المهاجرين من مكة بكرمٍ خلّد القرآن الثناء عليه:

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ

سورة الحشر: 9

وآخى النبي ﷺ بين كل مهاجر وأسرة من الأنصار تستضيفه. فلما قدم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لا يملك شيئاً، عرض عليه أخوه من أهل المدينة سعد بن الربيع نصف كل ما يملك. فشكره عبد الرحمن ودعا له بالبركة، ولم يسأله إلا: «أَيْنَ سُوقُكُمْ»، فما أمسى حتى بدأ يتاجر (صحيح البخاري 3780). فكرم المضيف وكرامة الوافد الذي يريد أن يعمل ويبني يجتمعان في السنة.

هل يقرّ الإسلام حق اللجوء؟

يأمر القرآن بإجارة العدو نفسه إذا طلب الجوار:

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥ

سورة التوبة: 6

وعلى هذا بنى الفقه الإسلامي نظام الأمان، وهو عهد بالسلامة يملك المسلم أن يعطيه لغير المسلم. وقال النبي ﷺ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (صحيح البخاري 3179). ويوم فتح مكة أخبرته ابنة عمه أم هانئ أنها أجارت رجلاً أراد أخوها قتله، فقال ﷺ:

«قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»

صحيح البخاري 357

فقد أمضى رأسُ الدولة جوارَ امرأة. ومن فرّ إلى الأمان صار أمانةً على الجماعة كلها أن ترعاها، وردّه إلى الخطر خيانة لهذه الأمانة.

كيف يعامل المسلمون المهاجرين؟

دعاء لكل غريب

لما بلغ موسى مدين وحيداً متعباً لا يملك شيئاً، وسقى للمرأتين غنمهما، جلس في الظل ودعا:

رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ

سورة القصص: 24

فاستجاب الله له بأسرة فتحت له بابها. اللهم اجعلنا نحن تلك الاستجابة للغرباء الذين يصلون إلينا، وآوِ كل لاجئ حتى يجد داره.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل كان النبي محمد ﷺ لاجئاً؟

نعم. أخرجه قومه من مكة سنة 622 فوجد المأوى في المدينة، وقال لمكة وهو يغادرها إنه ما كان ليسكن غيرها لولا أن قومه أخرجوه. وكان كثير من أصحابه قد هاجروا قبل ذلك إلى الحبشة.

هل يجوز إعطاء الزكاة للاجئين؟

نعم. فاللاجئون المحتاجون يدخلون في الفقراء والمساكين، وابن السبيل المنقطع عن بلده من مصارف الزكاة التي سمّاها القرآن (سورة التوبة: 60). والصدقة التطوعية تجوز للاجئين من أي دين.

هل على الدول الإسلامية أن تستقبل اللاجئين؟

أمرُ القرآن بإجارة كل من يستجير (سورة التوبة: 6) يلزم المجتمعات المسلمة أولاً. وقد استضافت تركيا ولبنان والأردن ملايين اللاجئين السوريين منذ سنة 2011، وواجب الرعاية يقع على الدول الغنية والفقيرة جميعاً.

هل يجيز الإسلام تقييد الهجرة؟

للدول أن تنظّم الدخول إليها وتضبطه، كما تنظّم أي حكومة الشؤون العامة. وميزان القرآن أن الفارّ من الأذى يُحمى، ويُعامل بالعدل، ولا يُعاد إلى الخطر أبداً.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 357، 3179، 3780؛ جامع الترمذي 3926؛ سنن ابن ماجه 2443
  2. الأمان (نظام الاستئمان في الفقه الإسلامي)
  3. ابن هشام، «السيرة النبوية» (الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة)
  4. عمر ياغي (جائزة نوبل في الكيمياء، 2025)

الصورة: Ondřej Havelka, The Great Mosque of Djenné, Mali, 2021. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور