ماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟
سؤال رقم 1045
السؤال
ماذا يعلّم الإسلام عن الفقر، وما الذي يجب على الأغنياء، وكيف ينبغي للمسلمين أن يعاملوا الفقراء؟
ملخص الجواب
يقرر الإسلام أن للفقراء حقاً في أموال الأغنياء (سورة الذاريات: 19)، وألا يكون المال دُولة بين الأغنياء وحدهم (سورة الحشر: 7)، وأن التكذيب بالدين يظهر في دعّ اليتيم وترك الحض على طعام المسكين (سورة الماعون). والزكاة تجعل هذه الرعاية فريضة، وقد قال النبي ﷺ إنه ليس بمؤمن من يشبع وجاره جائع. وذهب ابن حزم إلى أن على أغنياء كل بلد أن يقوموا بفقرائهم.
﴿وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾
الجواب
الحمد لله

يقرر الإسلام أن للفقراء حقاً في أموال الأغنياء. فالقرآن يقول في وصف المتقين: ﴿وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ (سورة الذاريات: 19). فالعطاء للفقير دَينٌ له بأمر الله، والمعطي إنما يردّ إليه ما كان له من الأصل.
والفقر في القرآن شدةٌ أُمرت الجماعة برفعها. فالجوع إلى جانب الوفرة ظلم، والمؤمنون هم الذين يرفعون هذا الظلم.
ماذا يقول القرآن عن الفقراء؟
في سورة الماعون، وهي من أقصر سور القرآن، يُعرَف التكذيب بالدين من معاملة الإنسان للضعفاء:
أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ
ثم تتوعد السورة الذين يصلّون ليراهم الناس ويمنعون صغير المعروف (سورة الماعون: 4-7). فالصلاة التي لا تصحبها رعاية الفقير جوفاء في ميزانها.
وتجعل سورة البلد إطعام الجائع العقبة التي على المؤمن أن يقتحمها: ﴿فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ﴾، وهي عتق رقبة، أو إطعام يتيم من ذوي القربى أو مسكين لصق بالتراب في يوم مجاعة (سورة البلد: 11-16). وتثني سورة الإنسان على الذين يطعمون الطعام وهم يحبونه المسكينَ واليتيم والأسير، ويقولون: ﴿إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا﴾ (سورة الإنسان: 8-9).
ويتناول القرآن كذلك بنية الاقتصاد كله. فحين بيّن كيف يُقسم المال العام في المدينة بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ذكر العلة:
كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡ
ماذا علّم النبي ﷺ عن الفقراء؟
ربط النبي ﷺ الإيمان نفسه بجوع الجار:
«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ»
الأدب المفرد 112، وصححه الألباني
وعلّم أن الفقراء بركة على الجماعة كلها. فحين رأى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن له فضلاً على من دونه من المسلمين، قال له النبي ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ» (صحيح البخاري 2896).
وعلّم المسلمين أن يبصروا الفقراء الذين لا يسألون. فالمسكين حقاً، كما قال ﷺ، هو الذي لا يجد ما يكفيه، ولا يُفطَن لحاجته، ولا يقوم فيسأل الناس (صحيح البخاري 1479). وجعل لمن يخدم الفقراء منزلة من أعلى منازل الدين، فقال: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» (صحيح البخاري 6006).
كيف تحارب الزكاة الفقر؟
الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهي في الدين قرينة الصلاة. ففي كل عام يُخرج المسلم الذي بلغت مدخراته النصاب جزءاً منها، هو في الغالب ربع العشر (2.5 بالمئة)، إلى الأصناف الثمانية التي سمّاها القرآن (سورة التوبة: 60)، وفي مقدمتهم الفقراء والمساكين. والتفصيل في جواب كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟
ولم يجعل العلماء الزكاة سقف ما يجب على المسلم. فقد كتب الإمام ابن حزم القرطبي (ت 1064م) في «المحلى» أن على أغنياء كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، وأن للسلطان أن يجبرهم على ذلك إن لم تكفِهم الزكاة. وقال إن الفقراء لا بد أن يكون لهم من الخبز ما يأكلون، ومن اللباس ما يكفيهم للشتاء والصيف، ومسكنٌ يكنّهم من المطر والشمس وعيون المارة.
وتسدّ الشريعة كذلك الأبواب التي يُستغَلّ منها الفقراء، فتحرّم الربا الذي يفترس المضطرين، والقمار الذي يستنزف بيوت الفقراء، كما هو مبيّن في جوابَي هل فوائد البنوك حرام؟ وهل القمار واليانصيب حرام؟
من الذي نطق باسم الفقراء في صدر الإسلام؟
صار أبو ذر الغفاري، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، ضميرَ الجماعة في هذه المسألة. ففي الشام اختلف مع واليها معاوية في الآية التي تتوعد ﴿وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبة: 34). فقال معاوية إنها نزلت في أهل الكتاب، وقال أبو ذر: «نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ» (صحيح البخاري 1406). ثم قضى سنواته الأخيرة في الربذة خارج المدينة، ثابتاً على رأيه.
وبقي الحكام الذين حملوا هذه الأمانة محبوبين في ذاكرة الناس. ففي عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (حكم 717-720م) تروي كتب التاريخ أن عمّال الزكاة في بعض الأقاليم لم يجدوا فقيراً يأخذها. ويُروى أن عامله على صدقات إفريقية، يحيى بن سعيد، أنفق ما فضل منها في عتق الرقاب.
كيف رعت المجتمعات المسلمة الفقراء؟
كان الوقف أعظم أدوات البر عند المسلمين. فكان المؤمن يحبس عقاراً على الدوام، فيُنفَق ريعه في إطعام الناس أو إيوائهم أو علاجهم أو تعليمهم. وفي أنحاء الدولة العثمانية كانت المطابخ العامة المعروفة بالعِمارات تقدّم الخبز والحساء كل يوم للطلاب والمسافرين والفقراء. وفي القدس أسست خُرّم سلطان، زوجة السلطان سليمان القانوني، عمارة خاصكي سلطان في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وقد روت المؤرخة إيمي سينغر قصتها في كتابها Constructing Ottoman Beneficence (2002). وكانت الأوقاف كذلك تموّل المستشفيات المجانية التي يصفها جواب هل يؤيد الإسلام الرعاية الصحية للجميع؟
هل الفقر عيب؟
لا عار في الفقر في الإسلام. فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أن الشهرين كانا يمرّان على بيوت النبي ﷺ لا توقد فيها نار، وأن طعام أهله حينئذ كان «الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ» (صحيح البخاري 2567). والمؤمن الفقير له عند الله من الكرامة مثل ما للملك، والقرآن يحذّر الأغنياء من الاستعلاء على الفقراء.
وقد استعاذ النبي ﷺ بالله من فتنة الفقر، فكان يقول: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ» (صحيح البخاري 6368)، لأن الفقر شدة حقيقية قد تسحق الإنسان. ولذلك يُدعى المسلمون إلى الأمرين معاً: أن يكرموا الفقراء، وأن يرفعوا عنهم الفقر بالزكاة والصدقة والأجر العادل والقوانين المنصفة. وهذا بعض ما تطلبه الشريعة من المجتمع.
كلمة في الختام
وعد النبي ﷺ فقال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (صحيح مسلم 2588). جعلنا الله ممن يقتحمون العقبة، ويطعمون الجائع لوجهه وحده، ويبنون مجتمعات لا يبيت فيها جار جائعاً.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الفقر عقوبة من الله؟
لا. فقد كانت بيوت النبي ﷺ تعيش كثيراً على التمر والماء، وأثنى القرآن على كثير من المؤمنين الفقراء. فالفقر شدة أُمر المجتمع برفعها، وللفقراء عند الله منزلة خاصة.
هل الصدقة اختيارية في الإسلام؟
الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي فريضة على كل من بلغت مدخراته النصاب. وصدقة التطوع فوق ذلك، وقد قرر الفقهاء أن الزكاة إن لم تكفِ وجب على الأغنياء أن يزيدوا.
هل يجوز إعطاء الزكاة أو الصدقة لغير المسلمين؟
صدقة التطوع تُعطى لكل محتاج، وقد أثنى القرآن على من يطعمون الأسير، وكان الأسير في المدينة في الغالب غير مسلم (سورة الإنسان: 8). ويجيز كثير من العلماء كذلك إعطاء الزكاة لفقراء غير المسلمين، وهو قول يُروى عن الخليفة عمر بن الخطاب.
ما ثواب إطعام الفقراء؟
قال النبي ﷺ إن الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل (صحيح البخاري 6006).
أسئلة ذات صلة
المصادر
- البخاري، الأدب المفرد 112
- صحيح البخاري 1406، 1479، 2896، 6006
- ابن حزم، «المحلى»، كتاب الزكاة
- إيمي سينغر، Constructing Ottoman Beneficence: An Imperial Soup Kitchen in Jerusalem (SUNY Press، 2002)
الصورة: Richard Mortel, The prayer hall of the Great Mosque of Córdoba, 2016. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور