هل فوائد البنوك حرام؟
سؤال رقم 1096
السؤال
هل الفائدة التي تُدفع على حسابات التوفير والسندات والقروض المصرفية العادية هي الربا الذي حرّمه القرآن؟
ملخص الجواب
حرّم القرآن الربا، وهو الزيادة الاستغلالية التي كانت تضاعف ديون الفقراء وتنتهي إلى الظلم (سورة البقرة: 279). واختلف العلماء في الفائدة المصرفية الحديثة: هل هي ذلك الربا؟ فقد أجازها مفتي مصر محمد سيد طنطاوي سنة 1989، وأفتى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سنة 2002 بحلّ العائد الثابت من البنوك، موافقاً مفكرين مثل فضل الرحمن، ويرى كثير من المجامع الفقهية أنها ربا. والقول الأرجح جواز الفائدة العادلة الخاضعة للرقابة، وتحريم الإقراض الجشع.
﴿لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾
الجواب
الحمد لله

هل فوائد البنوك حرام؟ قلّ أن تشغل مسألةٌ عامةَ المسلمين كما تشغلهم هذه، لأنه قلّ أن يقدر أحد على اجتنابها. فالرواتب تُحوَّل إلى الحسابات المصرفية، والمدخرات تدرّ فوائد، وصناديق التقاعد تحتفظ بالسندات، والبيوت والسيارات وتكاليف الدراسة الجامعية تُدفع بالدَّين. وتحريم القرآن للربا قاطع، وعلى كل مسلم أن يجتنبه، وإنما السؤال: ما الربا؟ والقول الأرجح، وهو ما ذهب إليه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وطائفة من العلماء المعاصرين، أن الربا الذي حرّمه القرآن هو الزيادة الاستغلالية التي كانت تفترس الفقراء، وأن الفائدة المصرفية العادلة الخاضعة للرقابة معاملة أخرى. ويخالف في ذلك كثير من المجامع الفقهية، ولقولها حقه من الاحترام.
ما الربا الذي حرّمه القرآن؟
يفرّق القرآن بين البيع والربا في آية من أشد آياته وقعاً:
وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ
وكان الربا الذي عرفه العرب قبل الإسلام، وهو ربا الجاهلية، يجري على هذا النحو: إذا حلّ أجل الدين قال الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تُربي. فالمدين العاجز عن السداد يتضاعف دينه، ثم يتضاعف مرة بعد مرة (سورة آل عمران: 130). وعلاج القرآن لذلك هو الرحمة بالمعسر:
وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ
وفي حجة الوداع أبطل النبي ﷺ هذا الربا، وبدأ بأهل بيته:
«وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ»
وقد نصّ القرآن على علة التحريم فقال: ﴿لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 279). فالربا إنما حُرّم لأنه ظلم.
كيف فهم الفقهاء المتقدمون الربا؟
بنى الفقهاء على الربا باباً واسعاً من الأحكام، منها أحكام مبادلة الذهب والفضة وبعض الأطعمة. وقد فرّق ابن قيم الجوزية (ت 751هـ/1350م) في «إعلام الموقعين» بين نوعين من الربا، واستنار العلماء من بعده بهذا التفريق. فالربا الجلي، وهو زيادة الجاهلية في الديون، حُرّم لعظيم ضرره. والربا الخفي، وهو ما يتعلق بمبادلة الجنس بجنسه، حُرّم سداً للذريعة إلى الأول، وما حُرّم سداً للذريعة قد يُباح عند الحاجة الحقيقية.
لماذا أجاز بعض العلماء فوائد البنوك؟
في القرن العشرين سأل العلماء: هل الوديعة في مصرف خاضع للرقابة، أو القرض بسعر معلن تحميه قوانين حماية المستهلك، هي نفسها مضاعفة الديون التي أهلكت فقراء مكة؟ فذهب فضل الرحمن في دراسته «الربا والفائدة» (Riba and Interest، 1964) إلى أن القرآن قصد الربا الاستغلالي الذي عرفه زمانه، وأن الميزان الأخلاقي في ذلك هو الظلم. وبسط عبد الله سعيد القراءة نفسها في كتابه Islamic Banking and Interest (بريل، 1996).
وأصدر الشيخ محمد سيد طنطاوي، حين كان مفتياً للديار المصرية، فتوى سنة 1989 بجواز الفوائد على السندات الحكومية والمدخرات. وفي ديسمبر 2002، بعد أن صار شيخاً للأزهر، أصدر مجمع البحوث الإسلامية فتوى بأن استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الأرباح أو العوائد مقدماً جائز شرعاً. وعلّل المجمع ذلك بأنه لا نص في القرآن ولا في السنة يحرّم هذا النوع من التعامل، وبأن البنك وكيل عن المودِع في استثمار ماله، وبأن تحديد العائد مقدماً يحفظ الطرفين من النزاع.
لماذا ترى أكثر المجامع الفقهية أنها ربا؟
القول الأشد هو قول أكثر المؤسسات الفقهية المعاصرة. فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة سنة 1985 أن كل زيادة تُشترط عند بدء القرض ربا، وحثّ على المصارف الإسلامية بديلاً منها. ويستدل أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه (صحيح مسلم 1598)، ويرون أن كل زيادة مضمونة على القرض داخلة في التحريم. والمسلم الذي يأخذ بهذا القول ويتعامل مع المصارف الإسلامية يعمل باجتهاد علمي معتبر. والخلاف بين القولين خلاف حقيقي، وللمسلم أن يأخذ بأيهما وهو مطمئن الضمير.
كيف يتعامل المسلم مع الفوائد اليوم؟
- لا تربح من ضائقة غيرك أبداً. فقروض الرواتب السريعة، والإقراض الجشع، وفخاخ الديون التي تُنصب للمضطرين، هي الصورة المعاصرة لربا الجاهلية، وهي حرام على كل قول.
- كن سمحاً إذا أقرضت. قال النبي ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (صحيح البخاري 2076).
- اختر قولاً والتزمه. فعلى القول المبيح، فوائد المدخرات كسب حلال. وعلى القول الأشد، تُعطى للفقراء.
- أدِّ زكاة مدخراتك. فأياً كان القول الذي تأخذ به، فالمال الذي يبلغ النصاب ويحول عليه الحول تجب فيه الزكاة (كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟).
- تجنّب الدَّين من غير حاجة. فديون الاستهلاك بالفوائد العالية تضرّ بالأسر، أياً كان حكمها الفقهي (هل بطاقات الائتمان حرام؟بالإنجليزية).
وفي أجوبة هل القرض العقاري لشراء بيت حرام؟ وهل العمل في البنك حرام؟بالإنجليزية وهل الاستثمار في الأسهم حرام؟ بيان لمسائل قريبة.
مالٌ يربو عند الله
يقابل القرآن بين نوعين من النماء: ﴿وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ﴾ (سورة الروم: 39). والميزان الأخير في كل معاملة أن تنصف الإنسان الذي يقف على طرفها الآخر. نسأل الله أن يطيّب مكاسبنا، وأن يجعل معاملاتنا عدلاً، وأموالنا سبيلاً إلى رفع الفقراء (ماذا يقول الإسلام عن الفقر؟).
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم فتح حساب توفير بفائدة؟
على قول مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، فائدة حساب التوفير ربح حلال على مال يستثمره البنك. ومن أخذ بالقول الأشد فله أن يبقي حساب التوفير ويتصدق بالفائدة، أو أن يختار حساباً في مصرف إسلامي.
ماذا أفعل بالفوائد التي حصلت عليها من قبل؟
على القول المبيح يجوز لك أن تبقيها. وعلى القول الأشد تعطيها للفقراء أو تصرفها في المصالح العامة، ولا تحتسبها صدقة منك. وفي الحالين تجب الزكاة في مدخراتك متى بلغت النصاب.
ما رأي فقهاء الحنفية في فوائد البنوك؟
أكثر فقهاء الحنفية اليوم يعدّون الفائدة المصرفية ربا. وقد ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني إلى أن بعض المعاملات المحرمة بين المسلمين تجوز مع غير المسلمين في بلاد غير المسلمين، ويطبّق بعض العلماء المعاصرين هذا القول على البنوك في الغرب.
هل العمل في البنك حرام؟
يتوقف الحكم على القول الذي يأخذ به المرء في الفائدة، وعلى طبيعة العمل نفسه. وفي المسألة جواب مستقل عن العمل في البنوك.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 1218 (خطبة حجة الوداع: ربا الجاهلية موضوع)
- ابن قيم الجوزية، «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (الربا الجلي والربا الخفي)
- فضل الرحمن، "Riba and Interest"، مجلة Islamic Studies، المجلد 3، العدد 1 (1964)
- عبد الله سعيد، Islamic Banking and Interest (بريل، 1996)
- محمود الجمال، "'Interest' and the Paradox of Contemporary Islamic Law and Finance"، Fordham International Law Journal 27 (2003)، ومعه ترجمة فتوى الأزهر
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 10 (10/2) (جدة، 1985)
الصورة: Diego Delso, The Vakil Bazaar, Shiraz, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور