هل مات عيسى على الصليب في الإسلام؟

سؤال رقم 1038

السؤال

ماذا يعلّم القرآن عن صلب عيسى، وهل يعتقد المسلمون أنه مات على الصليب؟

ملخص الجواب

يقول القرآن إن الذين تفاخروا بقتل عيسى ما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم، وإن الله رفعه إليه (سورة النساء: 157-158). وذهب أكثر المفسرين المتقدمين إلى أن غيره أُلقي عليه شبهه. وقرأ مفكرون إسماعيليون في العصور الوسطى وعلماء معاصرون كمحمود أيوب الآية على أنها تنفي انتصار القتلة على المسيح. وتتفق القراءات كلها على أن الله نصر عيسى وبرّأه.

﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾

سورة النساء: 158

الجواب

الحمد لله

Marble columns with gilded capitals and arches of glittering mosaic surround the ambulatory of the Dome of the Rock, lit by a hanging chandelier.

هل مات عيسى على الصليب في الإسلام؟ يتناول القرآن هذه المسألة في آيتين، وقد فهمهما المسلمون على أكثر من وجه. والذي تشترك فيه القراءات كلها أن الذين تفاخروا بقتل المسيح لم تكن لهم الكلمة الأخيرة: فقد رفع الله عيسى عليه السلام إليه، ولم يغلبه أعداؤه.

ماذا يقول القرآن عن صلب المسيح؟

ترد الآيتان في سورة النساء، في سياق يعدّد مظالم الذين عادوا الأنبياء. ومن تلك المظالم دعوى تفاخروا بها:

وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ

سورة النساء: 157

ثم تمضي الآية: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا﴾ (سورة النساء: 157). وتقول الآية التي تليها: ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا﴾ (سورة النساء: 158).

ويدور الأمر كله على كلمتين قصيرتين: ﴿شُبِّهَ لَهُمۡ﴾ (سورة النساء: 157)، أي أُوقع الاشتباه عليهم، أو أُلقي شبهه على غيره في أعينهم. ولا يقول القرآن ما الذي شُبّه على وجه التحديد، ولا لمن. وقد ملأ المسلمون هذا السكوت بثلاثة أوجه رئيسية.

ما معنى «شُبّه لهم» عند المسلمين؟

أُلقي شبه عيسى على رجل آخر

ذهب أكثر المفسرين المتقدمين إلى أن الله ألقى شبه عيسى على رجل آخر صُلب مكانه، ورُفع عيسى حياً. وقد جمع الطبري (ت 310هـ/923م) في تفسيره الكبير «جامع البيان» روايات عدة لهذه القصة: ففي بعضها تطوّع أحد الحواريين، وفي بعضها كان الشبيه هو الرجل الذي خانه. وهذا هو القول الذي يأخذ به أكثر المسلمين اليوم. وتفاصيله مأخوذة من روايات قديمة، والقرآن نفسه لا يسمّي أحداً.

نجا عيسى من الصليب

وتذهب قراءة ثانية إلى أن عيسى وُضع على الصليب ولم يمت عليه، وإنما بدا ميتاً ثم تعافى بعد ذلك. ويرتبط هذا القول بالجماعة الأحمدية وببعض الكتّاب المعاصرين، ولم يقبله أكثر علماء المسلمين.

صُلب بدنه، ولم ينتصر أعداؤه

وقراءة ثالثة، أقدم مما يظن كثيرون، تفهم الآية على أنها نفيٌ لتفاخرهم بقتل المسيح. فقد ذهب فلاسفة إسماعيليون في القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد، ومنهم أبو حاتم الرازي وأبو يعقوب السجستاني والمؤيد في الدين الشيرازي، إلى أن بدن عيسى صُلب حقاً، وأن حقيقته، أي روحه والنور الإلهي الذي فيه، لا يمكن أن تُقتل. واحتج المؤيد بأن الصلب واقعة تاريخية رواها اليهود والنصارى جميعاً.

وفي العصر الحديث ذهب العالم اللبناني الأمريكي محمود أيوب (ت 2021م) إلى أن الآية تنفي قدرة البشر على قهر الكلمة الإلهية وإهلاكها. وتتبّع المؤرخ تود لوسون هذا الطيف كله من التفسير في كتابه The Crucifixion and the Qur’an (ون وورلد، 2009)، ولاحظ أن القرآن نفسه لا يقول إلا إن اليهود لم يصلبوا عيسى. ويستشهد أصحاب هذه القراءة بحديث القرآن عن الشهداء:

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ

سورة آل عمران: 169

فعلى هذه القراءة يكون نفي القتل عن المسيح كنفي الموت عن الشهداء. وكل قراءة من هذه القراءات الثلاث يأخذ بها مسلمون صادقون، وكلها تعتني بألفاظ الآية عناية جادة.

هل مات عيسى؟ وما معنى «متوفيك»؟

وفي سورة آل عمران آية ثانية تحكي ما قاله الله لعيسى:

إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ

سورة آل عمران: 55

وكلمة «متوفيك» من الفعل «توفّى»، أي أخذ الشيء وافياً. ويستعملها القرآن للموت (سورة الزمر: 42) وللنوم (سورة الأنعام: 60). وقد ذكر الطبري أقوال المتقدمين فيها: أن الله قبض عيسى نائماً، أو رفعه بكامله جسداً وروحاً، أو أماته، وهذا المعنى الأخير مروي عن ابن عباس. ويوم القيامة يقول عيسى نفسه لربه: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡ﴾ (سورة المائدة: 117).

ويعتقد أكثر المسلمين أن عيسى رُفع حياً، وأنه سينزل قبل قيام الساعة ثم يموت. وفي سنة 1942 أصدر الشيخ محمود شلتوت، الذي صار بعد ذلك شيخاً للأزهر، فتوى فهم فيها هذه الآيات على أنها تصف موتاً طبيعياً أعقبه رفع منزلة عيسى، وانتهى إلى أن الإيمان بنزوله بجسده ليس من العقائد التي يجب الإيمان بها. والأحاديث الواردة في نزوله، وطريقة العلماء في الموازنة بين أمثالها، مبسوطة في جواب هل كل الأحاديث صحيحة؟

لماذا تهمّ هذه المسألة؟

الصليب عند المسيحيين قلب الإيمان، وعيسى عند المسلمين نبي حبيب والمسيح (ماذا يعتقد المسلمون في عيسى؟). وسيبقى الدينان مختلفين في هذه المسألة، لكنهما يشتركان كذلك في أكثر مما ينتبهان إليه في الغالب. فكلاهما يقرّ بأن عيسى ظلمه رجال أصحاب سلطان، وأن الله لم يخذله، وأن الله رفعه. فالمسيحيون يتحدثون عن القيامة، والمسلمون عن الرفع إلى الله، وكلاهما يقول إن قصة عيسى تنتهي بالنصر والحياة.

وتنوّع قراءات المسلمين درس كذلك في طريقة تفسير القرآن: بعناية، وبانتباه إلى كل كلمة، وبسعة لأكثر من قراءة سليمة (كيف ينبغي أن يُفسَّر القرآن؟). والحوار مع الأصدقاء المسيحيين في مسألة الصليب يكون أحسن حين يعرف المسلمون هذا التنوع، وحين يتذكر الطرفان قوله تعالى: ﴿وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ﴾ (سورة العنكبوت: 46). وانظر جوابي هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟ وماذا يقول القرآن عن المسيحيين واليهود؟

السلام عليه

يجري القرآن على لسان عيسى كلمات يقولها كل مسلم بحب: ﴿وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا﴾ (سورة مريم: 33). وأياً كان ما ينتهي إليه المسلم في مسألة الصليب، يبقى عيسى رسولاً حماه الله وأكرمه وقرّبه.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يعتقد المسلمون أن عيسى صُلب؟

يعتقد أكثر المسلمين أن عيسى لم يُصلب، وأن رجلاً آخر أُلقي عليه شبهه. ويرى بعض المفكرين المسلمين، قديماً وحديثاً، أن بدنه صُلب، وأن القرآن إنما ينفي دعوى أعدائه أنهم أهلكوه.

هل يعتقد المسلمون أن عيسى مات؟

يعتقد أكثر المسلمين أن عيسى رُفع حياً، وأنه سينزل ثم يموت في آخر الزمان. ويرى آخرون، ومنهم الشيخ محمود شلتوت من الأزهر، أن آيتي آل عمران 55 والمائدة 117 تصفان موته موتاً طبيعياً ثم رفع منزلته.

ما معنى «متوفيك» في سورة آل عمران: 55؟

التوفي في اللغة أخذ الشيء وافياً كاملاً. وقد فسّره المفسرون المتقدمون بأن الله قبض عيسى نائماً، أو رفعه بكامله، أو أماته، وهذا الأخير مروي عن ابن عباس.

هل يؤمن المسلمون بقيامة عيسى؟

يؤمن المسلمون بأن الله رفع عيسى إليه (سورة النساء: 158)، وأنه مكرّم في الدنيا والآخرة. أما الإيمان بقيامته في اليوم الثالث فعقيدة مسيحية لا يشاركها الإسلام.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. تود لوسون، The Crucifixion and the Qur'an: A Study in the History of Muslim Thought (ون وورلد، 2009)
  2. محمود أيوب، "Towards an Islamic Christology II: The Death of Jesus, Reality or Delusion"، مجلة The Muslim World 70 (1980)
  3. محمد بن جرير الطبري، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (تفسير سورة آل عمران: 55 وسورة النساء: 157)
  4. محمود شلتوت، فتوى في وفاة عيسى (1942)، في كتابه «الفتاوى»
  5. غبريال سعيد رينولدز، "The Muslim Jesus: Dead or Alive?"، Bulletin of SOAS 72 (2009)

الصورة: Lazhar Neftien, Inside the Dome of the Rock, Jerusalem, 2009. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور