ماذا يقول الإسلام عن البيئة وتغير المناخ؟
سؤال رقم 1054
السؤال
ماذا يعلّم الإسلام عن رعاية البيئة، وكيف ينبغي للمسلمين أن يتعاملوا مع تغير المناخ؟
ملخص الجواب
يجعل الإسلام الإنسان خليفة في الأرض وحاملاً للأمانة، ويأمره القرآن ألا يطغى في الميزان الذي وضعه الله في الخلق (سورة الرحمن: 7-9)، ويحذّر من أن الفساد في البر والبحر إنما ظهر بما كسبت أيدي الناس (سورة الروم: 41). وجعل النبي ﷺ الغرس صدقة، وحمى الأشجار والمراعي، واقتصد في الماء. فرعاية الأرض عبادة، والإسراف فيها وتلويثها حرام.
﴿أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ﴾
الجواب
الحمد لله

ماذا يقول الإسلام عن البيئة؟ يقدّم القرآن الأرض خلقاً من خلق الله، استُخلف فيها الناس، وسيُسألون عن معاملتهم لها. وقد خلق الله السماوات والأرض بميزان، وأمر الناس ألا يُخلّوا به. فرعاية الأرض والماء والهواء والحيوان من العبادة، وإتلافها من الفساد الذي نهى عنه القرآن. وتغيّر المناخ، الذي يقع أثقل ما يقع على الفقراء، امتحان لهذه الخلافة في زماننا.
ماذا يقول القرآن عن البيئة؟
تصف سورة الرحمن، سورة نعم الله، نظام الخلق بأنه ميزان:
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ
والميزان في أصله آلة الوزن. وهو يشمل الوزن بالقسط والعدل في المعاملة، وقد فسّره كثير من المفسرين المتقدمين بالعدل نفسه. فللسماوات والأرض مقدارها، والإنسان مطالب بأن يحفظ مقداره.
ويمنح القرآن الخلق كرامته كذلك: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡ﴾ (سورة الإسراء: 44). ويقول عن الحيوان: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُم﴾ (سورة الأنعام: 38). فالغابة والنهر وسرب الطير جماعة تسبّح ربها.
ما معنى أن الإنسان خليفة في الأرض؟
أخبر الله الملائكة فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗ﴾ (سورة البقرة: 30)، وقال للناس: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ (سورة الأنعام: 165). ويسمّي القرآن هذه المسؤولية أمانة، عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان (سورة الأحزاب: 72). والخليفة غير المالك: فهو يدبّر ما هو لغيره، وعليه أن يردّه سليماً. والغاية من هذه الأمانة مبحوثة في جواب لماذا خلقنا الله؟
وقد ذكر النبي ﷺ أن من العطايا التي أُعطيها: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (صحيح البخاري 335). فالأرض كلها عند المسلم مسجد، والمسجد لا يُدنَّس.
ماذا يقول القرآن عن تغير المناخ؟
لا يذكر القرآن علم المناخ الحديث باسمه، لكنه يصف بوضوح السنّة الأخلاقية التي وراءه:
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ
وينهى القرآن عن الإفساد في الأرض: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ (سورة الأعراف: 56)، ويصف المفسد بأنه إذا تولى ﴿سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ (سورة البقرة: 205).
وقد طبّق علماء المسلمين وقادتهم هذه الآيات على أزمة المناخ. ففي أغسطس 2015، في الندوة الإسلامية الدولية حول تغير المناخ في إسطنبول، أصدروا الإعلان الإسلامي حول تغير المناخ العالمي. وقد نسب الإعلان تغير المناخ إلى فعل الإنسان، ودعا الدول الغنية والمنتجة للنفط إلى التخلص التدريجي من انبعاثات الغازات الدفيئة في موعد أقصاه منتصف القرن، ودعا المسلمين في كل مكان إلى التحول نحو الطاقة المتجددة. وكان الناشط البيئي فضلون خالد، مؤسس المؤسسة الإسلامية للبيئة والعلوم البيئية، من محرريه. وفي فبراير 2024 أطلق علماء مسلمون في نيروبي، مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وثيقة «الميزان: عهد من أجل الأرض»، التي تعرض رؤية إسلامية لحماية الكوكب.
ماذا علّم النبي ﷺ عن الشجر والماء والحيوان؟
جعل النبي ﷺ الغرس عبادة، فقال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (صحيح البخاري 2320). وجعل المدينة حرماً «لاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا» (صحيح البخاري 1867). وحمى أرض النقيع فجعلها حمى محمياً، وفعل عمر رضي الله عنه مثل ذلك في السرف والربذة (صحيح البخاري 2370).
وكان مقتصداً في الماء حتى في العبادة، فكان يتوضأ بالمد، وهو ملء الكفين (صحيح البخاري 201). وأخبر عن رجل غُفر له لأنه سقى كلباً عطشان، وعن امرأة عُذّبت لأنها أجاعت هرة، وانظر جوابَي هل كان للنبي محمد قطة؟ وهل الصيد للتسلية والرياضة حرام؟ وفي سنة 2014 أصدر مجلس العلماء الإندونيسي فتوى بتحريم الصيد غير المشروع للأنواع المهددة بالانقراض والاتجار بها.
هل الإسراف والتلويث حرام؟
نعم. قال الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف: 31). والتلويث الذي يضر بالآخرين داخل في قاعدة النبي ﷺ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (سنن ابن ماجه 2341، وصححه الألباني). ومقاصد الشريعة تحفظ النفس والصحة والمال، والنهر المسموم والقرية الغارقة يتلفان الثلاثة جميعاً.
وتغير المناخ كذلك مسألة عدل. فأثقل تكاليفه تقع على المزارعين والصيادين وفقراء الجنوب العالمي، وهم أقل الناس تسبباً فيه. وعناية الشريعة بالمعدمين، المبسوطة في جواب ماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟، تشمل هذا الأمر أيضاً.
ماذا يستطيع المسلمون أن يفعلوا؟
- أقلّوا الهدر. اقتصدوا في الماء في البيت وفي الوضوء، واشتروا أقل، وأعيدوا الاستعمال أكثر، واحفظوا الطعام من سلة المهملات.
- اغرسوا. فالشجرة صدقة يبقى عطاؤها بعد رحيلكم بزمن طويل.
- اجعلوا المساجد خضراء. فالألواح الشمسية، والصنابير الموفّرة للماء، وموائد الإفطار بلا بلاستيك يُرمى، تجعل المسجد درساً في الاستخلاف.
- تكلّموا باسم الأرض. وادعموا السياسات والقادة الذين يحمون المناخ والفقراء الذين يعانون من تقلباته أكثر من غيرهم.
- علّموا الأطفال الدهشة. فالطفل الذي يحب خلق الله سيريد أن يحميه.
كلمة في الختام
قدّم النبي ﷺ من أكثر تعاليمه بعثاً للأمل عن نهاية العالم نفسها:
«إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»
فلا أزمة يفوت معها أوان العمل الصالح. جعلنا الله خلفاء أمناء على أرضه، وأعاننا على أن نسلّمها لأبنائنا أكثر خضرة مما وجدناها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الإسراف في الماء حرام في الإسلام؟
نعم. فالقرآن يقول: كلوا واشربوا ولا تسرفوا (سورة الأعراف: 31)، وكان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، وهو ملء الكفين (صحيح البخاري 201). وإهدار الماء الذي يحتاجه الآخرون والأجيال القادمة ضرب من الإفساد في الأرض الذي نهى عنه القرآن.
هل رمي القمامة في الأماكن العامة حرام؟
تلويث الأماكن التي يرتادها الناس إضرار بهم، وقد قال النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (سنن ابن ماجه 2341). وعدّ النبي ﷺ كذلك إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان.
هل يقرّ علماء المسلمين بتغير المناخ؟
نعم. فالإعلان الإسلامي حول تغير المناخ العالمي، الصادر في إسطنبول في أغسطس 2015، نسب تغير المناخ إلى فعل الإنسان، ودعا إلى التخلص التدريجي من انبعاثات الغازات الدفيئة. وفي سنة 2024 أطلق علماء مسلمون «الميزان: عهد من أجل الأرض» مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
هل إيذاء الحيوان إثم؟
نعم. فقد أخبر النبي ﷺ عن امرأة عُذّبت لأنها حبست هرة حتى ماتت جوعاً، وعن رجل غُفر له لأنه سقى كلباً عطشان. والقرآن يجعل الدواب والطير أمماً أمثالنا (سورة الأنعام: 38).
أسئلة ذات صلة
المصادر
- الإعلان الإسلامي حول تغير المناخ العالمي (إسطنبول، 2015)
- «الميزان: عهد من أجل الأرض» (Al-Mizan: A Covenant for the Earth)، برنامج الأمم المتحدة للبيئة، 2024
- مجلس العلماء الإندونيسي (Majelis Ulama Indonesia)، فتوى حماية الأنواع المهددة بالانقراض للحفاظ على توازن النظم البيئية (2014)
- الأدب المفرد 481 (فليغرس الفسيلة)
- صحيح البخاري 2320 (الغرس صدقة)
- صحيح البخاري 2370 (حمى النقيع)
الصورة: Amirpashaei, Pavilion in the Fin Garden, Kashan, 2020. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور