لماذا خلقنا الله؟

سؤال رقم 1039

السؤال

لماذا خلق الله الإنسان، وما الغاية من حياتنا في الإسلام؟

ملخص الجواب

خلق الله الإنسان ليعرفه ويعبده (سورة الذاريات: 56)، وقد فسّر مجاهد، من أوائل المفسرين، قوله «ليعبدون» بمعنى «ليعرفون». وفهم ابن عباس من سورة هود (119) أن الله خلق الناس للرحمة ولم يخلقهم للعذاب، وسمّى القرآن الإنسان خليفة في الأرض (سورة البقرة: 30). والله غني عنا، فالغاية من خلقنا خيرنا نحن.

الجواب

الحمد لله

A tall prayer niche in turquoise, cobalt, and white tile mosaic, framed by bands of Quranic inscription with a pointed arch at its heart.

لماذا خلقنا الله؟ سؤال يطرحه كل إنسان متأمل في وقت ما، وكثيراً ما يطرحه في الليل، أو بعد فقد عزيز. ويجيب القرآن عنه في غير آية، وأجوبته يكمّل بعضها بعضاً: فقد خلق الله الإنسان ليعرفه ويعبده (سورة الذاريات: 56)، وليرحمه (سورة هود: 119)، وليرعى الأرض خليفةً فيها (سورة البقرة: 30). وقد خلقنا جوداً منه وكرماً، فهو غني عن كل شيء، والحياة التي وهبنا إياها عطية نحياها متوجهين إليه.

ماذا يقول القرآن عن الغاية من خلق الإنسان؟

أشهر آية في الغاية من الحياة في سورة الذاريات:

وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ

سورة الذاريات: 56

وكلمة «العبادة» من الجذر الذي منه «العبد»، وهي في القرآن والسنة أوسع بكثير من الشعائر. فقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (صحيح البخاري 6021)، وما زال العلماء يعلّمون أن طلب الرزق، وبرّ الوالدين، وتربية الأولاد، تصير عبادة إذا قُصد بها وجه الله.

وقد فسّر مجاهد بن جبر (ت 722م)، من أوائل المفسرين وأجلّ تلاميذ ابن عباس، قوله تعالى ﴿لِيَعۡبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات: 56) بمعنى «ليعرفون». ونقل البغوي والقرطبي قوله في تفسيريهما، ونقل ابن كثير مثله عن ابن جريج. فالعبادة والمعرفة تنموان معاً: يعرف الإنسان ربه بإقباله عليه، ويزداد إقبالاً عليه كلما ازداد معرفة به.

هل يحتاج الله إلى عبادتنا؟

والآية التي تليها تدفع سوء الفهم: ﴿مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ﴾ (سورة الذاريات: 57). فالله هو الغني: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ (سورة فاطر: 15). وفي حديث قدسي طويل يقول الله تعالى:

«يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»

صحيح مسلم 2577

فالعبادة إذن لمصلحة العابد: الصلاة تثبّت القلب، والصيام يحرّره من شهواته، والصدقة توسّعه. والمخلوق الذي خُلق ليعرف خالقه يجد راحته فيه، كما يجد النهر قراره في البحر. والحديث نفسه يُفتتح بوعد الله أن يهدي ويُطعم ويكسو ويغفر لكل من سأله.

هل خلقنا الله للرحمة؟

تذكر سورة هود اختلاف الناس، ثم تقول فيمن رحمهم الله: ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡ﴾ (سورة هود: 119). وقد نقل ابن كثير (ت 1373م) تفسير ابن عباس رضي الله عنهما من طريق تلميذه عكرمة: أن الله خلقهم للرحمة ولم يخلقهم للعذاب. وفسّر مجاهد وقتادة والضحاك الآية بمثل ذلك، وقال طاووس إن الله خلق الناس للائتلاف والرحمة. وحمل مفسرون آخرون اسم الإشارة على الاختلاف، أما قول ابن عباس فيعود به إلى ذكر الرحمة الذي يسبقه مباشرة.

وقد وصف النبي ﷺ لحظة الخلق بالمعنى نفسه:

«لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي»

صحيح البخاري 3194

وأخبر ﷺ أن الله جعل الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه (صحيح البخاري 6000). فقد خُلقنا في كنف تلك الرحمة، ولننال سائرها. وللمزيد انظر جواب هل يحب الله جميع الناس؟

ما معنى أن الإنسان خليفة الله في الأرض؟

قبل أن يُخلق آدم عليه السلام، قال الله للملائكة:

إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗ

سورة البقرة: 30

فسألت الملائكة: كيف يجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وهم يسبّحون بحمده؟ فأجابهم: ﴿إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾، ثم ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا﴾ (سورة البقرة: 30-31). فالإنسان هو المخلوق الذي يتعلم ويسمّي ويختار. ويسمّي القرآن ذلك الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملها الإنسان (سورة الأحزاب: 72).

والخلافة رعاية ما هو لله: الناس، والحيوان، والأنهار، والأرض. وتعاليم القرآن في هذه الرعاية مبسوطة في جواب ماذا يقول الإسلام عن البيئة وتغيّر المناخ؟

لماذا خلقنا الله وهو يعلم أننا سنذنب؟

سؤال الملائكة هو السؤال الذي ما زال كثير من الناس يسألونه. وقد أجاب النبي ﷺ بجواب يفاجئ كثيراً من القرّاء:

«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»

صحيح مسلم 2749

وما في الحديث إذن بالمعصية، وإنما يبيّن أن الله أراد مخلوقاً يسقط ثم يتوب إليه، لتظهر أسماؤه الغفور والتوّاب في حياة البشر. فالملائكة يسبّحون فلا يعثرون، والبشر يعثرون ثم يعودون، وعودتهم محبوبة عند الله. انظر جواب هل يغفر الله جميع الذنوب؟

هل «كنت كنزاً مخفياً» حديث صحيح؟

يُروى في هذا الباب قول مشهور نصّه: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف». وقد استشهد به أهل التصوف كثيراً، ومنهم ابن عربي (ت 1240م)، ومنح أجيالاً من الشعراء لغة يعبّرون بها عن الحب الإلهي.

ولم يجد علماء الحديث له إسناداً. فقد قال ابن تيمية إنه ليس من كلام النبي ﷺ ولا يُعرف له إسناد، ووافقه الزركشي وابن حجر العسقلاني. فيُذكر على أنه قول من أقوال الصوفية، ولا يُذكر على أنه حديث أبداً. ومعناه باقٍ في مصادر صحيحة: فتفسير مجاهد «ليعرفون» قريب منه، والقرآن نفسه يجعل في خلق السماوات والأرض ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (سورة آل عمران: 190).

كلمة في الختام

الغاية من الحياة تُعاش في الأيام العادية: في صلاة بحضور قلب، ودَين يُعفى عنه، وطفل يُواسى، وشجرة تُسقى. وكل ذلك طريق إلى معرفة الله، وجواب عن الرحمة التي خلقتنا. وأولو الألباب، كما يخبر القرآن، ينظرون في السماوات والأرض فيقولون:

رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ

سورة آل عمران: 191

رزقنا الله معرفته، وجعلنا نجد في هذه المعرفة الغاية التي خُلقنا لها. ومن أراد أن يبدأ بأصول معرفته سبحانه فليقرأ جواب من هو الله؟

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحتاج الله إلى عبادتنا؟

لا. فالقرآن يسمّي الله الغني، ويخبر الناس أنهم هم الفقراء إليه (سورة فاطر: 15). وفي الحديث القدسي أن تقوى الإنس والجن جميعاً لا تزيد في ملكه شيئاً (صحيح مسلم 2577).

هل «كنت كنزاً مخفياً» حديث؟

لا يُعرف له إسناد، وقد قال علماء الحديث كابن تيمية والزركشي وابن حجر إنه لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ. ومعناه، أن الله خلقنا لنعرفه، يوافق تفسير مجاهد المبكر لآية الذاريات (56).

لماذا خلقنا الله وهو يعلم أننا سنذنب؟

أخبر النبي ﷺ أن الناس لو لم يذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم (صحيح مسلم 2749). فقد خلق الله مخلوقاً يختار ويعثر ويعود، لتُعرف مغفرته.

لماذا خلق الله الجن؟

تذكر الآية نفسها الجن والإنس معاً، فكلاهما خُلق ليعرف الله ويعبده (سورة الذاريات: 56). والجن خلق مستقل له إرادة حرة، وتفصيل أمرهم في جواب «ما هم الجن؟».

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم» (عند سورة هود: 119 وسورة الذاريات: 56)
  2. البغوي، «معالم التنزيل» (عند سورة الذاريات: 56، قول مجاهد)
  3. صحيح مسلم 2577 (الحديث القدسي «يا عبادي»)
  4. صحيح مسلم 2749 (قوم يذنبون فيستغفرون)
  5. صحيح البخاري 3194 (إن رحمتي غلبت غضبي)
  6. ابن تيمية، «مجموع الفتاوى» (فيما يرويه القصّاص)

الصورة: Unknown tile makers, Mihrab from the Madrasa Imami, Isfahan, 1354–1355. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور