هل كان للنبي محمد قطة؟

سؤال رقم 1092

السؤال

هل كانت للنبي محمد ﷺ قطة اسمها معزّة، وماذا يعلّم الإسلام عن القطط؟

ملخص الجواب

لا يذكر حديث ولا كتاب من كتب السيرة الأولى قطةً للنبي ﷺ اسمها معزّة، وقصة الكمّ المقطوع تُروى عن صوفي من القرن الثاني عشر الميلادي. ومع ذلك فالسنة الصحيحة حافلة بالقطط: فقد حكم النبي ﷺ بطهارتها، وتوضأ بماء شربت منه هرة، ونادى صاحبه أبا هريرة «أبا هِرّ»، وحذّر من عذاب امرأة أجاعت هرة. فاقتناء القطط والعناية بها حلال محبوب.

الجواب

الحمد لله

A carved wooden pavilion with a green-tiled roof and stucco arches stands at the end of a long, still water channel in a white arcaded courtyard.

هل كانت للنبي محمد ﷺ قطة؟ تقول قصة جميلة إنه كانت له قطة اسمها «معزّة»، نامت ذات يوم على كمّ ثوبه، فلما نودي للصلاة قطع الكمّ ولم يوقظها. وهذه القصة تُحكى في كتب الأطفال، ويتناقلها الناس كل يوم على الإنترنت، ولا يشهد لها مصدر صحيح. غير أن السنة الصحيحة تقدّم ما هو خير منها: أخباراً ثابتة عن القطط في بيت النبي ﷺ ومسجده، وحكمه بطهارتها، وتحذيره من أن القسوة على هرة قد تسوق صاحبها إلى النار.

من أين جاءت قصة «معزّة»؟

بحث العلماء في دواوين الحديث، وفي كتب السيرة الأولى، وفي الكتب المصنفة في شمائل النبي ﷺ، فلم يجدوا قطة اسمها معزّة، ولا خبراً عن كمّ مقطوع. وأقرب ما في الأخبار القديمة إلى هذه القصة يتعلق برجل آخر. فقد أورد الإمام الذهبي رحمه الله (ت 748هـ/1348م) في كتابه في التراجم «سير أعلام النبلاء» قصةً في الرفق بقطة، عن أحمد الرفاعي (ت 578هـ/1182م)، شيخ الصوفية في جنوب العراق. ويبدو أن حكاية الولي انتقلت على مرّ القرون حتى نُسبت إلى النبي ﷺ نفسه.

ومثلها قولٌ آخر شائع على الألسنة: «حب الهرة من الإيمان». فقد عدّه نقّاد الحديث، كالصغاني (ت 650هـ/1252م) والملا علي القاري (ت 1014هـ/1606م)، في الأحاديث الموضوعة.

وبيان ذلك من محبة النبي ﷺ، فقد حذّر أشد التحذير من أن يُنسب إليه ما لم يقله: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (صحيح البخاري 110). وطريقة علماء المسلمين في تمييز الصحيح من الضعيف مبسوطة في جواب هل كل الأحاديث صحيحة؟

ماذا تقول الأحاديث الصحيحة عن القطط؟

روت كبشة بنت كعب بن مالك أن حماها الصحابي أبا قتادة جلس يتوضأ، فجاءت هرة إلى الماء، فأمال لها الإناء حتى شربت. فلما رآها تعجب من ذلك، أخبرها أن رسول الله ﷺ قال في الهرة:

«إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ»

سنن أبي داود 75

وقد حكم الألباني على هذا الحديث بأنه حسن صحيح. فالنبي ﷺ وصف القطط بأنها من أهل البيت الذين يدخلون ويخرجون، كما يطوف الخدم والصغار على أهل الدار، واستنبط من مكانها في الحياة اليومية حكم طهارتها.

وأكّدت عائشة رضي الله عنها ذلك بفعلها. فقد وُضع قريباً منها طعام وهي تصلي، فجاءت هرة فأكلت منه، فلما فرغت من صلاتها أكلت من الموضع نفسه الذي أكلت منه الهرة، وقالت إنها رأت النبي ﷺ يتوضأ بماء شربت منه هرة (سنن أبي داود 76، وصححه الألباني).

لماذا كُنّي الصحابي بأبي هريرة؟

الصحابي الذي روى من الحديث أكثر مما رواه أحد تقريباً كانت القطة في كنيته. فقد سُئل: لِمَ كُنّيت أبا هريرة؟ فأخبر أنه كان فتى يرعى غنم أهله، وكانت له هرة صغيرة، يضعها في شجرة بالليل، ويلعب بها في النهار، فكنّاه الناس بها (جامع الترمذي 3840، وهو حديث حسن). والهُريرة تصغير الهرة، فمعنى كنيته «أبو القطة الصغيرة».

وكان النبي ﷺ يناديه بها في مودة، فيقول له: يا أبا هِرّ. وقد لقيه النبي ﷺ مرة وهو جنب، فانسلّ أبو هريرة رضي الله عنه واغتسل، لأنه رأى نفسه غير أهل لمجالسة النبي ﷺ وهو على تلك الحال. فلما رجع قال له ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ» (صحيح البخاري 285).

ما جزاء من يسيء إلى القطة؟

أخبر النبي ﷺ عن امرأة رجحت بعملها كله قسوةٌ واحدة:

«دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ»

صحيح البخاري 3318

وصورته المقابلة خبر الرجل الذي غفر الله له لأنه سقى كلباً عطشان (هل يجوز للمسلم تربية الكلب؟). ويعلّم الحديثان معاً أن للحيوان الذي في رعايتك حقاً عليك عند الله. وقد أخبر القرآن أن كل دابة تدبّ على الأرض، وكل طائر يطير بجناحيه، أممٌ أمثالنا:

وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُم

سورة الأنعام: 38

هل يجوز للمسلم أن يربي القطط؟

نعم، وقد ربّاها المسلمون فرحين بها منذ أربعة عشر قرناً. فالقطط تنام في صحون المساجد الكبرى في إسطنبول والقاهرة. ووقف السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (ت 676هـ/1277م) بستاناً في القاهرة لإطعام قطط المدينة وإيوائها. وإطعام القطط الشاردة صدقة، ومن أدخل قطة بيته فقد جعل خلقاً من خلق الله في حمايته.

والإحسان إلى القطة أن توفّر لها الطعام والماء النظيف والمأوى والعلاج البيطري، وأن تعقّمها حيث يمنع ذلك عنها المعاناة (هل يجوز للمسلم تعقيم حيوانه الأليف أو إنهاء حياته رحمةً به؟بالإنجليزية). ولا يضر صلاتك أن تشاركك القطة غرفة الصلاة أو تمشي على سجادتك. وفي جواب ماذا يقول الإسلام عن الحيوانات؟بالإنجليزية مزيد بيان لنظرة القرآن إلى الحيوان.

رحمة للعالمين

يحب الناس قصة معزّة لأنها توافق ما يعرفه المسلمون من خُلق النبي ﷺ، وإن لم تقع. وقد وصفه الله تعالى في آية واحدة:

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ

سورة الأنبياء: 107

والرحمة للعالمين تسع العوالم الصغيرة لهذه المخلوقات التي تطوف بيننا. فإذا تكوّرت قطة إلى جانبك، فصبّ لها شيئاً من الماء، وتذكّر قول النبي ﷺ فيها: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ». ففي هذا الإحسان الصغير اتباعٌ لسنته.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم اقتناء القطة في الإسلام؟

لا. فاقتناء القطط حلال في كل مذاهب الفقه الإسلامي، وقد حكم النبي ﷺ بطهارتها، وما زال المسلمون يربّونها في بيوتهم وأسواقهم ومساجدهم منذ أربعة عشر قرناً.

هل تنجس القطة ثيابي أو طعامي إذا لمسته؟

لا. فقد أخبر النبي ﷺ أن الهرة ليست بنجس، وأكلت عائشة من الموضع نفسه الذي أكلت منه الهرة. ويجوز الوضوء بالماء الذي شربت منه.

هل «حب الهرة من الإيمان» حديث صحيح؟

لا. فقد حكم علماء الحديث، كالصغاني والملا علي القاري، بأن هذا القول موضوع. أما الأحاديث الصحيحة في القطط فتعلّم طهارتها ووجوب الرفق بها.

هل كانت للنبي ﷺ حيوانات؟

نعم. فصحيح البخاري يذكر ناقته القصواء التي حملته إلى الحديبية، وكان عليها يوم فتح مكة. أما أخبار القطة التي كانت في بيته فلا أصل صحيح لها.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. سنن أبي داود 75 و76 (الهرة ليست بنجس)
  2. جامع الترمذي 3840 (سبب تكنية أبي هريرة)
  3. صحيح البخاري 3318 (المرأة والهرة)
  4. الذهبي، «سير أعلام النبلاء»، ترجمة أحمد الرفاعي
  5. SeekersGuidance، Did the Prophet have a cat called Muezza?

الصورة: Reda.bnhd, Courtyard of the Qarawiyyin Mosque, Fez, 2019. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور