هل يجوز للمسلم تربية الكلب؟

سؤال رقم 1091

السؤال

هل يجوز للمسلم أن يقتني كلباً يأنس به ويصحبه، وأن يبقيه معه داخل البيت؟

ملخص الجواب

تربية الكلب حلال. فقد ذكر القرآن بالإكرام الكلبَ الذي حرس فتية الكهف، وأباح الصيد بالكلاب المعلَّمة، وأخبر النبي ﷺ أن الله غفر لعصاةٍ لأنهم سقوا كلباً عطشان. ويرى الإمام مالك ومذهبه أن الكلب الحي طاهر، وصرّح مفتي الديار المصرية سنة 2020 بجواز اقتناء الكلاب في البيوت. والواجب على من اقتنى كلباً أن يطعمه ويؤويه ويحسن إليه.

الجواب

الحمد لله

Dozens of colored-glass Ramadan lanterns hang in a market stall at night beside red and blue appliqué tent cloth and a string of pink lights.

يسمع كثير من المسلمين منذ الصغر أن الكلاب قذرة، وأن الملائكة تنفر منها، وأن بيت المسلم الصالح لا يدخله كلب. ومنهم من له كلب يحبه، أو ولد يتوق إلى كلب، فيسأل نفسه: هل أنا على خطأ؟ والقرآن والسنة يرسمان صورة أرحب وأدفأ. فللمسلم أن يربي كلباً، واقتناؤه حلال، وصحبته نعمة، وما يبذله المرء في رعايته يؤجر عليه عند الله.

ماذا يقول القرآن عن الكلاب؟

ذكر القرآن الكلب في قصة من أحب قصصه إلى قلوب المسلمين. فالفتية المؤمنون الذين فرّوا بدينهم من الاضطهاد وناموا في الكهف قروناً كان معهم كلبهم، يحرس باب الكهف:

وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِ

سورة الكهف: 18

ولما اختلف الناس بعد ذلك في عدد الفتية، عدّ القرآن الكلب معهم في كل مرة: ﴿وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ﴾ (سورة الكهف: 22). فالكلب جزء من قصة أولياء الله.

وأباح القرآن كذلك الصيد بالكلاب المعلَّمة، والأكل مما تمسكه على أصحابها:

قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ

سورة المائدة: 4

وقد لاحظ فقهاء المالكية أن الآية لم تأمر أحداً بغسل الصيد الذي حمله الكلب بفمه. وسمّى الله تدريب الكلب تعليماً مستمداً مما علّمه سبحانه عباده.

ماذا علّم النبي ﷺ في شأن الكلاب؟

حدّث النبي ﷺ أصحابه عن رجل مسافر اشتد به العطش، فنزل بئراً فشرب، فلما خرج رأى كلباً يلهث ويلعق الثرى من العطش. فنزل البئر مرة أخرى، وملأ خفّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى صعد، فسقى الكلب، فشكر الله له وغفر له. فسأله الصحابة: أوَ لنا في البهائم أجر؟ فقال:

«فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» … «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»

صحيح البخاري 2363

وفي حديث آخر أخبر ﷺ عن بغيّ من بني إسرائيل رأت كلباً يكاد يموت عطشاً عند بئر، فنزعت له الماء بخفّها وسقته، فغُفر لها بذلك (صحيح البخاري 3467). فكان كلبٌ سببَ نجاتها.

وكانت الكلاب جزءاً من الحياة اليومية في المدينة. فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن الكلاب كانت تُقبل وتُدبر في المسجد في زمن النبي ﷺ، ولم يكن الصحابة يغسلون أرضه بعدها (صحيح البخاري 174).

هل الكلب نجس في الإسلام؟

اختلفت المذاهب الفقهية في هذه المسألة، والقول الأوسع فيها أعرقها أصلاً. فقد ذهب الإمام مالك (ت 179هـ/795م)، إمام دار الهجرة، إلى أن كل حيوان حي طاهر، والكلب منه. ويعدّ مذهبه غسلَ الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، وهو ما أمر به النبي ﷺ (صحيح البخاري 172)، أمراً تعبدياً، ولا يراه علامة على قذارة الكلب. وكما يبيّن خالد أبو الفضل (Khaled Abou El Fadl) في دراسته عن الكلاب في التراث الإسلامي، جعل فقهاء المالكية الأصل في كل ما في الطبيعة الطهارة حتى يثبت خلافها، ورأوا الروايات الواردة في ذم الكلاب أضعف من أن تنقض هذا الأصل.

وعند الحنفية أن بدن الكلب طاهر في ذاته، ولعابه نجس. أما الشافعية والحنابلة، والجعفرية من الشيعة، فيرون الكلب نجساً، ويطلبون الغسل حيث يصيب لعابه. وفي سنة 2020 صرّح مفتي الديار المصرية شوقي علام بأن الكلاب طاهرة، وأنه يجوز اقتناؤها في البيوت دون أن يؤثر ذلك في الصلاة.

وماذا عن حديث الملائكة وحديث نقصان الأجر؟

يُستشهد في الغالب بحديثين على المنع من اقتناء الكلاب. أولهما أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة (صحيح البخاري 3225). والثاني أن من أمسك كلباً نقص من أجره كل يوم قيراط، «إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» (صحيح البخاري 2322)، وزادت روايات أخرى: «أَوْ صَيْدٍ».

والحديث الثاني نفسه يدل على أن اقتناء الكلاب لم يُمنع منعاً مطلقاً قط، فقد استثنى النبي ﷺ بنفسه الكلاب التي تؤدي منفعة. ثم قاس الفقهاء على ما استثناه كلابَ حراسة البيوت، ويقيس العلماء اليوم عليها كلابَ إرشاد المكفوفين، وكلاب الإنقاذ والشرطة، والكلاب التي يُستعان بها في العلاج. والأنس الذي يجده المسن الوحيد أو الطفل المفجوع في صحبة كلب منفعة حقيقية كذلك. ويقرأ كثير من العلماء حديث الملائكة في ضوء هذه الرخص، على نحو ما قرؤوا ذكر الصور فيه (هل يحرم تعليق الصور في البيت؟).

وقد حفظت الثقافة الإسلامية للكلاب مودة قديمة. ففي بغداد في القرن العاشر الميلادي ألّف ابن المرزبان (ت 921م) كتابه «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، يمدح فيه وفاءها ويقدّمه على وفاء الأصدقاء الغادرين.

كيف يرعى المسلم كلبه؟

الكلب في البيت أمانة، وحقوقه واضحة:

  • أطعمه واسقه وآوه. فقد حذّر النبي ﷺ بخبر امرأة عُذّبت في هرة أجاعتها (هل كان للنبي ﷺ قطة؟).
  • حافظ على صحته. فالرعاية البيطرية والحركة والمكان النظيف من حسن معاملته (هل يجوز للمسلم تعقيم حيوانه الأليف أو إنهاء حياته رحمةً به؟بالإنجليزية).
  • خصّص مكاناً طاهراً للصلاة. فسجادة للصلاة أو غرفة لا يدخلها الكلب تيسّر الأمر على كل المذاهب. ولمس الكلب لا ينقض الوضوء (ما نواقض الوضوء؟).
  • راعِ الضيوف والجيران. فبعض المسلمين يقلقون من الكلاب بسبب ما نشؤوا عليه، والإحسان إلى الناس قرين الإحسان إلى الحيوان.

وقد جعل الله كل دابة في الأرض أمة مثلنا: ﴿أُمَمٌ أَمۡثَالُكُم﴾ (سورة الأنعام: 38)، والكلب الذي ينتظرك عند بابك كل مساء خلق من خلقه يسبّحه على طريقته (ماذا يقول الإسلام عن الحيوانات؟بالإنجليزية). جزاك الله على كل إناء ماء تضعه له، كما جزى المسافر الذي سقى الكلب عند البئر.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم أن يلحسني الكلب؟

لا. فالمالكية يرون لعاب الكلب طاهراً فلا يلزم غسل شيء، والشافعية والحنابلة يطلبون غسل الموضع قبل الصلاة. وفي كل المذاهب لا ينتقل شيء بلمس كلب جاف بيد جافة أو ثوب جاف.

هل لمس الكلب ينقض الوضوء؟

لم يعدّ أي مذهب لمس الكلب من نواقض الوضوء. وإن أصاب لعابه جلدك وأنت على مذهب يرى نجاسته فاغسل الموضع، ووضوؤك باقٍ.

هل تجوز الصلاة في بيت فيه كلب؟

نعم. صلِّ على سجادة طاهرة أو في غرفة طاهرة كما تصلي في أي مكان. فقد كانت الكلاب تغدو وتروح في مسجد النبي ﷺ بالمدينة، والصلاة فيه قائمة.

ما رأي الشيعة في الكلب؟

يرى فقهاء الجعفرية (الشيعة الإمامية) أن الكلب نجس، فمن اقتنى منهم كلباً غسل ما أصابه بدنه الرطب أو لعابه قبل الصلاة. ويجيزون اقتناءه للحراسة ورعي الماشية والصيد.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 2363 (الرجل الذي سقى كلباً عطشان)
  2. صحيح البخاري 3467 (المرأة التي غُفر لها لأنها سقت كلباً)
  3. صحيح البخاري 174 (الكلاب في مسجد النبي ﷺ)
  4. خالد أبو الفضل، "Dogs in the Islamic Tradition and Nature"، Encyclopedia of Religion and Nature (Continuum، 2004)
  5. ابن المرزبان، «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، القرن العاشر الميلادي
  6. مفتي الديار المصرية في طهارة الكلاب (أغسطس 2020)

الصورة: Alaazzpov, Ramadan lanterns for sale in the Sayyida Zaynab district, Cairo, 2026. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور