هل تتوافق نظرية التطور مع الإسلام؟
سؤال رقم 1042
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يؤمن بنظرية التطور؟ وكيف تتفق هذه النظرية مع قصة آدم في القرآن؟
ملخص الجواب
نظرية التطور تتوافق مع الإسلام. فالقرآن يقول إن الله خلق الناس «أطواراً» (سورة نوح: 14)، وجعل من الماء كل شيء حي (سورة الأنبياء: 30)، ويأمر المؤمنين أن يسيروا في الأرض فينظروا كيف بدأ الخلق (سورة العنكبوت: 20). ووصف الجاحظ وابن مسكويه وابن خلدون سُلّماً للكائنات الحية يرتقي إلى الإنسان، ويقبل العلماء المسلمون المعاصرون في العلوم الطبيعية نظرية التطور. أما آدم فقد اختلف فيه العلماء، وفي المسألة قراءات عدة تتفق مع القرآن والعلم معاً.
﴿وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا﴾
الجواب
الحمد لله

هل تتوافق نظرية التطور مع الإسلام؟ القول الصحيح أنها تتوافق. فالقرآن يعلّم أن الله خالق كل كائن حي، ولا يكاد يتحدث عن الكيفية. وما يقوله منها يشير إلى تكشّف طويل متدرج: فالله يقول: ﴿وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا﴾ (سورة نوح: 14)، ويقول: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّ﴾ (سورة الأنبياء: 30)، وأنبت الناس من الأرض نباتاً (سورة نوح: 17). فللمسلم أن يقبل التفسير العلمي للتطور وصفاً لكيفية إيجاد الله للحياة. أما خلق آدم فقد اختلف فيه العلماء، وأهم أقوالهم مبسوطة فيما يلي.
ماذا يقول القرآن عن بداية الحياة؟
يبعث القرآن المؤمن إلى النظر:
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَ
وهذه الآية تدعو إلى الدراسة نفسها التي يقوم بها علما الجيولوجيا والأحياء. ويقول القرآن: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ (سورة النور: 45). ويذكر زمناً لم يكن فيه الإنسان شيئاً مذكوراً (سورة الإنسان: 1)، ويذكر أن حياة الإنسان مستمدة من الأرض:
وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا
ولا تعدّد آية من هذه الآيات الخطوات بين الماء والطين والإنسان الحي المفكر. فالقرآن يترك ذلك للنظر، والنظر عبادة إذا أفضى إلى التعجب من صنع الخالق.
هل كتب العلماء المسلمون عن التطور قبل داروين؟
وصف عدد منهم سُلّماً للكائنات الحية. فقد كتب الأديب البصري الجاحظ (ت 255هـ/868م) في «كتاب الحيوان» أن الحيوانات تتنازع على البقاء وعلى الموارد، ووصف كيف يقتات بعض الكائنات على بعض وكيف تتكيف مع بيئاتها. ووصف الفيلسوف ابن مسكويه (ت 421هـ/1030م) في «الفوز الأصغر» سلسلة ترتقي من المعادن إلى النبات إلى الحيوان حتى تبلغ الإنسان.
ووصف ابن خلدون (ت 808هـ/1406م) في الفصل الأول من «المقدمة» عالم الخلق مرتقياً «على هيئة بديعة من التدريج» من المعادن إلى النبات إلى الحيوان، وكتب أن رتبة الإنسان يُرتقى إليها من «عالم القردة»، وهي كائنات اجتمع فيها الحس والإدراك ولم تبلغ الروية والفكر. ويحذّر شعيب أحمد ملك (Shoaib Ahmed Malik)، وهو محق في تحذيره، من أن هؤلاء المفكرين عملوا في إطار «سلسلة الوجود العظمى» التي كانت الأنواع فيها ثابتة، وأن سلالمهم تختلف عن نظرية داروين. وما تدل عليه أن العلماء المسلمين الكلاسيكيين لم يروا في قرابة الإنسان بالحيوان شيئاً يجرح الإيمان.
وفي القرن التاسع عشر كتب العالم اللبناني حسين الجسر (ت 1909م) في «الرسالة الحميدية» واحداً من أوائل البحوث الإسلامية المطوّلة في نظرية داروين. وانتهى فيه إلى أن القرآن لا يقدّم دليلاً على أن الأنواع خُلقت دفعة واحدة أو على التدريج.
هل يعني التطور أنه لا خالق؟
يصف القرآن الله يخلق عبر سنن وأطوار. فسورة السجدة تقول إنه ﴿وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ﴾ (سورة السجدة: 7)، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه (سورة السجدة: 7-9). وقد علّم متكلمو المسلمين، كالغزالي (ت 505هـ/1111م)، أن كل سبب في الطبيعة لا يعمل إلا بمشيئة الله وخلقه. فالمطر والنمو والولادة والوراثة كلها من صنعه، تجري وفق النواميس التي وضعها، والتي يسمّيها القرآن سننه.
والتطور يصف كيف تتغير الكائنات الحية عبر الزمن. ولا يستطيع أن يقول لماذا يوجد كون أصلاً، ولماذا هو منتظم، ولماذا يتوق الإنسان إلى المعنى. والقرآن يجيب عن هذه الأسئلة، كما في جوابَي لماذا خلقنا الله؟ ومن هو الله؟ وللمؤمن أن يجمع بين التفسير العلمي والتفسير القرآني، فكل منهما يجيب عن سؤاله.
ماذا عن آدم وحواء؟
للعلماء المسلمين هنا أقوال عدة. وقد رسم خريطتها شعيب أحمد ملك في كتابه Islam and Evolution: al-Ghazālī and the Modern Evolutionary Paradigm (2021):
- الخلق بلا تطور. خُلقت الأنواع كلها، ومنها الإنسان، على هيئتها الحاضرة. ويستشهد أصحاب هذا القول بالآية التي تشبّه عيسى بآدم: ﴿خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (سورة آل عمران: 59).
- استثناء الإنسان. يفسّر التطور حياة النبات والحيوان، وقد خلق الله آدم وحواء خلقاً مباشراً من غير أبوين.
- استثناء آدم. وهو قول طوّره ديفيد سليمان جلاجل (David Solomon Jalajel): خُلق آدم وحواء خلقاً مباشراً، وربما كان على الأرض بشر آخرون قبلهما.
- لا استثناء. يشترك البشر في الأصل المشترك لكل الحياة، وقصة آدم تعلّم معنى أن تكون إنساناً: الكرامة والعلم والإغواء والتوبة ومغفرة الله.
وتستند القراءة الأخيرة إلى لفظ القرآن نفسه: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ﴾ (سورة الأعراف: 11). فالآية تتحدث عن خلق البشر جميعاً وتصويرهم قبل مشهد الملائكة. وفي الاتجاه نفسه يشير حديث صحيح:
«إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ»
سنن أبي داود 4693، وصححه الألباني
ثم يمضي الحديث فيذكر ألوانهم وطباعهم المتعددة. فآدم يحمل فيه البشرية كلها، الأحمر والأبيض والأسود، ولذلك كانت قصة آدم في القرآن درساً في مقاومة العنصرية أيضاً (ماذا يقول الإسلام عن العنصرية؟). وكل قول من هذه الأقوال يأخذ به مؤمنون صادقون، ولا يُخرج أيٌّ منها المسلمَ من الإيمان. وكيفية قراءة هذه النصوص مبحوثة في كيف ينبغي أن يُفسَّر القرآن؟
ماذا يقول العلماء المسلمون اليوم؟
يقبل كثير من العلماء المسلمين في العلوم الطبيعية نظرية التطور على أنها أفضل تفسير لتاريخ الحياة. فعالم الفيزياء الفلكية الجزائري نضال قسوم (Nidhal Guessoum) يرى في كتابه Islam’s Quantum Question أن للمسلمين أن يتبنوا العلم الحديث، والتطور منه، مع ثبات إيمانهم بالله الخالق. وكليات الطب في أنحاء العالم الإسلامي تدرّس علم الأحياء الذي يقوم عليه الطب الحديث، وفي سنة 2006 وقّعت الهيئات العلمية الوطنية في أربعة عشر بلداً من البلاد ذات الأغلبية المسلمة بيان الفريق المشترك بين الأكاديميات الداعم لتدريس التطور.
ودراسة التطور وتدريسه حلال. ومن المسلمين من يرفض النظرية، وهؤلاء يُقابَلون بالصبر والدليل الحسن، كما ينبغي أن يُقابَل كل خلاف بين المؤمنين.
كلمة في الختام
وصف الشاعر جلال الدين الرومي ارتقاء الروح الطويل في مقطع مشهور من «المثنوي»: «متُّ جماداً فصرت نباتاً، ومتُّ نباتاً فارتقيت حيواناً، ومتُّ حيواناً فصرت إنساناً. فمِمَّ أخاف؟ ومتى أنقصني الموت شيئاً؟» وكان يكتب عن رجوع الروح إلى الله، ولا تزال كلماته تخاطب كل من ينظر إلى قصة الحياة الطويلة بعين الإيمان. والقرآن يسأل:
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا
من لا شيء يُذكر إلى مخلوق يصلّي: تلك هي النعمة. رزقنا الله عقولاً تدرس خلقه، وقلوباً تشكره عليه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم الإيمان بنظرية التطور؟
لا. فليس في القرآن آية ولا في السنة حديث صحيح يصف الكيفية التي أوجد الله بها أنواع الكائنات الحية. فللمسلم أن يقبل التطور على أنه الطريقة التي خلق الله بها الحياة، مع إيمانه بأن الله خالق كل شيء.
ماذا يقول الإسلام عن الديناصورات؟
لم يذكرها القرآن، ولا حاجة به إلى ذكرها. فهو يأمر المؤمنين أن ﴿سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَ﴾ (سورة العنكبوت: 20)، وأحافير الكائنات التي عاشت قبلنا بزمن طويل جزء مما تدعونا هذه الآية إلى دراسته.
هل أصل الإنسان قرد في الإسلام؟
تقرر نظرية التطور أن للبشر والقردة العليا أسلافاً مشتركة، ولا تقول إن البشر انحدروا من القردة الموجودة اليوم. وقد جعل ابن خلدون نفسه رتبة الإنسان بعد «عالم القردة» مباشرة في سُلّم الخلق. واختلف العلماء في موضع آدم من هذه الصورة.
هل تدرّس البلاد الإسلامية نظرية التطور؟
كثير منها يدرّسها. فقد وقّعت الهيئات العلمية الوطنية في أربعة عشر بلداً من البلاد ذات الأغلبية المسلمة بيان الفريق المشترك بين الأكاديميات (InterAcademy Panel) سنة 2006 الداعم لتدريس التطور، وإن كانت بعض الحكومات قد قيّدت تدريسه في المدارس.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- الجاحظ، «كتاب الحيوان»
- ابن خلدون، «المقدمة» (الفصل الأول، في تدريج الخلق)
- ابن مسكويه، «الفوز الأصغر»
- حسين الجسر، «الرسالة الحميدية»
- نضال قسوم، Islam's Quantum Question: Reconciling Muslim Tradition and Modern Science (I.B. Tauris)
- شعيب أحمد ملك، Islam and Evolution: al-Ghazālī and the Modern Evolutionary Paradigm (Routledge، 2021)
- سنن أبي داود 4693 (خلق آدم من قبضة من جميع الأرض)
الصورة: Unknown tile makers, Mihrab from the Madrasa Imami, Isfahan, 1354–1355. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور