هل يجوز تبني طفل في الإسلام؟

سؤال رقم 1077

السؤال

هل يجوز في الإسلام تبني طفل أو احتضانه، وما الأحكام المتعلقة باسمه وميراثه ومكانه في الأسرة؟

ملخص الجواب

للمسلمين أن يضمّوا الأطفال المحتاجين إلى بيوتهم، وهم مندوبون إلى ذلك. فقد أخبر النبي ﷺ، وقد نشأ يتيماً، أن كافل اليتيم معه في الجنة. ولا يطلب القرآن إلا حفظ نسب الطفل الأصلي (سورة الأحزاب: 5). وللأسرة أن تربي الطفل كأنه منها، وأن تهبه وتوصي له بما لا يزيد على ثلث التركة، وأن تتبناه أو تحتضنه عن طريق المحاكم والجهات المختصة اليوم.

﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ﴾

سورة الضحى: 6

الجواب

الحمد لله

A white reception room with carved stucco vaults and wooden doors set with small panes of red, blue, and green glass.

يجوز للمسلمين أن يتبنّوا الأطفال ويكفلوهم. وقليلة هي الأعمال التي أثنى عليها الإسلام كما أثنى على إيواء طفل فقد بيته. وقد نشأ النبي ﷺ نفسه يتيماً: مات أبوه قبل أن يولد، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، فكفله جده ثم عمه. ويذكّره القرآن بذلك في رقة: ﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ﴾ (سورة الضحى: 6). فالأسرة التي تؤوي طفلاً تصنع له ما صنعه الله بنبيه.

ولا يطلب التراث من الأسرة الكافلة إلا أمراً واحداً: أن يُحفظ أصل الطفل ونسبه فلا يُمحى. وفي ما وراء ذلك، للمسلمين أن يربّوا الطفل كأنه ولدهم تماماً، محبةً ورعايةً وانتماءً.

ماذا يقول الإسلام في كفالة اليتيم؟

وعد النبي ﷺ من يكفل اليتيم بمكان إلى جواره:

«أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»

صحيح البخاري 5304

وقال ذلك وهو يشير بإصبعيه السبابة والوسطى، وقد فرّج بينهما قليلاً. ومن كلمة «كافل» التي استعملها أخذت المؤسسة الإسلامية اسمها: الكفالة، أي رعاية الطفل والقيام بشأنه كله. وقد ذكر القرآن اليتامى أكثر من عشرين مرة، من قوله: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ﴾ (سورة الضحى: 9)، إلى ثنائه على الذين ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ (سورة الإنسان: 8) حباً لله.

هل التبني حرام في الإسلام؟

لا. فالذي غيّره القرآن صفة واحدة من صفات التبني في الجاهلية: أن يُجعل الولد المتبنى ابناً من الصلب لأب جديد، وتُمحى أسرته التي وُلد فيها. يقول القرآن:

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ

سورة الأحزاب: 5

ثم تمضي الآية: ﴿فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡ﴾ (سورة الأحزاب: 5). فالطفل مجهول الأبوين فرد كامل من أسرة المؤمنين.

وقد نزلت الآية في زيد بن حارثة رضي الله عنه، الذي ربّاه النبي ﷺ ابناً له. وقد روى عبد الله بن عمر أنهم كانوا لا يدعونه إلا «زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ» (صحيح البخاري 4782). ولم تتغير منزلة زيد في قلب النبي ﷺ، فبقي من أحب الناس إليه، وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن (سورة الأحزاب: 37).

فالآية تحمي الطفل. فلكل إنسان حق في أن يعرف من أين جاء، وهو مبدأ انتهت إليه ممارسة التبني الحديثة أيضاً، إذ ينصح المرشدون في شؤون التبني اليوم الوالدين بأن يخبروا الطفل بقصته مبكراً وبمحبة.

هل يجوز أن يحمل الطفل المتبنى اسم الأسرة؟

غاية ما يحرص عليه القرآن ألّا يُقدَّم الطفل على أنه ولد من الصلب لغير أبيه. وفي ما وراء ذلك سعة للأسر. فقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن للكافل، رجلاً كان أو امرأة، أن يضيف لقب عائلته إلى آخر اسم الطفل المكفول، فيحمل الطفل صلة ظاهرة بالأسرة، ما دام الاسم لا يدّعي نسب ولادة غير موجود. والأسر المسلمة في بريطانيا وأمريكا الشمالية وغيرهما تتبنى الأطفال وتحتضنهم عن طريق المحاكم والجهات المختصة المعتادة، ومقصد القرآن متحقق ما دام الطفل يحتفظ بشهادة ميلاده ويعرف قصته.

وتمنع بعض البلاد الإسلامية التبني القانوني ولا تُجيز إلا الكفالة. أما تونس فقد أجازت التبني الكامل منذ سنة 1958. وتعترف اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل في مادتها العشرين بالكفالة صورةً من صور الرعاية إلى جانب التبني.

هل يرث الطفل المتبنى؟

سهام الميراث المفروضة في سورة النساء للأقارب بالدم وللأزواج، فلا يأخذ الطفل المتبنى سهماً منها تلقائياً. غير أن الشريعة تعطي الوالدين وسيلتين أخريين:

  • الوصية، بما لا يزيد على ثلث التركة، لكل من ليس وارثاً. وقد حدّ النبي ﷺ هذا الحد لسعد بن أبي وقاص فقال: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (صحيح البخاري 2742).
  • الهبة في الحياة، ولا حد لها. فللوالدين أن يضمنا لولدهما المتبنى بيتاً، أو مدخرات، أو حصة في تجارة الأسرة، وهما على قيد الحياة.

والوالدان اللذان يريدان أن يتساوى ولدهما المتبنى مع سائر أولادهما يستطيعان ترتيب ذلك بهاتين الوسيلتين مع وصية واضحة.

ماذا عن أحكام المحرمية في الأسرة المتبنية؟

إذا أرضعت الأم المتبنية الطفل قبل تمام الحولين صار ابنها من الرضاعة وابن زوجها، وثبتت له المحرمية نفسها التي تثبت للولد من الصلب. وإرضاع أخت أحد الوالدين له يُنشئ كذلك رابطة رضاع بالأسرة. ولهذا تلجأ بعض الأمهات المتبنيات اليوم إلى إدرار الحليب بمساعدة طبية. وحيث لا يتيسر ذلك، تعيش الأسرة معاً باليسر والحشمة المعتادة التي يقتضيها البيت الواحد، كما عاشت دائماً الأسر التي فيها أبناء الزوج أو الزوجة والأصهار.

من يجوز له التبني؟

رعاية الطفل المحتاج قربة مفتوحة لكل مؤمن. فالرجال والنساء غير المتزوجين، والأزواج الذين لا يُنجبون (هل أطفال الأنابيب حرام؟)، والأزواج الذين لهم أولاد، ومن اختاروا ألّا يتزوجوا (هل يحرم ترك الزواج والإنجاب؟)، كلهم يستطيعون أن يمنحوا طفلاً بيتاً. وللزوجين من الجنس نفسه إذا تزوجا (هل يجوز زواج مسلمين من الجنس نفسه؟) أن يفعلا الشيء نفسه. فالأطفال في دور الرعاية أحوج إلى بيوت محبة منهم إلى صورة معينة من الأسرة.

وقد ناشدت جهات الرعاية في عدد من البلاد الغربية مزيداً من الأسر المسلمة أن تحتضن الأطفال أو تتبناهم، حتى ينشأ الأطفال المسلمون في دور الرعاية في بيوت تشاركهم دينهم. فالاحتضان والتبني ودعم دور الأيتام وبرامج الكفالة كلها من صور الكفالة، وهي جزء من عناية الشريعة الأوسع بالضعفاء (ماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟).

بيتٌ لوجه الله

نشأ النبي ﷺ في بيوت غيره، وحفظ لأهلها كل معروف. ولعل الطفل الذي تؤويه يحفظ لك معروفك يوماً كذلك. جزى الله كل أسرة فتحت بابها لطفل، وجعل كل واحد من هؤلاء الأطفال قرة عين لمن يحبونه.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل التبني حرام في الإسلام؟

لا. فضمّ الطفل إلى البيت وتربيته بالمحبة من أعظم القربات في الإسلام. وإنما حرّم القرآن محو نسب الطفل الحقيقي (سورة الأحزاب: 5).

هل يرث الطفل المتبنى؟

لا يأخذ الطفل المتبنى سهماً من سهام الميراث المفروضة. ولوالديه أن يوصيا له بما لا يزيد على ثلث التركة، وأن يهباه في حياتهما ما شاءا بلا حد.

هل يجوز أن يحمل الطفل المكفول اسم عائلة كافله؟

أجازت دار الإفتاء المصرية إضافة لقب عائلة الكافل إلى اسم الطفل، ما دام ذلك لا يُظهره ابناً أو بنتاً من الصلب. والمهم أن يبقى أصل الطفل معروفاً.

هل الطفل المتبنى محرم؟

الطفل الذي ترضعه الأم المتبنية في صغره يصير ابنها من الرضاعة ومحرماً للأسرة. وإلا فالأسرة تراعي مع الطفل بعد البلوغ الحشمة المعتادة، مع اليسر الذي يقتضيه البيت الواحد.

هل يجوز لغير المتزوج أو للزوجين من الجنس نفسه أن يتبنّوا؟

كفالة اليتيم قربة مفتوحة لكل مؤمن، متزوجاً كان أو غير متزوج. وللزوجين من الجنس نفسه، إذا تزوجا زواجاً مشروعاً، أن يمنحا طفلاً بيتاً محباً كذلك.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 5304، 4782، 2742
  2. دار الإفتاء المصرية، إضافة لقب عائلة الكافل إلى اسم اليتيم
  3. اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (1989)، المادة 20 (الكفالة)
  4. شبكة الرعاية الأفضل (Better Care Network)، صحيفة وقائع عن الكفالة
  5. جميلة بركاش (Jamila Bargach)، Orphans of Islam: Family, Abandonment, and Secret Adoption in Morocco (2002)

الصورة: Bernard Gagnon, Interior of the Tabatabaei House, Kashan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور