هل ترك الزواج أو الإنجاب حرام؟
سؤال رقم 1072
السؤال
هل يأثم المسلم إذا بقي أعزب، أو لم يتزوج أبداً، أو اختار ألا ينجب أطفالاً؟
ملخص الجواب
ترك الزواج أو الإنجاب حلال. فالزواج سنة محبوبة، وجمهور الفقهاء على أنه لا يجب على أحد إلا على من يخشى الوقوع في الحرام بدونه. وقد عاش علماء أجلاء كالنووي وابن تيمية دون زواج، ولم تنجب عائشة رضي الله عنها، والقرآن يقرر أن الله يجعل من يشاء عقيماً (سورة الشورى: 50).
الجواب
الحمد لله

كثير من المسلمين يشعرون بثقل هذا السؤال في كل عرس من أعراس العائلة. والبقاء دون زواج، أو تأخير الزواج، أو اختيار عدم الإنجاب، حلال في الإسلام. فالزواج سنة محبوبة ومصدر بركة عظيمة، وقد حثّ النبي ﷺ القادرين عليه أن يتزوجوا. وجمهور الفقهاء على أنه لا يجب على أحد إلا على من يملك القدرة ويخشى الوقوع في الحرام بدونه. ومن أعظم علماء الإسلام من لم يتزوج قط، ولم تنجب عائشة أم المؤمنين، والقرآن يعدّ العقم من الطرق التي يقدّر الله بها حياة الإنسان.
هل الزواج واجب في الإسلام؟
خاطب النبي ﷺ الشباب في الزواج بهذه الكلمات:
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ»
فالنصيحة معلّقة بالقدرة والحاجة. وبنى عليها الفقهاء فأجروا على الزواج الأحكام التكليفية الخمسة. فهو لأكثر الناس مستحب، ويجب على من يقدر عليه ويخشى الوقوع في الحرام بدونه، ويُكره بل قد يحرم على من يعلم أنه سيظلم زوجه. وقد بسط ابن قدامة (ت 1223م) في «المغني» حالتي الوجوب والاستحباب، وذهب الشافعية إلى أبعد من ذلك، فرأوا أن من لا يجد في نفسه حاجة إلى الزواج قد يكون الأفضل له أن يتفرغ للعبادة والعلم. ولم يوجب الزواج على كل قادر إلا الظاهرية، ولم يتابعهم الجمهور.
والقرآن نفسه يتحدث عن مؤمنين يبقون دون زواج، ويطلب منهم أن يعيشوا في كرامة وعفة:
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ
ما معنى «فمن رغب عن سنتي فليس مني»؟
كثيراً ما يُحتج بهذا الحديث على من لم يتزوجوا، وسياقه مهم. فقد جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها. فقال أحدهم إنه سيصلي الليل أبداً، وقال الثاني إنه سيصوم الدهر، وقال الثالث إنه سيعتزل النساء فلا يتزوج أبداً. فجاءهم النبي ﷺ وقال:
«أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»
فقد كان ﷺ يصحّح روح الغلو، أي الظن بأن ترك النوم والطعام والزواج يجعل صاحبه أقرب إلى الله من النبي ﷺ نفسه. فليس في الإسلام مثال رهباني يقدّم التبتل على الحياة الزوجية. والحديث يذم الرغبة عن الزواج استخفافاً به، ولا يلوم من لم يتزوج لظرف أو طبع أو مرض أو قلة ذات يد، أو لأنه وهب حياته لعمل صالح آخر، ولم يفهمه الفقهاء قط على هذا الوجه.
هل من كبار المسلمين من لم يتزوج؟
كثيرون. وقد ألّف عالم الحديث السوري عبد الفتاح أبو غدة (ت 1997م) كتاباً كاملاً عنهم سمّاه «العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج». ومن أشهرهم:
- الإمام النووي (ت 1277م)، صاحب «الأربعين النووية» و«رياض الصالحين» اللذين لا يكاد يخلو منهما بيت مسلم، تُوفي في نحو الخامسة والأربعين ولم يتزوج.
- ابن تيمية (ت 1328م)، فقيه دمشق ومتكلمها، لم يتزوج قط.
- رابعة العدوية (ت 801م) البصرية، كبيرة العابدات في التصوف المبكر، تذكر كتب التراجم الصوفية أنها ردّت كل من خطبها ليكون قلبها لله وحده (ما هو التصوف؟).
وهؤلاء العلماء والصالحون مكرّمون في كل مذاهب الإسلام، ولا يعدّ أحد عزوبتهم معصية.
هل يحرم اختيار عدم الإنجاب؟
الأولاد من أعظم نعم الله، وكثير من المسلمين يتوقون إليهم. والقرآن يعلّم كذلك أن الأولاد يُعطَون بمشيئة الله وحكمته، وأن الحياة بلا أولاد جزء من تقديره:
أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ
فعائشة رضي الله عنها، أحب أزواج النبي ﷺ إليه وأعلم نساء الإسلام، لم تلد قط (العالمات في الإسلام). وحياتها برهان على أن قيمة المرأة عند الله لا تتوقف على الأمومة.
وللزوجين كذلك أن يختارا عدم الإنجاب، أو تأخيره. فقد قال الصحابي جابر بن عبد الله: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» (صحيح البخاري 5209). وأخذ العلماء من ذلك إباحة منع الحمل، وقبل الغزالي (ت 1111م) من الزوجين أسباباً كالصحة وضيق المعيشة. والحكم مفصّل في جواب هل منع الحمل حرام؟ والقرار للزوجين معاً، ويبقى حثّ النبي ﷺ على الإنجاب حثاً وترغيباً.
وماذا عن إلحاح الأهل؟
الوالدان اللذان يحثّان أولادهما على الزواج يفعلان ذلك في الغالب حباً وقلقاً. فأجبهما برفق وامتنان كما أمر القرآن: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ (سورة الإسراء: 23). غير أن قرار الزواج لمن سيتزوج، لأن الزواج بغير رضا حرّ باطل (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟). وحدود طاعة الوالدين مبيّنة في جواب هل يجب أن أطيع والديّ في كل شيء؟
ومن الناس من لا يجد في نفسه رغبة جنسية أصلاً، وجواب الإسلام لهم واحد: لا يُلزَم أحد بالزواج على خلاف طبيعته (هل يحرم أن يكون الإنسان لاجنسياً؟بالإنجليزية).
حياة كاملة مع الله
متزوجاً كان المؤمن أو أعزب، له أولاد أو ليس له، فهو مدعوّ إلى القرب نفسه من الله. والأعزب الذي يخدم أهله، ويبني الصداقات، ويتقن عمله، ويعبد ربه بقلب ممتلئ، يعيش حياة المسلم كاملة. وقد علّم النبي ﷺ أن الله لا ينظر إلى صورنا وأموالنا، وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (صحيح مسلم 2564). ملأ الله كل قلب بمحبته، ورزق كلاً منا الصحبة التي فيها خيره في الدنيا والآخرة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الزواج واجب في الإسلام؟
هو لأكثر الناس سنة مستحبة. وجمهور الفقهاء لا يوجبونه إلا على من يخشى الوقوع في الحرام بدونه وهو قادر على الزواج.
هل يعني حديث «من رغب عن سنتي فليس مني» أنه يجب عليّ أن أتزوج؟
قاله النبي ﷺ في رجل نذر ألا يتزوج أبداً طلباً لمزيد من التعبد، فردّ عليه ظنه أن ترك الزواج يزيد صاحبه قرباً من الله. ولم يفهم منه العلماء أمراً لكل فرد بأن يتزوج.
هل يحرم أن يختار الزوجان عدم الإنجاب؟
لا. فقد كان الصحابة يعزلون والنبي ﷺ يعلم، والأولاد هبة يعطيها الله كما يشاء. فللزوجين أن يقررا معاً هل ينجبان ومتى.
ماذا أقول لوالديّ إذا ألحّا عليّ في الزواج؟
كلّمهما برفق وامتنان، واشرح لهما أسبابك، وحافظ على البر والمودة. فمحبتهما جديرة بالاحترام، وقرار الزواج يبقى قرارك، لأن الزواج بغير رضا حرّ باطل.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 5063 (الرهط الثلاثة) و5066 (من استطاع الباءة)
- صحيح البخاري 5208-5209 (العزل والقرآن ينزل)
- عبد الفتاح أبو غدة، «العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج»
- ابن قدامة، «المغني»، كتاب النكاح
- إسلام أون لاين، فقه: «هل يكون من ترك الزواج آثماً؟»
الصورة: Bernard Gagnon, Interior of the Tabatabaei House, Kashan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور