هل يجب أن أطيع والديّ في كل شيء؟
سؤال رقم 1074
السؤال
هل يوجب الإسلام عليّ أن أطيع والديّ في كل قرار، ومن ذلك اختيار الزوج والمهنة وطريقة عيشي؟
ملخص الجواب
البر بالوالدين واجب ما عاش الإنسان، أما طاعتهما فلها حدود. فالقرآن يأمر بالإحسان إليهما (سورة الإسراء: 23)، وينهى الولد عن طاعتهما في المعصية مع بقاء مصاحبتهما بالمعروف (سورة لقمان: 15). وعلّم النبي ﷺ أن الطاعة إنما تكون في المعروف. وقيّد فقهاء كابن تيمية وجوبها بما ينفع الوالدين ولا يضر الولد، واختيار الإنسان من يتزوجه حقٌّ له.
الجواب
الحمد لله

قليلة هي الواجبات التي أكّدها الإسلام كما أكّد حق الوالدين. فالقرآن يذكر الإحسان إليهما بعد عبادة الله مباشرة، والنبي ﷺ جعل خدمتهما ضرباً من الجهاد في سبيله. ومع ذلك فلطاعة الوالدين حدود رسمها القرآن والسنة بعناية. فالمسلم مدين لوالديه بالبر والتوقير والرعاية ما عاش، ويطيعهما في المعروف وفيما ينفع، ولا يطيعهما في معصية أبداً. وليس للوالدين أن يأمرا بما يضر ولدهما، ولا أن يستوليا على قراراته المباحة في حياته، كاختيار من يتزوج.
ماذا يقول القرآن في طاعة الوالدين؟
أمرُ القرآن في الوالدين هو الإحسان، وهي كلمة تطلب ما هو فوق الطاعة:
وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا
ثم تقول الآية التالية: ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ﴾ (سورة الإسراء: 24). ولغة القرآن هنا رقيقة كلها: قول كريم، وصبر، ورحمة، ورعاية لهما في الكبر.
وقد خصّ النبي ﷺ الأم بمنزلة خاصة. فحين سأله رجل عن أحق الناس بحسن صحابته، أجابه: أمك، ثلاث مرات، ثم قال: «ثُمَّ أَبُوكَ» (صحيح البخاري 5971). ولما استأذنه رجل آخر في الخروج إلى الجهاد، سأله ﷺ: أحيٌّ والداك؟ فلما قال: نعم، قال له: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (صحيح البخاري 3004). أما الإساءة إلى الوالدين بالغلظة والإهمال، وهي العقوق، فمعدودة في الكبائر.
هل لطاعة الوالدين حدود؟
نعم، وأول هذه الحدود رسمه القرآن نفسه. فهو يقول في الوالدين اللذين يحملان ولدهما على الشرك بالله:
وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا
ففي الآية فصلٌ بين واجبين: الطاعة قد تنتهي، والإحسان باقٍ. وقد وضع النبي ﷺ القاعدة العامة في ذلك:
«لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»
وقيّد الفقهاء الطاعة كذلك في الأمور المباحة. فقد قرر ابن تيمية (ت 1328م) رحمه الله أن الإنسان تلزمه طاعة والديه في غير المعصية، ثم قال: «وهذا فيما فيه منفعة لهما، ولا ضرر عليه». فإذا كان أمر الوالد لا منفعة له فيه، أو كان فيه ضرر على الولد، لم تجب الطاعة، أما الرفق فواجب في كل حال.
هل لوالديّ أن يختارا لي زوجي أو يأمراني بالطلاق؟
لا يصح الزواج في الإسلام إلا برضا الزوجين كليهما. فقد نهى النبي ﷺ أن تُزوَّج المرأة بغير إذنها (صحيح البخاري 5136)، ولما أخبرته فتاة أن أباها زوّجها وهي كارهة، خيّرها بين إمضاء النكاح وفسخه (سنن أبي داود 2096، وصححه الألباني). وللوالدين أن يقترحا وينصحا ويدعوا، وكثيراً ما تكون خبرتهما جديرة بأن يُصغى إليها بعناية. أما القرار فلمن سيعيش هذا الزواج (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟). وكذلك الشأن في قرار الزواج من أصله (هل يحرم ترك الزواج والإنجاب؟).
والمبدأ نفسه يحمي الزواج القائم. فقد أخبر رجلٌ الإمامَ أحمد بن حنبل (ت 855م) أن أباه يأمره بطلاق زوجته، فقال له أحمد: «لا تطلقها». فلما احتج الرجل بأن عمر رضي الله عنه أمر ابنه بطلاق امرأته، قال أحمد: «حتى يكون أبوك مثل عمر». وقد استشهدت دار الإفتاء المصرية بهذا الجواب في فتوى أصدرتها سنة 2023، وقررت فيها أنه ليس من البر طاعة الوالدين في تطليق الزوجة وهدم البيت من غير سبب معتبر.
هل عليّ أن أدرس أو أعمل فيما يريده والداي؟
اختيار مجال دراسة مباح، أو مهنة، أو مدينة، أو صديق، شأن من شؤون حياة الإنسان نفسه، وتجري عليه قاعدة المنفعة من غير ضرر. فاستمع إلى والديك، واشرح لهما أسبابك، والتمس سبيلاً تحقق به آمالهما. والقرار الصائب الذي تتخذه برضاهما هدية تقدمها إليهما. وإن اخترت غير ما اختارا، فليكن ذلك برفق وامتنان، وواصل إحسانك إليهما كما يأمر القرآن. فقد وصلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أمها وهما على دينين مختلفين، بأمر النبي ﷺ (صحيح البخاري 2620)، واختلاف الاختيار لا يُسقط البر.
ماذا لو كان والداي يؤذيانني أو يعتديان عليّ؟
لا يطلب الإسلام من أحد أن يصبر على الاعتداء. فالله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286)، وقد قضى النبي ﷺ بأنه «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (سنن ابن ماجه 2341، وصححه الألباني). فالصغير أو الكبير الذي يتعرض للعنف أو التهديد أو القسوة الدائمة له أن يحمي نفسه، وأن يضع للتواصل حدوداً، وأن يسكن بعيداً. وتبقى الصلة في صورها الآمنة: الدعاء لهما، والرسائل المهذبة، والعون عند الحاجة. وواجبات الوالدين نحو أولادهما مفصّلة في جوابَي هل يجوز للوالدين ضرب أولادهما؟بالإنجليزية وهل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت بسبب المثلية؟
وإن كان أحد والديك يؤذيك فاتصل برقم الطوارئ في بلدك. ويستطيع الصغار في الولايات المتحدة الاتصال بخط Childhelp على الرقم 1-800-422-4453، وفي بريطانيا بخط Childline على الرقم 0800 1111.
دعاء لوالديك
أياً كانت علاقتك بوالديك، فقد أعطى القرآن كل ولد دعاءً يحمله لهما:
وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا
جزى الله كل أب وأم ربّيا ولدهما بالمحبة، وجبر كل صلة مقطوعة يمكن أن تُجبر، ورزق كل ابن وبنت حكمةً يبرّان بها والديهما وهما يعيشان الحياة التي استودعهما الله إياها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل عصيان الوالدين حرام؟
معاملة الوالدين بالغلظة أو الاستخفاف أو الإهمال، وهي العقوق، من الكبائر. أما أن تعتذر برفق وأدب عن رغبة لهما في أمر مباح من شؤون حياتك، فذلك خارج عن العقوق. والطاعة واجبة في المعروف وفيما ينفع، ولا طاعة في معصية.
هل لوالديّ أن يجبراني على الزواج من شخص بعينه؟
لا. فالزواج يشترط رضا الزوجين كليهما بحرية، وقد خيّر النبي ﷺ امرأة زوّجها أبوها وهي كارهة في فسخ نكاحها. وللوالدين أن ينصحا، ونصحهما جدير بأن يُسمع بعناية.
هل يجب عليّ الطلاق إذا أمرني به والداي؟
لا. فقد أفتت دار الإفتاء المصرية سنة 2023 بأن الابن لا يلزمه أن يطلّق زوجته بطلب والديه من غير سبب معتبر، وقال الإمام أحمد لرجل في هذا الموقف: «لا تطلقها».
ماذا لو كان والداي يؤذيانني؟
لا يلزمك أن تقبل الأذى. احفظ سلامتك، وأبقِ من الصلة ما كان آمناً، كالدعاء والتواصل المهذب، واطلب العون من خدمات الطوارئ أو من خطوط المساعدة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 7257 (لا طاعة في معصية)، 5971، 3004، 2620
- ابن تيمية، «الاختيارات الفقهية» (طاعة الوالدين فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر على الولد)
- دار الإفتاء المصرية، الفتوى 7486: حكم طاعة الوالدين في الأمر بطلاق الزوجة (22 فبراير 2023)
- سنن أبي داود 2096 (تخيير من زُوّجت وهي كارهة)
- الذهبي، «كتاب الكبائر» (في عقوق الوالدين)
الصورة: Sistak, Henna on a Muslim bride's hands, Madurai, 2011. CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور