هل يتوافق الإسلام مع الديمقراطية؟

سؤال رقم 1251

السؤال

هل يجوز للمسلم أن يؤيد الديمقراطية والانتخابات والبرلمانات، أم أن الإسلام يفرض نظام حكم آخر؟

ملخص الجواب

الإسلام يتوافق مع الديمقراطية. فالقرآن يمدح المؤمنين الذين أمرهم شورى بينهم (سورة الشورى: 38)، وقد أمر النبيَّ ﷺ نفسه بالمشاورة (سورة آل عمران: 159). والسلطة في السنة قائمة على بيعة تُعطى عن رضا، وعلى المحاسبة، وعلى قاعدة أنه لا طاعة في معصية. والانتخابات وحرية الصحافة والمواطنة المتساوية وسائل حديثة لهذه الأوامر القديمة، وأكثر المسلمين في الاستطلاعات العالمية لا يرون تعارضاً بين دينهم وقيم الديمقراطية.

الجواب

الحمد لله

A wide marble courtyard shines in the sun, surrounded by two-story arcades, with a small domed ablution fountain near the center.

يسمع بعض المسلمين أن الديمقراطية نظام دخيل، يضع إرادة الشعب موضع إرادة الله. ويرى آخرون بلاداً مسلمة يحكمها الملوك والعسكر، فيتساءلون: هل في الإسلام ما يقوله عن الحكم الحر أصلاً؟ وجواب التراث في ذلك واضح ومبشّر: الإسلام يتوافق مع الديمقراطية. فالقرآن يمدح أمة تُدبّر أمرها بالشورى، والسنة تجعل أساس السلطة رضا الناس وتُخضع الحكام للمحاسبة، والانتخابات والبرلمانات والمحاكم وسائل العصر في إقامة هذه الأوامر.

ماذا يقول القرآن عن الديمقراطية؟

سمّى القرآن سورة كاملة باسم الشورى، وجعل الشورى من صفات الجماعة المؤمنة، بين الصلاة والإنفاق:

وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ

سورة الشورى: 38

وأمر الله نبيه ﷺ، وهو الذي يتنزّل عليه الوحي، فقال: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ﴾ (سورة آل عمران: 159). وقد نزلت هذه الآية في سياق الحديث عن غزوة أحد، بعد هزيمة مؤلمة، ومع ذلك أمرته بأن يمضي في المشاورة. فإذا كان رسول الله ﷺ مأموراً بأن يحكم بالشورى، فليس لحاكم بعده أن يحكم بغيرها.

ويطلب القرآن من كل مؤمن أن يقوم بالعدل في وجه السلطة، ولو كانت سلطته هو:

۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ

سورة النساء: 135

كيف كان المسلمون الأوائل يختارون حكامهم ويحاسبونهم؟

كانت الولاية في صدر الإسلام تُعقد بالبيعة، وهي عقد بين الحاكم والأمة. وقد بايع الصحابة النبي ﷺ على «أَنْ نَقُومَ ـ أَوْ نَقُولَ ـ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ» (صحيح البخاري 7199). وبايعت النساء بأنفسهن (سورة الممتحنة: 12). وبعد وفاة عمر قضى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لياليَ يشاور أهل المدينة قبل البيعة لعثمان (صحيح البخاري 7207). وحفظ المؤرخون أول ما قاله أبو بكر حين وَلي الخلافة: «قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم».

ووضع النبي ﷺ حداً لسلطة كل حاكم فقال:

«لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»

صحيح البخاري 7257

وقال: «فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (صحيح البخاري 2409). والرضا والشورى وتقييد السلطة والمحاسبة هي لبّ ما تسعى الديمقراطية إلى تحقيقه. وقد عرف العلماء في كل عصر هذه الأصول، أما الانتخابات والدساتير والمحاكم المستقلة فطرق جديدة لإعمالها في ملايين الناس معاً (هل التصويت في الانتخابات حرام؟).

أليست الحاكمية لله وحده؟

أقوى الاعتراضات يأتي من شعار الحاكمية، أي القول بأن الحكم لله وحده: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (سورة يوسف: 40)، فيكون كل تشريع بشري تمرداً عليه. وقد قابل بعض كتّاب القرن العشرين، ومنهم أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، بين الشورى والديمقراطية الغربية بهذه الروح. وحرصهم على سيادة الله يشاركهم فيه كل مسلم.

والشعار قديم. فقد رفعه الخوارج في وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قبل التحكيم لإنهاء حرب أهلية، فأجابهم علي: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ» (صحيح مسلم 1066). وسيادة الله هي السبب في أنه لا يحق لحاكم أن يدّعي النطق باسمه دون محاسبة. وقوانين المرور والضرائب والتعليم والرعاية الصحية يضعها البشر في كل نظام، والسؤال هو: هل تُوضع بالعدل وبرضا من تُلزمهم؟ ويبقى عدل القرآن ومقاصد الشريعة وحقوق كل مواطن هي الميزان (ما هي الشريعة الإسلامية؟).

هل يؤيد المسلمون الديمقراطية اليوم؟

وجدت استطلاعات واسعة أجرتها مؤسستا غالوب وبيو في البلاد ذات الأغلبية المسلمة أن أكثر المسلمين لا يرون تناقضاً بين قيم الديمقراطية ودينهم. وإندونيسيا، أكبر بلد مسلم في العالم من حيث عدد السكان، تنتخب رؤساءها انتخاباً مباشراً منذ 2004. وأصبحت بينظير بوتو رئيسة لوزراء باكستان سنة 1988، فكانت أول امرأة تُنتخب لرئاسة حكومة ديمقراطية في بلد أغلب سكانه مسلمون (هل يجوز أن تحكم المرأة بلداً مسلماً؟بالإنجليزية).

وقد بسط العلماء هذه الحجة بسطاً وافياً. فقد ذهب خالد أبو الفضل (Khaled Abou El Fadl)، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، في كتابه Islam and the Challenge of Democracy (2004)، إلى أن الشورى والمحاسبة والكرامة الإنسانية تجعل الديمقراطية الدستورية أقدر أشكال الحكم على خدمة المقاصد الأخلاقية للإسلام. وفي العراق بعد 2003 دعا المرجع الأعلى السيد علي السيستاني إلى حكومة يختارها الشعب بالتصويت، وحثّ النساء على التصويت بوصفه واجباً دينياً.

والديمقراطية العادلة تحمي الدين أيضاً حين تتركه حراً. فـ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة البقرة: 256)، والدولة التي تصون ضمير كل مواطن تصون صدق كل مؤمن (ماذا يحدث للمسلم إذا ترك الإسلام؟).

الشورى عبادة

جعل القرآن الشورى بين الصلاة والإنفاق، في عداد أعمال الحياة المؤمنة. فكل صوت صادق في صندوق الاقتراع، وكل نصيحة لأهل السلطة، وكل سعي لحماية الضعيف، نصيبٌ من تلك العبادة. نسأل الله أن يجعل أوطاننا دياراً للعدل، وأن يجعلنا ممن يمتثل أمره: ﴿كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ (سورة النساء: 135).

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل الديمقراطية شرك؟

لا. فالشرك عبادة غير الله. أما اختيار النواب وسنّ القوانين بالتشاور فتدبير دنيوي يمدحه القرآن، والمواطن الذي يُدلي بصوته لا يعبد بذلك أحداً.

أليست الحاكمية لله وحده؟

الملك كله لله، وهذه الحقيقة تُلزم الحكام قبل غيرهم. ولما رفع الخوارج شعار «لا حكم إلا لله» ليرفضوا صلحاً جرى بالتحكيم، قال علي: «كلمة حق أريد بها باطل».

ما موقف الشيعة من الديمقراطية؟

لعلماء الشيعة آراء متعددة. وقد دعا المرجع الأعلى السيد علي السيستاني في العراق بعد 2003 إلى حكومة منتخبة، وحثّ العراقيين على التصويت في 2005، وقال للنساء إن التصويت واجب ديني عليهن ولو اعترض أزواجهن.

هل يجوز انتخاب امرأة في ديمقراطية إسلامية؟

نعم. فقد أصبحت بينظير بوتو رئيسة لوزراء باكستان سنة 1988، وهي أول امرأة تُنتخب لرئاسة حكومة ديمقراطية في بلد أغلب سكانه مسلمون، وتبعتها نساء كثيرات.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. خالد أبو الفضل، Islam and the Challenge of Democracy (مطبعة جامعة برنستون، 2004)
  2. صحيح البخاري 2409، 7199، 7207، 7257؛ صحيح مسلم 1066
  3. ابن كثير، «البداية والنهاية» (خطبة أبي بكر الأولى)
  4. الديمقراطية الإسلامية (نتائج غالوب وبيو عن آراء المسلمين)
  5. علي السيستاني (في الانتخابات العراقية، 2003-2005)

الصورة: Vyacheslav Argenberg, Courtyard of the Umayyad Mosque, Damascus, 2008. CC BY 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور