ماذا يقول القرآن عن مريم؟

سؤال رقم 1230

السؤال

ماذا يعلّمنا القرآن عن مريم أم عيسى عليه السلام، وكيف ينظر إليها المسلمون؟

ملخص الجواب

يكرّم القرآن مريم ابنة عمران امرأةً اصطفاها الله وطهّرها على نساء العالمين (سورة آل عمران: 42). وهي المرأة الوحيدة التي ذكرها باسمها، أربعاً وثلاثين مرة، وسُمّيت باسمها سورة مريم. ويقصّ القرآن نذرها قبل مولدها، وتعبّدها في المحراب، وبشارة الملَك لها، وولادتها عيسى من غير أب تحت جذع النخلة، ثم يضربها مثلاً لكل المؤمنين (سورة التحريم: 12).

الجواب

الحمد لله

The stone bell tower of a desert monastery rises against a blue sky, and just behind it stands the white minaret of the mosque inside the monastery walls.

مريم ابنة عمران، أم عيسى عليهما السلام، لها في القرآن منزلة تُدهش كثيراً ممن يقرؤونه أول مرة. فماذا يقول القرآن عن مريم؟ يخبرنا أن الله اصطفاها وطهّرها ورفعها على نساء العالمين. وهي المرأة الوحيدة التي ذكرها القرآن باسمها، وسُمّيت باسمها سورة كاملة، وقصّ قصتها برقّة جعلتها حبيبة إلى قلوب المسلمين منذ أربعة عشر قرناً.

من هي مريم في القرآن؟

ورد اسمها في القرآن أربعاً وثلاثين مرة. وتحمل اسمَها سورةُ مريم، وهي السورة التاسعة عشرة، وسُمّيت السورة الثالثة باسم أسرتها، آل عمران. وتخاطبها الملائكة خطاباً مباشراً:

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ

سورة آل عمران: 42

ثم تأمرها الآية التي تليها بالعبادة: ﴿يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّـٰكِعِينَ﴾ (سورة آل عمران: 43). فكانت تتعبّد في المحراب بين العابدين، ووصفها القرآن بأنها صدّيقة: ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞ﴾ (سورة المائدة: 75).

كيف يقصّ القرآن قصة ميلاد مريم؟

تبدأ القصة قبل أن تولد مريم. فقد نذرت أمها، امرأة عمران، ما في بطنها لخدمة الله. فلما وضعت بنتاً قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ﴾، وجاء في الآية نفسها: ﴿وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰ﴾ (سورة آل عمران: 36). وقد فهم كثير من القرّاء من هذه الكلمات أن الأنثى التي وهبها الله لها كانت أعظم من الذكر الذي كانت ترجوه. وسمّتها أمها مريم، وسألت الله أن يعيذها وذريتها من الشيطان. وأخبر النبي ﷺ أن كل مولود يمسّه الشيطان حين يولد إلا مريم وابنها (صحيح البخاري 3431).

ثم ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا﴾، وجعلها في كفالة النبي زكريا عليه السلام. وكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، فإذا سألها من أين لها هذا أجابته الفتاة الصغيرة: ﴿هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ﴾ (سورة آل عمران: 37). فحرّك إيمانُها النبيَّ الشيخ، فدعا ربه أن يهبه هو أيضاً ولداً.

ماذا يقول القرآن عن بشارة مريم؟

تحكي سورة مريم أنها اعتزلت أهلها إلى مكان في جهة الشرق، فأرسل الله إليها روحه في صورة رجل. فقال لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا﴾، فقالت: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ﴾، فأجابها بأن ذلك هيّن على الله، وأنه سبحانه سيجعل الولد ﴿ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّا﴾ (سورة مريم: 19-21). والمسلمون يؤمنون بولادة عيسى من أم عذراء بلا تردد. وأما ما يعتقده المسلمون في ابنها فمبسوط في جواب ماذا يعتقد المسلمون في عيسى؟

ماذا حدث تحت النخلة؟

يصف القرآن مخاض مريم بقرب شديد ورقّة بالغة. فقد جاءها المخاض وحيدةً متألمةً إلى جذع نخلة، فقالت: ﴿يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ (سورة مريم: 23). ثم ناداها منادٍ من تحتها ألّا تحزن، فقد جعل ربها تحتها جدولاً من الماء:

وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗا

سورة مريم: 25-26

وقد وجدت النساء المسلمات في ساعة المخاض سلوى في هذه الآيات منذ زمن بعيد، وما زالت أسر كثيرة تُطعم الأم تمراً بعد الولادة ذكرى لمريم. ولما اتهمها قومها صامت عن الكلام وأشارت إلى الطفل، فنطق عيسى في المهد يدافع عنها (سورة مريم: 27-33).

هل كانت مريم نبية؟

رفعها النبي ﷺ إلى ذروة الكمال الإنساني فقال:

«كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ»

صحيح البخاري 3411

وجعلها ﷺ أولى أربع نساء هنّ خير نساء العالمين، ومعها خديجة وفاطمة وآسية (جامع الترمذي 3878). ولأن الملائكة كلّمتها وجاءتها بكلمة من الله، ذهب بعض العلماء المتقدمين، ومنهم ابن حزم (ت 456هـ/1064م) والقرطبي (ت 671هـ/1273م) رحمهما الله، إلى أنها كانت نبية. وذهب أكثر العلماء إلى أن النبوة خاصة بالرجال، مع اتفاقهم على منزلتها الفريدة. وصورة المرأة في القرآن نفسه مجموعة في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟

كيف يلتقي المسلمون والمسيحيون على محبة مريم؟

مريم ملتقى أكبر دينين في العالم. فالمسلمون والمسيحيون جميعاً يجلّون طهرها وإيمانها والولادة المعجزة لابنها. ويختلفون في حقيقة ابنها، والقرآن يأبى أن يُعبد عيسى وأمه مع الله (سورة المائدة: 116). وفي حدود هذا الخلاف متّسع رحب للمحبة المشتركة. فمنذ سنة 2010 يحتفل لبنان بعيد البشارة في 25 آذار/مارس عطلةً وطنية يشترك فيها المسلمون والمسيحيون. وللمزيد عن هذه الأرض المشتركة انظر جواب هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟

مريم مثلٌ لكل مؤمن

يختم القرآن سورة التحريم بامرأتين يضربهما مثلاً للذين آمنوا جميعاً، رجالاً ونساءً، والثانية منهما مريم:

وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ

سورة التحريم: 12

رزقنا الله ثقة مريم به في أشد ساعاتنا، ورزقنا كما رزقها في المحراب، وأقرّ أعيننا كما أقرّ عينها بالرحمة التي يرسلها.

والله أعلم

أسئلة شائعة

كم مرة ذُكرت مريم في القرآن؟

ورد اسمها «مريم» في القرآن أربعاً وثلاثين مرة في إحدى وثلاثين آية، وكثيراً ما يأتي في لقب ابنها «عيسى ابن مريم». ويذكرها القرآن أحياناً بوصفها دون اسمها، كما في سورة الأنبياء: 91.

هل يؤمن المسلمون بأن عيسى وُلد من أم عذراء؟

نعم. فالقرآن يحكي أن مريم سألت كيف يكون لها ولد ولم يمسسها بشر، فأجابها الملَك بأن ذلك هيّن على الله (سورة مريم: 20-21؛ سورة آل عمران: 47). وكل مسلم يؤمن بأن عيسى عليه السلام وُلد من أم عذراء.

لماذا سمّى القرآن مريم أخت هارون؟

سأل نصارى نجران عن ذلك في حياة النبي ﷺ، فبيّن ﷺ أن الناس كانوا يتسمّون بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين سبقوهم (صحيح مسلم 2135).

هل كانت مريم نبية في الإسلام؟

اختلف العلماء في ذلك. فذهب أكثرهم إلى أن النبوة في الرجال، وذهب بعضهم، ومنهم ابن حزم عالم قرطبة والمفسّر القرطبي، إلى أنها نبية لأن الملائكة خاطبتها مباشرة برسالة من الله. واتفقوا جميعاً على أنها من أعظم النساء منزلة.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. القرآن الكريم، سورة آل عمران: 33-47، وسورة مريم: 16-34
  2. صحيح البخاري 3411، 3431، 3432؛ صحيح مسلم 2135
  3. جامع الترمذي 3878
  4. ابن حزم، «الفصل في الملل والأهواء والنحل»
  5. القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، في تفسير سورة آل عمران: 42

الصورة: Florian Prischl, Bell tower and minaret, Saint Catherine's Monastery, Sinai, 2007. CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور