ما هو الشرك بالله؟
سؤال رقم 1215
السؤال
ما معنى الشرك في الإسلام، وما الذي يُعدّ شركاً، وهل يُغفر؟
ملخص الجواب
الشرك أن يُجعل لله شريك: أن يُعبد معه شيء من خلقه، أو أن يحتل المال أو السلطان أو الحاكم أو هوى النفس مكانه في القلب. ويسمّيه القرآن ظلماً عظيماً (سورة لقمان: 13)، ويعد مع ذلك بأن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن أناب إليه (سورة الزمر: 53). وكان النبي ﷺ يخشى على أمته حب الدنيا أكثر مما يخشى عليها عبادة الأوثان، ونهى المسلمين أن يكفّر بعضهم بعضاً.
الجواب
الحمد لله

الشرك أن يُجعل لله شريك. وهو نقيض التوحيد، أي إفراد الله بالألوهية، ويعدّه القرآن أعظم ظلم يقترفه الإنسان، لأنه يعطي مكان الخالق لشيء مخلوق. وقد جمعت وصية لقمان لابنه ذلك في جملة واحدة: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ (سورة لقمان: 13). فالشرك ظلم: ظلم في حق الله، وفي حق الحقيقة، وفي حق النفس الإنسانية التي تنحني لما لا يملك لها نجاة.
والقرآن الذي يحذّر من الشرك هو نفسه الذي يفتح باب الرجوع إلى الله لكل أحد، حتى لمن وقع فيه من قبل.
ما الذي يُعدّ شركاً؟
يذكر العلماء للشرك نوعين.
الشرك الأكبر أن يُعبد غير الله، أو يُعبد معه: كالصلاة للأصنام، أو تأليه مخلوق، أو اعتقاد أن قوة غير الله تخلق العالم وتدبّره. وهذا دين الأوثان التي كانت حول الكعبة، والتي جاء النبي ﷺ ليزيلها.
الشرك الأصغر أخفى من ذلك، وأشهر صوره الرياء في العبادة: أن يصلي المرء أو يتصدق أو يصوم ليراه الناس ويثنوا عليه. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
«أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»
وعلاج الشرك الأصغر الإخلاص: أن يعمل المرء الخير لوجه الله، ويدع آراء الناس جانباً.
هل يكون المال أو السلطان أو الهوى ضرباً من الشرك؟
يشير القرآن والسنة إلى أوثان لا تماثيل لها. فالقرآن يسأل: ﴿أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾ (سورة الفرقان: 43). وينعى على الذين ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبة: 31). وقد بيّن النبي ﷺ لعدي بن حاتم أنهم فعلوا ذلك حين أطاعوهم في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ: «كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (جامع الترمذي 3095، وحسّنه الألباني). فكل سلطة بشرية تدّعي لنفسها الكلمة الأخيرة في الحلال والحرام من دون الله قد اتُّخذت ربّاً.
وكان النبي ﷺ يخشى على أتباعه هذا الشرك الخفي أكثر مما يخشى عليهم عبادة الأوثان. فقد قال لهم في أواخر حياته:
«وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا»
وقد استخرجت العالمة أمينة ودود ما تسميه «النموذج التوحيدي» (tawhidic paradigm): فإذا كان الله وحده هو الأعلى، فلا يعلو إنسان على إنسان علوّ الربّ. وعلى هذا الفهم، فالرجل الذي ينصّب نفسه سيداً على المرأة، أو العرق أو الطبقة التي تتعالى على غيرها، يمنح نفسه منزلة لا تكون إلا لله. فالشرك مسألة عقيدة، وهو كذلك مسألة في معاملة الناس بعضهم بعضاً. وانظر جواب ما هو التوحيد في الإسلام؟.
هل يُغفر الشرك؟
تقول سورة النساء: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (سورة النساء: 48)، وتتكرر الآية في الموضع 116 من السورة نفسها. ويقرأ المفسرون هذه الآية مع آيات التوبة، فهي فيمن لقي الله وهو مقيم على الشرك. أما من رجع إلى الله فالقرآن قاطع في شأنه:
۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
وكان أكثر الصحابة يعبدون الأصنام قبل الإسلام، فجعلهم الله خير القرون. ويقول سبحانه في التائبين: ﴿فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖ﴾ (سورة الفرقان: 70). ولا يؤاخذ الناس برسالة لم تبلغهم على وجهها: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا﴾ (سورة الإسراء: 15). وقد قرّر الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) في «فيصل التفرقة» أن كثيراً ممن لم تبلغهم الرسالة على حقيقتها داخلون في رحمة الله. وفي ذلك تفصيل في جوابَي هل يغفر الله جميع الذنوب؟ وهل يدخل غير المسلمين النار؟.
هل يجوز للمسلمين أن يرمي بعضهم بعضاً بالشرك؟
لا. فكثيراً ما رُمي بكلمة الشرك مسلمون آخرون: الصوفية الذين يزورون الأضرحة، ومن يسألون الله بجاه النبي ﷺ (التوسل)، والمسلمون الشيعة، وكل من بدت عبادته غير مألوفة. وقد أجاز أكثر علماء أهل السنة عبر القرون، من أشاعرة وماتريدية وصوفية، التوسلَ وزيارة قبور الصالحين، ومن اعترض على بعض صوره بقي عليه أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين. وقد حذّر النبي ﷺ فقال: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (صحيح البخاري 6104).
ودعوة القرآن إلى اجتناب الشرك دعوة إلى أن يفتّش المرء في قلبه هو. فالمؤمن الذي يخشى الشرك ينظر أولاً في كبريائه، وحبّه للمال، ورغبته في الثناء، ويكل قلوب الآخرين إلى الله. وفي منزلة المسيحيين، الذين يميّزهم القرآن عن المشركين، انظر جواب هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟.
كلمة في الختام
الشرك يوزّع القلب بين أرباب كثيرين، والتوحيد يجمعه على واحد. وفي صلاة المؤمن كل يوم، في سورة الفاتحة، يقول ذلك لربه في أربع كلمات: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ (سورة الفاتحة: 5). حرّر الله قلوبنا من كل ربّ زائف، وأبقاها متجهة إليه وحده.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يُغفر الشرك؟
نعم، لكل من تاب إلى الله. فأكثر الصحابة كانوا يعبدون الأصنام قبل الإسلام، والقرآن يعد التائبين بأن يبدّل الله سيئاتهم حسنات (سورة الفرقان: 70).
ما الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؟
الشرك الأكبر عبادة غير الله. ومن الشرك الأصغر الرياء في العبادة، أي أن يعمل المرء الخير طلباً لثناء الناس، وهو عمل يقول الله إنه يتركه لمن أُشرك معه فيه (صحيح مسلم 2985).
هل طلب الشفاعة من النبي ﷺ شرك؟
أجاز أكثر علماء أهل السنة عبر القرون سؤال الله بجاه النبي ﷺ أو الصالحين، وهو التوسل، واعترض بعض المتأخرين على صور منه. ولا يجوز أن يُسمّى مسلم يدعو الله وحده مشركاً بسبب هذا الخلاف.
هل يُعدّ المسيحيون مشركين؟
ينتقد القرآن عقيدة التثليث، ويعامل مع ذلك أهل الكتاب فئةً متميزة عن المشركين (سورة البينة: 1)، ويبيح للمسلمين طعامهم والزواج منهم (سورة المائدة: 5).
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 2985 (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)
- صحيح البخاري 1344، 6104
- جامع الترمذي 3095 (اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً)
- الغزالي، «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»
- أمينة ودود، Inside the Gender Jihad: Women's Reform in Islam (Oneworld، 2006)
الصورة: Richard Mortel, Gold dinar of ʿAbd al-Malik ibn Marwan, dated AH 78 (697–698), 2017. David Collection, Copenhagen. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور