هل يجوز للمرأة المسلمة أن تتعطر؟

سؤال رقم 1148

السؤال

هل يجوز للمرأة المسلمة أن تضع العطر خارج البيت، أو في العمل، أو حين تذهب إلى المسجد؟

ملخص الجواب

يجوز للمرأة المسلمة أن تتعطر في بيتها وخارجه. فقد كان النبي ﷺ يحب الطيب، وكانت النساء اللواتي خرجن معه إلى مكة يضمّدن جباههن بالمسك فلا ينهاهن (سنن أبي داود 1830). وحديث الوعيد يصف امرأة تتعطر ليجد الرجال ريحها، وحكمه تابع لهذه النية. وتجيز دار الإفتاء المصرية العطر حيث لا تُقصد الفتنة ولا تُخشى.

الجواب

الحمد لله

A carved wooden pavilion with a green-tiled roof and stucco arches stands at the end of a long, still water channel in a white arcaded courtyard.

كان الطيب من أحب ما في الدنيا إلى النبي ﷺ، وكانت النساء من حوله يصنعنه ويتطيّبن به ويطيّبنه به. ويجوز للمرأة المسلمة أن تتعطر: في البيت، وفي العمل، وفي المدرسة، وفي السوق، وفي المسجد. والقول الأرجح يأخذ حديث الوعيد المشهور بلفظه: فهو يصف امرأة تتعطر ليجد الرجال ريحها، وحكمه تابع لهذه النية.

هل يجوز للمرأة المسلمة أن تتعطر؟

الطيب من الطيبات التي أخرجها الله لعباده. وقد ذكره النبي ﷺ إلى جانب الصلاة:

«حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ»

سنن النسائي 3939

وقد قال الألباني في هذا الحديث: حسن صحيح. وكانت عائشة رضي الله عنها تطيّبه بأطيب ما تجد، حتى ترى بريق الطيب في رأسه ولحيته (صحيح البخاري 5923). ولما نام في بيت أم سليم عند القيلولة، جعلت تجمع عرقه في قارورة، فلما استيقظ وسألها عما تصنع قالت: «هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ» (صحيح مسلم 2331). فقد كانت نساء المدينة يخلطن الطيب في بيوتهن، وكان النبي ﷺ يعيش في أريجه.

ما معنى حديث المرأة المتعطرة؟

روى أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال:

«إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا»

سنن أبي داود 4173

ويذكر الراوي أنه قال قولاً شديداً، وتصرّح رواية النسائي بالكلمة: «فَهِيَ زَانِيَةٌ» (سنن النسائي 5126، وحسّنه الألباني). ومدار الحديث على كلمة صغيرة واحدة: «لِيَجِدُوا»، أي لكي يجدوا. فالحديث يصف قصداً: عطراً يُتخذ طُعماً. وقد استعمل النبي ﷺ لفظ الزنا على هذا النحو للخطوات الأولى المؤدية إليه، فقال: «فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ» (صحيح البخاري 6243). ولم يستنتج أحد من العلماء من هذا الحديث أن النظر والكلام محرمان. فالمرأة التي تتعطر لأنها تحب الطيب، أو للنظافة، أو للصلاة، أو لبهجة نفسها، لا يتناولها هذا الوصف.

وقد فصّلت دار الإفتاء المصرية الحكم، في الفتوى 5886 الصادرة في عهد المفتي شوقي علام، على مراتب مأخوذة من فقهاء المذاهب السنية الأربعة. فالعطر حرام إذا قُصدت به الفتنة، حيث تكون الفتنة واقعة أو غالبة، ومكروه حيث تُخشى الفتنة، ومباح حيث تنتفي، ومستحب حيث يزيل رائحة كريهة. وتضيف الفتوى أن الوعيد يتناول الرائحة النفاذة التي يُقصد بها لفت الأنظار.

هل كانت النساء يتعطرن في الأماكن العامة في عهد النبي ﷺ؟

نعم، وفي أكثر مناسبات العام اجتماعاً للناس. فقد وصفت عائشة حج النساء:

«كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلاَ يَنْهَاهَا»

سنن أبي داود 1830

فهؤلاء النساء سرن في قافلة عظيمة من الحجاج، رجالاً ونساءً معاً، والمسك على وجوههن. ولما حثّ النبي ﷺ النساء يوم العيد على الصدقة، جعلت المرأة تتصدق بقرطها وسخابها (صحيح البخاري 5881)، والسِّخاب قلادة يصفها أهل اللغة بأنها تُنظم من القرنفل وغيره من الخرز الطيب الرائحة. وتستدل دار الإفتاء بالروايتين كلتيهما على أن تطيب المرأة جائز حيث لا تُقصد الفتنة.

هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى المسجد متعطرة؟

في صحيح مسلم روايتان تتعلقان بالمسجد. فقد روت زينب الثقفية: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلاَ تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (صحيح مسلم 443)، وروى أبو هريرة مثل ذلك في البخور قبل صلاة العشاء (صحيح مسلم 444). وكلتاهما تنص على صلاة الليل، حين كانت النساء يمشين إلى المسجد في أزقة مظلمة خالية، وقد ربط العلماء الذين نقلت عنهم دار الإفتاء الروايتين بهذا الحال. أما في مساجد اليوم، بشوارعها المضاءة ومصلياتها المخصصة للنساء، فتنتهي الفتوى إلى أن العطر المعتدل في الطريق إلى الصلاة لا حرج فيه. وأمر القرآن يشمل كل مؤمن:

خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ

سورة الأعراف: 31

ومكانة المرأة الكاملة في المسجد مبيّنة في جواب هل يجوز للمرأة الذهاب إلى المسجد؟

وفي جامع الترمذي رواية تقول: «طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ» (جامع الترمذي 2787). وفي سندها راوٍ مبهم لم يُسمَّ، والعلماء الذين يقبلونها يحملونها على النصح في الذوق: رائحة أخف في الطريق، وأغنى في البيت.

كيف تتعطر المرأة المسلمة؟

  • باعتدال. فالرائحة التي يشمها القريبون منك تناسب كل مكان، أما السحابة التي تملأ الغرفة أو عربة القطار فهي ما حذّر منه الفقهاء.
  • بنية حسنة. تعطّري لنفسك، وللصلاة، ولمن تحبين، ولمتعة النظافة.
  • بالعطور الكحولية دون حرج. فكثير من العلماء يجيزونها، وانظري جواب هل الكحول حرام في الإسلام؟
  • وأنتِ صائمة. فالعطر على البشرة لا يفطّر، وانظري جواب ما هي مفطرات الصيام في رمضان؟

والمكياج وطلاء الأظافر وسائر زينة المرأة تجري على الأصول نفسها، وهي مبيّنة في جواب هل المكياج حرام؟

كلمة في الختام

يجيب القرآن كل من يريد أن يحرّم ما جمّله الله:

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِ

سورة الأعراف: 32

تعطّري كما تعطّرت نساء المدينة: بفرح، وبكرامة، وبقلب متوجه إلى من خلق كل رائحة طيبة.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يجوز للمرأة أن تتعطر وهي صائمة في رمضان؟

نعم. فوضع العطر لا يفطّر، لأنه لا أكل فيه ولا شرب. وينصح كثير من الفقهاء الصائم بألا يستنشق دخان البخور عمداً.

هل يجوز للمرأة أن تتطيب في الإحرام؟

إذا دخل الحاج في الإحرام، امرأة كان أو رجلاً، لم يضع عطراً جديداً. أما الطيب الذي وُضع قبيل الإحرام فيجوز أن يبقى، كما يدل حديث عائشة عن مسك النساء في الطريق إلى مكة.

هل العطر الذي فيه كحول حرام على المرأة؟

يجيز كثير من العلماء العطور التي فيها كحول للنساء والرجال على السواء، لأن الكحول فيها يوضع على البدن ولا يُشرب. وقد أفتت لجنة الفتوى الوطنية في ماليزيا سنة 1984 بجواز العطور التي تحتوي على الكحول.

هل يجوز للمرأة أن تتعطر بين الرجال الأجانب في العمل أو الجامعة؟

نعم. فالرائحة الطيبة بين الزملاء والزميلات والجيران من النظافة واللطف المعتادين. والحديث إنما يتناول العطر الذي يُقصد به إثارة شهوة الرجال، والاعتدال يجعل الرائحة لمن هم قريبون منك.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. سنن النسائي 3939 و5126
  2. سنن أبي داود 1830 و4173
  3. صحيح مسلم 443 و444 و2331
  4. صحيح البخاري 5881 و5923 و6243
  5. دار الإفتاء المصرية، الفتوى 5886: حكم خروج المرأة إلى المسجد متعطرة

الصورة: Reda.bnhd, Courtyard of the Qarawiyyin Mosque, Fez, 2019. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور