هل يؤيد الإسلام الرعاية الصحية للجميع؟

سؤال رقم 1044

السؤال

هل يعلّم الإسلام أن لكل إنسان حقاً في العلاج، قدر على دفع ثمنه أو لم يقدر؟

ملخص الجواب

الإسلام يؤيد الرعاية الصحية للجميع. فالقرآن يعدّ إحياء نفس واحدة إحياءً للناس جميعاً (سورة المائدة: 32)، والنبي ﷺ أمر الناس بالتداوي، وحفظ النفس أول مقاصد الشريعة بعد حفظ الدين. وقد عالجت البيمارستانات الإسلامية الممولة من الأوقاف، من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة، كل مريض مجاناً قروناً طويلة، غنياً كان أو فقيراً، من أهل البلد أو غريباً.

الجواب

الحمد لله

The tall stone facade of a Mamluk hospital, madrasa, and mausoleum complex, with pointed-arch windows, a dome, and an ornate minaret against a blue sky.

الإسلام يؤيد الرعاية الصحية للجميع. فالقرآن يعلّم أن إحياء نفس واحدة كإحياء الناس جميعاً، والنبي ﷺ أمر المرضى بالتداوي، والعلماء جعلوا حفظ النفس من أعلى مقاصد الشريعة. وقد عملت المجتمعات الإسلامية بذلك قروناً: فبيمارستاناتها الكبرى، الممولة من الأوقاف الخيرية، فتحت أبوابها لكل مريض، ولم تطلب منه شيئاً في المقابل.

فالمجتمع الذي يترك الناس يقاسون المرض لأنهم فقراء قد قصّر فيما أمر الله به، والمجتمع الذي يداويهم قد عمل عمل الأنبياء.

ماذا يقول القرآن في إحياء النفس؟

بعد قصة ابني آدم، يضع القرآن قاعدة للبشرية كلها:

مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا

سورة المائدة: 32

فكل ممرضة تسهر في نوبة ليلية، وكل عيادة تعالج مريضاً لا يقدر على الدفع، لها نصيب من هذه الآية. ويقول القرآن للمؤمنين كذلك: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة البقرة: 195). ويقول إبراهيم عليه السلام في ربه: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ (سورة الشعراء: 80). فالشفاء من الله، وقد جعل أيدي البشر سبباً له.

هل أمر النبي ﷺ بالتداوي؟

أتى الأعراب النبيَّ ﷺ مرة يسألونه أيتداوون، فأجابهم:

«تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ»

سنن أبي داود 3855، وصححه الألباني

وقال ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (صحيح البخاري 5678). فكانت هذه الكلمات لأطباء المسلمين باعثاً مقدساً على البحث عن الدواء. وجعلت كذلك رعاية المرضى واجباً مشتركاً: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» (صحيح البخاري 5649).

وأشد النصوص في هذا الباب وقعاً على القلب حديث قدسي يخاطب الله فيه الإنسان يوم القيامة:

«يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي»

صحيح مسلم 2569

فيسأل العبد كيف يعود رب العالمين، فيجيبه الله بأن عبداً من عباده مرض، ثم يقول: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (صحيح مسلم 2569). فالله حاضر عند سرير المريض، والمجتمع الذي يحمل الرعاية إلى كل سرير يجده هناك.

هل الرعاية الصحية واجب على الأمة كلها؟

سمّى الفقهاء بعض الواجبات فروض كفاية: إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الجميع، وإذا لم يقم بها أحد أثم الجميع. وقد عدّ الإمام الغزالي (ت 1111م) الطب منها في كتاب العلم من «إحياء علوم الدين»، لأن صحة الأبدان لا تستغني عنه. فالبلد الذي لا طبيب فيه، على مقتضى استدلاله، بلد قصّر فيه كل قادر.

ومقاصد الشريعة تشير إلى الوجهة نفسها. فقد اتفق العلماء على أن الشريعة جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كما يبيّن جواب ما هي الشريعة الإسلامية؟ والنظام الذي يترك الناس يموتون بأمراض قابلة للعلاج لأنهم فقراء يهدم مقصد حفظ النفس. ويجوز أن تُدفع الزكاة في علاج من لا يقدر على نفقته، لأن المرضى الفقراء من أهل الحاجة المذكورين في القرآن (سورة التوبة: 60)، وانظر كيف تحسب الزكاة ومن يستحقها؟

كيف عالجت البيمارستانات الإسلامية المرضى مجاناً؟

بنى العالم الإسلامي بعضاً من أوائل المستشفيات العامة في التاريخ، وسُمّيت البيمارستانات، وهي كلمة فارسية معناها «دار المرضى». وكانت في الغالب تُموَّل من الأوقاف: يقف الحاكم أو المؤمن الموسر دكاكين أو طواحين أو قرى كاملة، فتنفق غلّتها على البيمارستان أبداً.

  • بغداد. أتمّ عضد الدولة البويهي البيمارستان العضدي سنة 981م، وافتُتح بنحو أربعة وعشرين طبيباً، وخدم الناس من كل الخلفيات.
  • دمشق. أسس نور الدين زنكي البيمارستان النوري سنة 1154م، وما زال بناؤه قائماً، وهو اليوم متحف لتاريخ الطب.
  • القاهرة. افتتح السلطان المملوكي قلاوون البيمارستان المنصوري سنة 1284م. ووعدت شروط وقفه بالعلاج للمقيمين والغرباء، والأقوياء والضعفاء، والأغنياء والفقراء، ونصّت على ألّا يُطالب أحد بأجر، ولا يُعرَّض له بالأجر، وأن يتحمل البيمارستان النفقات كلها.

وكان في كثير من هذه البيمارستانات أجنحة للنساء وأخرى للرجال، وأجنحة للأمراض العقلية. وكان بعضها يعطي المرضى الفقراء عند خروجهم ثياباً جديدة ومبلغاً يسيراً من المال، حتى لا يعودوا من فراش المرض إلى الضيق مباشرة. وقد درس المؤرخ أحمد رجب هذه المؤسسة في كتابه The Medieval Islamic Hospital (2015).

ماذا يعني هذا للمسلمين اليوم؟

لم يتغير المبدأ. فحفظ النفس واجب، والمجتمع العادل يرتّب أموره حتى ينال كل إنسان العلاج أياً كانت ثروته. ويستطيع المسلمون أن يعينوا على ذلك بأصواتهم، وزكاتهم وصدقاتهم، وعملهم في الطب والتمريض، وأوقافهم. وكثير من الجاليات المسلمة في الغرب تدير عيادات مجانية بهذه الروح، والأطباء المسلمون يخدمون في المستشفيات العامة حول العالم.

والصحة تشمل النفس. فالاكتئاب والقلق مرضان يُعالجان بالعناية نفسها التي يُعالج بها أي مرض، كما يبيّن جواب هل الاكتئاب علامة على ضعف الإيمان؟ والاستدلال نفسه يجعل التبرع بالأعضاء والدم صدقة عظيمة (هل يجوز التبرع بالأعضاء؟)، ويؤيد التأمين بوصفه تعاوناً (هل التأمين حرام؟).

دعاء للمريض

روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا أتى مريضاً دعا:

«أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا»

صحيح البخاري 5675

شفى الله كل مريض، وبارك في كل يد تمرّضه، وجعلنا ممن يبنون مجتمعات لا يُرد فيها أحد عن العلاج.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل التداوي واجب في الإسلام؟

أمر النبي ﷺ الناس بالتداوي، لأن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له دواءً. واختلفت المذاهب في التداوي أمستحب هو أم واجب، ويرى كثير من العلماء وجوبه إذا كانت الحياة في خطر.

هل كانت البيمارستانات الإسلامية القديمة مجانية حقاً؟

نعم. فقد كانت بيمارستانات كالبيمارستان المنصوري في القاهرة تُموَّل من الأوقاف، ونصّت شروط واقفيها على علاج كل المرضى على نفقة البيمارستان، أغنياء كانوا أو فقراء، من أهل البلد أو غرباء.

هل التأمين الصحي حرام؟

التأمين الصحي جائز عند كثير من العلماء المعاصرين، لأنه تعاون على دفع الضرر. وانظر الجواب المفصل عن التأمين لمعرفة التفاصيل والبديل التعاوني (التكافل).

هل يجوز دفع الزكاة لعلاج المريض؟

نعم. فالمريض العاجز عن دفع نفقات علاجه من الفقراء والمساكين المذكورين في سورة التوبة: 60، فيجوز أن تغطي الزكاة علاجه.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. سنن أبي داود 3855؛ صحيح البخاري 5649، 5678؛ صحيح مسلم 2569
  2. الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب العلم (الطب من فروض الكفاية)
  3. أحمد رجب (Ahmed Ragab)، The Medieval Islamic Hospital: Medicine, Religion, and Charity (مطبعة جامعة كامبريدج، 2015)
  4. موقع التراث الإسلامي (Muslim Heritage)، The Islamic Roots of the Modern Hospital

الصورة: Marsupium, The complex of Sultan Qalawun, Cairo, 2024. CC BY 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور