هل يجوز التبرع بالأعضاء في الإسلام؟

سؤال رقم 1080

السؤال

هل يجوز للمسلم أن يتبرع بأعضائه في حياته أو بعد موته، وأن تُزرع له أعضاء من غيره؟

ملخص الجواب

التبرع بالأعضاء حلال، وهو من أعظم أبواب الصدقة. فالقرآن يقرر أن من أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً (سورة المائدة: 32). وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة، 1988) نقل الأعضاء من المتوفى بإذنه أو إذن ورثته، وأجازت هيئة كبار العلماء في السعودية ومفتو مصر التبرع من الأحياء، ووافقهم مراجع الشيعة. أما بيع الأعضاء فحرام، ويُعامَل جسد المتبرع بكرامة.

الجواب

الحمد لله

The tall stone facade of a Mamluk hospital, madrasa, and mausoleum complex, with pointed-arch windows, a dome, and an ornate minaret against a blue sky.

في كل يوم يموت أناس وهم ينتظرون كلية أو كبداً أو قلباً. وفي بريطانيا كثيراً ما يطول انتظار المرضى من الجاليات الآسيوية ومن السود، وكثير منهم مسلمون، لقلة المتبرعين المتوافقين معهم من جالياتهم. وكثير من المسلمين يجودون بذلك عن طيب نفس، لكنهم سمعوا أن الجسد يجب أن يبقى كاملاً. وجواب كبرى مجالس الفتوى في ذلك واضح: التبرع بالأعضاء حلال، وهو من أنبل أبواب الصدقة. والمتبرع الذي ينقذ حياة إنسان قد فعل ما وصفه القرآن بإحياء الناس جميعاً.

هل التبرع بالأعضاء حرام في الإسلام؟

يجعل القرآن قيمة النفس الواحدة كقيمة البشرية كلها:

وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا

سورة المائدة: 32

وحفظ النفس في مقدمة مقاصد الشريعة، والقرآن يأمر المؤمنين: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ﴾ (سورة المائدة: 2). ولما لدغت عقربٌ رجلاً من الصحابة، فسأل آخرُ النبيَّ ﷺ: أيرقيه؟ أجابه ﷺ بقاعدة تتسع للطب الحديث كله:

«مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ»

صحيح مسلم 2199

هل ينافي التبرع بالأعضاء كرامة الجسد؟

يتردد بعض المسلمين بسبب حديث صحيح:

«كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»

سنن أبي داود 3207، وصححه الألباني

ويبيّن العلماء الذين أجازوا زراعة الأعضاء أن هذا الحديث ينهى عن انتهاك حرمة الميت: التمثيل به، أو السخرية منه، أو العبث بجسده. وجراحة الزرع على الضد من ذلك، إذ يجريها الجراحون بعناية، بإذن المتبرع أو أهله، ليمنحوا الحياة لإنسان آخر، ثم يُعاد الجسد للغسل والدفن. فتبقى الكرامة التي يصونها الحديث محفوظة، وتُنقَذ بها حياة. وتنطبق هنا أيضاً القاعدة الفقهية: الضرورات تبيح المحظورات.

بماذا أفتى العلماء ومجالس الفتوى؟

تمتد الفتاوى في هذه المسألة على أكثر من نصف قرن، وتشمل كل أقاليم العالم الإسلامي:

  • مصر. أجاز مفتي الديار المصرية الشيخ حسن مأمون نقل القرنية سنة 1959، ثم أفتى المفتي محمد سيد طنطاوي بعد ذلك بجواز التبرع من الأحياء.
  • السعودية. أجازت هيئة كبار العلماء في قرارها رقم 99 سنة 1402هـ (1982م) نقل الأعضاء من المتوفى ومن المتبرع الحي إذا احتاج إليها المريض.
  • مجمع الفقه الإسلامي الدولي. في دورته المنعقدة بجدة في فبراير 1988، أصدر مجمع منظمة التعاون الإسلامي القرار رقم 26 (1/4). وهو يجيز نقل الأعضاء من الميت إذا توقفت على ذلك حياة إنسان أو وظيفة أساسية في جسده، بإذن الميت قبل موته أو إذن ورثته بعده. ويمنع أن يؤخذ من المتبرع الحي عضو تتوقف عليه حياته، كالقلب، ويحرّم بيع الأعضاء بأي حال.
  • بريطانيا وأوروبا. أجاز مجلس الشريعة الإسلامية في بريطانيا (Muslim Law (Shariah) Council UK)، برئاسة الشيخ زكي بدوي، التبرع بالأعضاء سنة 1995، واعتدّ بموت جذع الدماغ موتاً لأغراض الزرع. وأجاز المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث التبرع سنة 2000.
  • مراجع الشيعة. يجيز آية الله خامنئي أخذ الأعضاء إذا توقفت عليها حياة إنسان، بإذن سابق، ويسمح القانون الإيراني بالتبرع من المتوفين دماغياً بوصيتهم أو بموافقة أسرهم.

وقد منع بعض علماء جنوب آسيا التبرع في وقت مضى، احتجاجاً بحرمة الجسد، ولا يزال قليل منهم متحفظين. وأكثرهم يقبلونه عند الضرورة، وقد مال ثقل الرأي الفقهي ميلاً حاسماً إلى الجواز.

هل يجوز للمسلم التبرع بأعضائه بعد الموت؟

نعم. فشرط مجمع الفقه هو الإذن، وخير طريق لإعطائه أن تسجّل نفسك متبرعاً وتخبر أهلك، إذ يُستشارون عند الوفاة. وتطمئن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) الأسر إلى أن التبرع لا يؤخر الجنازة، وأن الجسد يُعاد للغسل والتكفين وصلاة الجنازة كما هو مبيّن في جواب ماذا يفعل المسلمون عند الوفاة؟. وتجد مزيداً عن مسائل آخر العمر والموت الدماغي في جواب ماذا يقول الإسلام عن القتل الرحيم ورعاية آخر العمر؟بالإنجليزية.

هل يجوز للحي أن يتبرع بكليته؟

نعم، إذا قرر الأطباء أن صحة المتبرع ستبقى في أمان. فالكلية أو جزء الكبد يُهدى إلى قريب أو غريب عطيةُ حياة، أجازتها هيئة كبار العلماء في السعودية ومفتي مصر كلاهما. ويجب أن يأذن المتبرع عن رضا حر، دون ضغط من أهله، وألّا يأخذ على ذلك مالاً أبداً: فمجمع الفقه يحرّم بيع الأعضاء، والاتجار بها يفترس الفقراء. والتبرع بالدم يجري على المبادئ نفسها، كما هو مبيّن في جواب هل يجوز للمسلم التبرع بالدم ونقله إليه؟بالإنجليزية.

هل يجوز تلقي عضو مزروع؟

نعم، من أي متبرع، مسلماً كان أو غير مسلم. فالتداوي سنة، وقبول الزرع قبولٌ لشفاء يسّره الله. والشريعة التي تحفظ الحياة تطالب المجتمعات كذلك بأن تتيح العلاج للجميع، كما يبيّن جواب هل يؤيد الإسلام الرعاية الصحية الشاملة؟.

في الختام

يصف القرآن الصدقة بأنها ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖ﴾ (سورة البقرة: 261). والعضو الذي يُوهب في الحياة أو بعد الموت قد يصير سنين من العمر لغريب، أو أباً أو أماً يعود إلى أولاده، أو طفلاً يكبر. تقبّل الله من كل متبرع صدقةً جارية، وجزاه بحياة لا تنقضي.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم التبرع بالأعضاء بعد الموت؟

أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي التبرع بالأعضاء بعد الموت إذا أذن به المتوفى في حياته أو أذن ورثته بعد وفاته. والتسجيل متبرعاً وإخبار الأهل بذلك من طرق إعطاء هذا الإذن.

هل يجوز للمسلم أن يتلقى عضواً من غير مسلم؟

نعم. فالعضو البشري لا دين له، والمجامع التي أجازت زراعة الأعضاء لم تفرّق بين متبرع وآخر. ومثل ذلك الدم.

هل يؤخر التبرع بالأعضاء جنازة المسلم؟

تؤكد هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) أن التبرع لا يؤخر الجنازة. ويُعاد الجسد إلى الأهل للغسل والتكفين وصلاة الجنازة والدفن على المعتاد.

ما قول الشيعة في التبرع بالأعضاء؟

يجيز مراجع الشيعة زراعة الأعضاء لإنقاذ الحياة. فآية الله خامنئي يجيز أخذ الأعضاء إذا توقفت عليها حياة إنسان، بإذن سابق، والقانون الإيراني يسمح بالتبرع من المتوفين دماغياً بوصيتهم أو بموافقة أسرهم.

هل يجوز لي التبرع بكليتي وأنا حي؟

نعم، إذا قرر الأطباء أن صحتك ستبقى في أمان. فقد أجازت هيئة كبار العلماء في السعودية ومفتي مصر محمد سيد طنطاوي التبرع من الأحياء، ويمنع مجمع الفقه أخذ عضو تتوقف عليه حياة المتبرع نفسه.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 26 (1/4) بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً (جدة، 1988)
  2. هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، القرار رقم 99 (1402هـ/1982م)
  3. مجلس الشريعة الإسلامية في بريطانيا (Muslim Law (Shariah) Council UK)، قرارات في زراعة الأعضاء (1995)
  4. هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، An Islamic perspective on organ donation
  5. سنن أبي داود 3207؛ صحيح مسلم 2199

الصورة: Marsupium, The complex of Sultan Qalawun, Cairo, 2024. CC BY 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور