ماذا يقول الإسلام عن القتل الرحيم والرعاية في آخر العمر؟

سؤال رقم 1192

السؤال

هل يجوز القتل الرحيم أو المساعدة على الموت في الإسلام، وهل يجوز للأسرة إيقاف أجهزة الإنعاش أو العلاج الذي لا يُرجى نفعه، وكيف يرعى المسلمون المحتضر؟

ملخص الجواب

إنهاء حياة المريض عمداً محرّم عند علماء السنة والشيعة جميعاً، لأن كل حياة أمانة، وأجلها بيد الله. غير أن الإسلام لا يوجب إطالة الاحتضار بأي ثمن. فللمريض أن يترك العلاج، كما خيّر النبي ﷺ امرأة مريضة بين الصبر والشفاء، فيجوز ترك العلاج الذي لا يُرجى نفعه أو إيقافه. وتسكين الألم، والحضور، والدعاء، هي طريق الإسلام في الرحمة عند آخر العمر.

الجواب

الحمد لله

The tall stone facade of a Mamluk hospital, madrasa, and mausoleum complex, with pointed-arch windows, a dome, and an ornate minaret against a blue sky.

إن كنت تفكر في إنهاء حياتك، فاتصل أو أرسل رسالة نصية إلى الرقم 988 في الولايات المتحدة، أو اتصل بالرقم 116 123 (Samaritans) في بريطانيا وأيرلندا، أو برقم الطوارئ في بلدك. ويقدّم خط نصيحة (Naseeha) على الرقم 1-866-627-3342 دعماً سرياً للمسلمين في أمريكا الشمالية.

الأسر التي تسأل عن حكم القتل الرحيم في الإسلام كثيراً ما تكون جالسة إلى جوار سرير في مستشفى، ترى من تحب يتألم. والتراث يجيب بحقيقتين معاً. فإنهاء حياة المريض عمداً محرّم، لأن كل حياة أمانة من الله، وأجلها بيده. والإسلام لا يوجب أبداً إطالة الاحتضار بأي ثمن: فالعلاج الذي لم يعد يُرجى منه شفاء يجوز تركه أو إيقافه، والألم ينبغي أن يُسكَّن، والمحتضر ينبغي أن يُحاط بالحنان والدعاء.

هل القتل الرحيم حرام في الإسلام؟

اتفق علماء السنة والشيعة على أن إنهاء حياة المريض عمداً محرّم، طلب المريض ذلك أو لم يطلبه. يقول الله تعالى:

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا

سورة النساء: 29

فالآية تُختم بالرحمة، والنهي نفسه رحمة. فالحياة لا يملكها صاحبها وحده، وإنما هي لله الذي ينفرد بتقدير أجلها:

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗا

سورة آل عمران: 145

ونهى النبي ﷺ المؤمنين أن يتمنّوا الموت لضرّ نزل بهم، وأمرهم أن يقولوا مكان ذلك: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (صحيح البخاري 5671). وهذا التعليم مشروح في جواب هل يحرم أن يسأل المرء الله الموت؟

والذين يطلبون القتل الرحيم يحرّكهم في الغالب الحب وألم المشاهدة. والتراث يقابل هذا الحب برحمة من نوع آخر: تسكين الألم، وصحبة الأهل، واليقين بأن الألم الذي يُحتمل بإيمان لا يضيع أبداً. وقد اشتد الوجع على النبي ﷺ نفسه في مرضه الأخير، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» (صحيح البخاري 5646).

هل يجوز إيقاف أجهزة الإنعاش أو العلاج الذي لا يُرجى نفعه؟

نعم، إذا لم يعد العلاج يُرجى منه شفاء. فقد حثّ النبي ﷺ على التداوي، لكنه لم يجعله واجباً في كل حال. فقد سألته امرأة كانت تُصرع أن يدعو لها بالشفاء، فخيّرها:

«إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»

صحيح البخاري 5652

فاختارت الصبر. واستنبط شرّاح صحيح البخاري من ذلك أن للإنسان أن يترك التداوي ويختار الصبر. وإذا جاز للمريض أن يترك علاجاً يُرجى منه الشفاء، فللمريض المشرف على الموت أن يترك علاجاً لا يزيد على أن يطيل احتضاره، وللأسرة أن تتخذ هذا القرار مع الأطباء عن مريض لم يعد يقدر على الكلام.

والفرق بين الحالين حقيقي. فإنهاء الحياة فعل يُحدث الموت. أما إيقاف جهاز أو علاج لا يشفي فيترك المرض يأخذ مجراه، فيأتي الموت في الأجل الذي كتبه الله. وينبغي أن يُتخذ القرار مع الفريق الطبي، بمعلومات واضحة، ويحسن أن يكون بمشورة إمام عالم. وتستمر الرعاية المعتادة إلى النهاية: النظافة، والراحة، والكلمة الطيبة، وتسكين الألم.

هل يجوز تسكين الألم في آخر العمر؟

نعم، وهو رحمة. فقد قال النبي ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (صحيح البخاري 5678)، وتسكين الألم من أقدم مهام الطب. والمسكّنات القوية التي تُعطى لتخفيف المعاناة تخدم المريض، و«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (صحيح البخاري 1). والرعاية التلطيفية ورعاية المحتضرين، التي تعالج الألم وضيق النفس والخوف والوحدة، تواصل عمل البيمارستانات الإسلامية الكبرى، كما هو مبيّن في جواب هل يؤيد الإسلام الرعاية الصحية للجميع؟

كيف يرعى المسلمون المحتضر؟

عيادة المريض ورعايته من أحب الأعمال في الإسلام. وفي الحديث القدسي يقول الله يوم القيامة:

«يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي»

صحيح مسلم 2569

فإذا سأل العبد كيف يعود رب العالمين، أجابه الله بأنه لو عاد عبده المريض لوجده عنده. فالله حاضر عند السرير.

  • ابقوا قريبين منه. أمسكوا يده، وكلّموه برفق، ودعوه يسمع أصوات من يحب.
  • ذكّروه بالله برفق. قال النبي ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» (صحيح مسلم 916). قولوها بصوت خافت قريباً منه، دون إلحاح.
  • املؤوا الغرفة رجاءً. قال النبي ﷺ قبل وفاته بثلاثة أيام: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ» (صحيح مسلم 2877). اقرؤوا القرآن، وتحدّثوا عن رحمة الله، واجعلوا الأيام الأخيرة مليئة بالرجاء.
  • ارعوا من يقومون بالرعاية. فالأبناء الذين يرعون والداً يحتضر يحققون دعاء القرآن: ﴿رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ (سورة الإسراء: 24).

فإذا جاء الموت انصرفت الأسرة إلى الغسل والصلاة والدفن، كما هو مبيّن في جواب ماذا يفعل المسلمون عند الوفاة، من صلاة الجنازة إلى الدفن؟ وبعض الأسر تكرم رغبة فقيدها في أن يهب الحياة لغيره عن طريق التبرع بالأعضاء.

دعاء في الختام

نهاية الحياة بيد الرب الذي بدأها. اللهم امنح كل مريض الفرج، وكل محتضر رحيلاً رفيقاً، وارزق القوة والصبر من يسهرون إلى جوارهم، واجمعهم جميعاً في رحمتك التي وسعت كل شيء.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل الانتحار بمساعدة طبية حرام؟

نعم. فإنهاء المرء حياته عمداً، بمساعدة غيره أو بدونها، محرّم، والآية التي تحرّمه تُختم برحمة الله (سورة النساء: 29). وكل من يتألم يستحق تسكين الألم والرعاية والصحبة، وإن كنت تفكر في إنهاء حياتك فاتصل بالرقم 988 في الولايات المتحدة، أو بالرقم 116 123 في بريطانيا وأيرلندا، أو برقم الطوارئ في بلدك.

هل يجوز للمسلم أن يوافق على أمر عدم الإنعاش؟

العلاج لا يجب في كل حال، فللمريض، أو لأسرته إذا عجز عن الكلام، أن يرفض الإنعاش الذي يراه الأطباء عديم الجدوى أو مفرط المشقة. وترك هذا العلاج يدع الموت يأتي في أجله، وتستمر الرعاية المعتادة والتخفيف عن المريض.

هل يجوز أن أدعو لقريبي المتألم بأن يريحه الله؟

ادعُ له بما علّمه النبي ﷺ: اللهم أحيه ما كانت الحياة خيراً له، وتوفّه إذا كانت الوفاة خيراً له (صحيح البخاري 5671). وبذلك تضع من تحب بين يدي الله برحمة وثقة.

ما رأي الشيعة في القتل الرحيم؟

يحرّم فقهاء الجعفرية، كالمذاهب السنية، إنهاء حياة المريض عمداً، ويجيزون كذلك تسكين الألم ورعاية المحتضر برحمة.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 5652 (المرأة التي اختارت الصبر) و5671
  2. صحيح مسلم 2569، 916، 2877
  3. 988 Suicide & Crisis Lifeline (الولايات المتحدة)
  4. Samaritans (بريطانيا وأيرلندا)

الصورة: Marsupium, The complex of Sultan Qalawun, Cairo, 2024. CC BY 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور