ما حكم الإجهاض في الإسلام؟
سؤال رقم 1078
السؤال
هل الإجهاض حرام في الإسلام، أم يباح في بعض الحالات، كأول الحمل، أو الاغتصاب، أو تشوّه الجنين الخطير، أو الخطر على صحة الأم؟
ملخص الجواب
القول الأرجح أن الإجهاض جائز في أول الحمل لسبب معتبر، وأن المرأة التي تحمل الجنين تزن أسبابها بين يدي الله. فقد أجازه فقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة قبل نفخ الروح، الذي جعله الحديث عند مئة وعشرين يوماً، وأباحه بعضهم مطلقاً في الأربعين الأولى. وبعد نفخ الروح يجوز لإنقاذ حياة الأم. وكان المالكية والجعفرية أشد في ذلك.
الجواب
الحمد لله

قلّما يُسأل سؤال بقدر ما يُسأل هذا السؤال من الألم، تسأله نساء وأزواج يواجهون حملاً في ظروف عصيبة. والإسلام يكرّم الحياة التي تنمو في الرحم، ويكرّم المرأة التي تحملها. وقد قرأ الفقهاء المتقدمون ما وصفه القرآن من أطوار الخلق مع حديث نفخ الروح، فذهبوا إلى أن حرمة الحمل تعظم كلما نما. والقول الأرجح أن الإجهاض جائز في أول الحمل لسبب معتبر، والأسابيع الأولى أخفّ ما يكون، وأنه بعد نفخ الروح يجوز لإنقاذ حياة الأم. والمرأة التي تحمل الجنين في بدنها هي التي تزن أسبابها بين يدي الله.
ماذا يقول القرآن عن الإجهاض؟
لا يذكر القرآن الإجهاض باسمه، لكنه يصف نموّ الإنسان أطواراً:
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ
ونقل ابن كثير (ت 1373م) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسّر قوله ﴿خَلۡقًا ءَاخَرَ﴾ (سورة المؤمنون: 14) بنفخ الروح في الجسد. فالآية تحدد منعطفاً في حياة الجنين، وعليها بنى الفقهاء أحكامهم.
أما الآيات التي تنهى عن قتل الأولاد ﴿خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖ﴾ (سورة الإسراء: 31؛ وانظر سورة الأنعام: 151) فتخاطب أولاداً قد وُلدوا. وهي تدين وأد البنات في الجاهلية، تلك البنت التي تُسأل ﴿بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ﴾ (سورة التكوير: 8-9).
متى تُنفخ الروح في الجنين في الإسلام؟
وصف النبي ﷺ أطوار الجنين في الرحم في حديث مشهور رواه عبد الله بن مسعود:
«إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ»
ثم يمضي الحديث فيذكر أنه بعد هذه الأطوار الثلاثة يُرسَل الملك فيُنفخ فيه الروح، أي عند مئة وعشرين يوماً. وفي رواية أخرى أن الملك يأتي ليصوّر النطفة بعد ثنتين وأربعين ليلة (صحيح مسلم 2645). ومن هاتين الروايتين جاء الحدّان اللذان يدور عليهما فقه الإجهاض: الأربعون يوماً، والمئة والعشرون يوماً.
ماذا تقول المذاهب الأربعة في الإجهاض؟
- الحنفية. كتب ابن الهمام (ت 1457م) في «فتح القدير» أن الإسقاط يباح ما لم يتخلّق منه شيء، وربط الحنفية ذلك بمئة وعشرين يوماً. وأجازه الحصكفي (ت 1677م) قبل نفخ الروح لعذر، ونقل ابن عابدين (ت 1836م) المثال المشهور: مرضع ينقطع لبنها بحمل جديد، ولا يجد زوجها ما يستأجر به مرضعاً، وتخاف على رضيعها الهلاك. وعدّ بعض الحنفية الإجهاض المبكر مكروهاً.
- الشافعية. كتب شمس الدين الرملي (ت 1596م) في «نهاية المحتاج» أن الراجح تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح وجوازه قبله. ووافقه القليوبي، وذكر أن الغزالي أخذ بالقول الأشد.
- الحنابلة. كتب المرداوي (ت 1480م) في «الإنصاف» أن شرب الدواء لإلقاء النطفة جائز، ونقل أن ابن عقيل أجاز الإجهاض قبل نفخ الروح، وخالف في ذلك ابن الجوزي.
- المالكية. كان المذهب المالكي أشد المذاهب الأربعة، فقد ذهب الدردير إلى أنه لا يجوز إخراج ما تكوّن في الرحم ولو قبل الأربعين.
- الجعفرية. يحرّم فقهاء الشيعة الإجهاض عموماً من أول الحمل، ويجيزونه إذا كانت حياة الأم في خطر.
وفي العصر الحديث أجازت هيئة كبار العلماء في السعودية الإجهاض في الأربعين يوماً الأولى لمصلحة شرعية أو دفعاً لضرر.
متى يجوز الإجهاض بعد مئة وعشرين يوماً؟
بعد نفخ الروح يتفق العلماء على تحريم الإجهاض إلا لإنقاذ الأم. وقد أجازت دار الإفتاء المصرية، في فتوى للدكتور علي جمعة سنة 2004، الإجهاض في هذه المرحلة إذا كانت حياة الأم في خطر دون غير ذلك. ويعلّل الفقهاء القائلون بذلك بأن حياتها ثابتة متيقَّنة، وحياة الجنين متوقفة على حياتها، والشريعة تختار أخف الضررين. ويقرر الأطباء والأم معاً متى بلغ الأمر ذلك الحد.
هل يجوز الإجهاض بسبب الاغتصاب أو تشوّه الجنين الخطير؟
في فبراير (شباط) 1990 قرّر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته المنعقدة بمكة المكرمة، جواز الإجهاض قبل مئة وعشرين يوماً إذا ثبت بقرار لجنة طبية أن الجنين مشوّه تشويهاً خطيراً غير قابل للعلاج، وكان ذلك بطلب من الوالدين. وفي سنة 2005 أقرّ البرلمان الإيراني قانوناً يبيح الإجهاض في الأشهر الأربعة الأولى لتشوّه الجنين الخطير أو لخطر على حياة الأم. ويعدّ كثير من العلماء المعاصرين الحمل من الاغتصاب من الأعذار المعتبرة لإنهاء الحمل قبل مئة وعشرين يوماً، ويحثّون على المبادرة. وفي الإعاقة والكرامة عموماً انظر جواب ماذا يقول الإسلام عن الإعاقة؟بالإنجليزية
من يتخذ القرار؟
يتحدث القرآن عن الحمل على أنه أمر تحمله المرأة في بدنها، وتتحمل مشقته:
حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗا
والأعذار التي قبلها الفقهاء، من انقطاع لبن الأم إلى الخطر على صحتها، تدور كلها على مصلحتها ومصلحة أسرتها. فالقرار لها، تتخذه بضميرها، ومع أطبائها، ومع من تثق بهم من الناس، و﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ﴾ (سورة البقرة: 185). وعلى الأسرة والمجتمع أن يحفظوا سترها ويرفقوا بها، ولا يحق لأحد أن يعيّرها. ورؤية القرآن الأوسع للمرأة مبسوطة في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟، أما منع الحمل غير المرغوب فيه، وهو أيسر من ذلك، ففي جواب هل منع الحمل حرام؟
وتبيح عدة بلدان ذات أغلبية مسلمة الإجهاض في أول الحمل بحكم القانون، منها تونس (منذ 1973) وتركيا (منذ 1983).
ماذا لو كنتُ قد أجهضت؟
كثير من النساء يحملن تجربة الإجهاض في صمت سنين طويلة. وعلى القول الأرجح فالإجهاض المبكر لسبب معتبر لا إثم فيه. وإن كنتِ تشعرين بندم أو حزن فضعيه بين يدي الله الذي قال: ﴿لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (سورة الزمر: 53). وانظري جواب هل يغفر الله جميع الذنوب؟ والحزن بعد انتهاء الحمل، باختيار أو بإسقاط، حزن حقيقي، يستحق منكِ ومن حولكِ رفقاً ولطفاً.
دعاء في الختام
تعطي آخر آية من سورة البقرة كل مؤمن كلمات للحمل الذي ينوء به:
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآ
رزق الله كل امرأة تواجه هذا السؤال البصيرة والعافية والطمأنينة، وأحاطها برحمته في كل ما تقرره.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل الإجهاض حرام قبل ثلاثة أشهر؟
جعل أكثر الفقهاء المتقدمين نفخ الروح عند مئة وعشرين يوماً، أي نحو أربعة أشهر، وأجاز كثير من علماء الحنفية والشافعية والحنابلة الإجهاض قبل ذلك، واشترط بعضهم سبباً معتبراً. والأمر في الأربعين الأولى أخف ما يكون.
هل يجوز الإجهاض بعد الاغتصاب؟
نعم. فالعلماء الذين يشترطون للإجهاض سبباً يعدّون الحمل من الاغتصاب من الأسباب المعتبرة، ويحثّون على المبادرة ما أمكن. والمرأة التي أصابها ذلك أهل لكل رعاية، ولا لوم عليها.
هل يجوز الإجهاض بسبب تشوّه الجنين الخطير؟
قرّر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي سنة 1990 جواز الإجهاض قبل مئة وعشرين يوماً إذا ثبت لدى الأطباء أن الجنين مشوّه تشويهاً خطيراً غير قابل للعلاج، بطلب من الوالدين. وأقرّ البرلمان الإيراني قانوناً مشابهاً سنة 2005.
ما رأي الشيعة في الإجهاض؟
فقهاء الجعفرية أشد في ذلك، ويحرّمون الإجهاض عموماً من أول الحمل إلا إذا كانت حياة الأم في خطر. ومع ذلك يجيز القانون الإيراني الصادر سنة 2005 الإجهاض في الأشهر الأربعة الأولى لتشوّه الجنين الخطير أو لخطر على حياة الأم.
هل يغفر الله للمرأة التي أجهضت؟
الله يغفر الذنوب جميعاً لمن أقبل عليه (سورة الزمر: 53)، وكثير من حالات الإجهاض لا إثم فيها أصلاً على القول الأرجح. والمرأة التي تحمل حزناً أو ندماً تستطيع أن تضعه بين يدي الله، وهو أعلم بحالها من كل أحد.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن الهمام، «فتح القدير»؛ ابن عابدين، «رد المحتار على الدر المختار»
- شمس الدين الرملي، «نهاية المحتاج»؛ المرداوي، «الإنصاف»
- دار الإفتاء المصرية، «إجهاض الجنين المشوه» (علي جمعة، 2004)
- المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، الدورة الثانية عشرة (مكة المكرمة، 1990)، قرار في إسقاط الجنين المشوّه
- صحيح البخاري 3208؛ صحيح مسلم 2645
الصورة: Bgag, The Shah-i-Zinda necropolis, Samarkand, 2023. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور