هل يجوز قطع القناة المنوية أو ربط قناتي فالوب؟

سؤال رقم 1185

السؤال

هل يجوز للرجل المسلم أن يُجري عملية قطع القناة المنوية، أو للمرأة المسلمة أن تربط قناتي فالوب، وسيلةً دائمة لمنع الحمل؟

ملخص الجواب

اختلف العلماء في منع الحمل الدائم. فقد حرّم مجمع الفقه الإسلامي الدولي (1988) التعقيم إلا للضرورة، ومنها أن يكون حمل آخر خطراً على حياة المرأة أو صحتها. والقول الأرجح يجيز كذلك قطع القناة المنوية أو ربط قناتي فالوب لزوجين اكتملت أسرتهما وقرّرا ذلك معاً بعد تفكير متأنٍّ. فهو امتداد للعزل الذي فعله الصحابة، ويختلف عن الخصاء الذي نهى عنه النبي ﷺ، وقد أقرّته السلطات الدينية في إيران سنة 1990.

الجواب

الحمد لله

The tall stone facade of a Mamluk hospital, madrasa, and mausoleum complex, with pointed-arch windows, a dome, and an ornate minaret against a blue sky.

يصل كثير من الأزواج المسلمين إلى مرحلة يشعرون فيها أن أسرتهم قد اكتملت: فقد رُزقوا بالأولاد الذين تمنّوهم، أو أنهكت الولاداتُ المتعددة صحةَ الأم، أو حذّر الطبيب من أن حملاً آخر سيكون خطراً. فيسألون حينئذ: هل يجوز للزوج أن يقطع القناة المنوية، أو للزوجة أن تربط قناتي فالوب؟ وقد اختلف العلماء في منع الحمل الدائم، والقول الأرجح أن قطع القناة المنوية أو ربط قناتي فالوب جائز إذا وُجد سبب طبي، وجائز كذلك إذا قرّره معاً زوجان اكتملت أسرتهما بعد تفكير متأنٍّ.

هل قطع القناة المنوية حرام في الإسلام؟

منع الحمل في ذاته جائز. فقد قال الصحابي جابر رضي الله عنه: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَنْهَنَا» (صحيح مسلم 1440). وعلى هذه الرخصة بنت المذاهب السنية الأربعة والمذهب الجعفري، كما هو مبيّن في هل منع الحمل حرام؟

والوسائل الدائمة تثير مسألة أخرى، وقد اختلف فيها العلماء. ففي ديسمبر (كانون الأول) 1988 أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي، في دورته بالكويت، للزوجين أن يباعدا بين فترات الحمل أو يوقفاه مدةً بالتراضي بينهما، لكنه قرر في القرار رقم 39 أنه «يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بالإعقام أو التعقيم، ما لم تدعُ إلى ذلك الضرورة». ويستدل أصحاب هذا القول أيضاً بالأحاديث التي ردّ فيها النبي ﷺ طلب الصحابة أن يختصوا، إذ قال ابن مسعود: «فَقُلْنَا أَلاَ نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ» (صحيح البخاري 5075)، وكذلك «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ» (صحيح البخاري 5073)، أي رغبته في ترك الزواج، ويستدلون بالآية التي تذكر تغيير خلق الله (سورة النساء: 119). والمسلمون الذين يأخذون بهذا القول يعملون بعلم معتبر.

لماذا يجيزه كثير من العلماء؟

القول الأرجح يجيز قطع القناة المنوية أو ربط قناتي فالوب في حالتين.

إذا وُجد سبب طبي

قرار مجمع الفقه نفسه يجيز التعقيم للضرورة. فالمرأة التي يهدد حملٌ آخر حياتَها أو صحتها، كأن يكون ذلك بعد عدة ولادات قيصرية أو مع مرض خطير في القلب أو الكلى، لها أن تربط قناتي فالوب، أو أن يقطع زوجها القناة المنوية لتُجنَّب هي هذا الخطر. وحفظ النفس أول مقاصد الشريعة، والله لا يطلب من المؤمن أن يُقدم على الخطر.

إذا اكتملت أسرة الزوجين

قطع القناة المنوية وربط قناتي فالوب يختلفان عن الخصاء الذي نهى عنه النبي ﷺ. فالصحابة الذين سألوا عن الخصاء كانوا شباناً لا زوجات لهم، أرادوا أن يقطعوا الشهوة نفسها. والخصاء يستأصل عضواً ويُتلف وظيفة من وظائف البدن. أما قطع القناة المنوية فلا يفعل إلا أن يسدّ القناة التي تحمل الحيوانات المنوية، وربط قناتي فالوب لا يفعل إلا أن يغلق طريق البويضة، وتبقى الشهوة والهرمونات والعلاقة الزوجية على حالها. فهذان الإجراءان في حقيقتهما يجعلان العزل المباح دائماً، ويمكن عكسهما في حالات كثيرة، وإن لم يكن ذلك ممكناً دائماً.

ومصلحة الأسرة لها وزنها في الميزان كذلك. فقد قبل الغزالي (ت 1111م) حفظ صحة الزوجة واتقاء الحرج من كثرة العيال سببين صحيحين لمنع الحمل، ويقول القرآن في شأن كل أسرة: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 233). وفي سنة 1990 أعلن المجلس الأعلى للقضاء في إيران أن التعقيم لا يخالف مبادئ الإسلام ولا قوانين البلاد، وقدّم برنامج تنظيم الأسرة في إيران، الذي سار بدعم من قادتها الدينيين، عمليات قطع القناة المنوية وربط قناتي فالوب مجاناً.

هل يحتاج قطع القناة المنوية إلى موافقة الزوجة؟

القرارات المتعلقة بالأولاد حق للزوجين كليهما. فقد اشترط الفقهاء المتقدمون إذن الزوجة في العزل، لأن الولد والاستمتاع من حقها أيضاً، وطلب مجمع الفقه أن يكون منع الحمل «بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراضٍ». والقرآن يصف حتى فطام الطفل بهذه العبارات:

فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا

سورة البقرة: 233

فقرارٌ في خطورة منع الحمل الدائم أولى بهذا التراضي، والحكم نفسه إذا كانت الزوجة هي التي تُجري العملية.

ماذا يراعي الزوجان قبل الاختيار؟

  • تحدّثا مع الطبيب عن الوسائل طويلة المفعول القابلة للعكس، كاللولب أو الغرسة، فقد تفي بحاجتكما دون أن تكون دائمة.
  • تمهّلا في القرار. فالحياة تأتي بالتغيرات، والخطوة الدائمة ينبغي أن تُتخذ بتروٍّ وسكينة، لا في لحظة إرهاق.
  • قرّرا معاً، وصلّيا صلاة الاستخارة إن ترددتما.
  • اعرفا الحقائق الطبية. فجراحة إعادة الوصل موجودة للإجراءين كليهما، لكنها لا تنجح دائماً، ويبقى أطفال الأنابيب خياراً للزوجين إن رغبا في الولد لاحقاً (هل أطفال الأنابيب حرام؟، هل يجوز تجميد البويضات في الإسلام؟).
  • افصلا بين المسألتين. فمنع الحمل شيء، وإنهاؤه شيء آخر (ما حكم الإجهاض في الإسلام؟).

كلمة في الختام

يتحدث القرآن عن أحكام الأسرة مقرونةً بوعد بالتخفيف:

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا

سورة النساء: 28

بارك الله لكم في الأولاد الذين وهبكم، وحفظ صحة كل أم، وملأ بيوتكم رحمة وسكينة.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم ربط قناتي فالوب في أثناء الولادة القيصرية؟

لا يحرم إذا وُجد سبب طبي، أو اكتملت أسرة الزوجين واتفقا عليه. فتكرار الولادة القيصرية يحمل مخاطر متزايدة، وحفظ حياة الأم وصحتها من مقاصد الشريعة، ومجمع الفقه نفسه يجيز التعقيم للضرورة.

ما رأي الشيعة في قطع القناة المنوية؟

أعلن المجلس الأعلى للقضاء في إيران سنة 1990 أن التعقيم لا يخالف مبادئ الإسلام، وقدّم البرنامج الوطني لتنظيم الأسرة في إيران عمليات قطع القناة المنوية وربط قناتي فالوب مجاناً. وعلى المسلم الشيعي أن يرجع في التفاصيل إلى مكتب مرجعه.

هل يجوز للرجل غير المتزوج أن يقطع القناة المنوية؟

الإذن مبني على قرار متأنٍّ في شأن الأسرة. فالرجل الذي لم يتزوج ينبغي أن يكون أشد احتياطاً، لأن لزوجته في المستقبل حقاً في مشاركته القرار في شأن الأولاد، والوسائل القابلة للعكس تُبقي هذا الباب مفتوحاً.

إن ندمت على قطع القناة المنوية، فهل أكون قد أثمت؟

القرار الذي يُتخذ بحسن نية على أساس علمي سليم لا إثم فيه. وإن رغبت في الإنجاب من جديد، فجراحة إعادة الوصل وعلاجات الخصوبة خيارات مشروعة، والله يهب الأولاد لمن يشاء.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 39 (1/5) بشأن تنظيم النسل (الكويت، 1988)، في «قرارات وتوصيات» (الطبعة الإنجليزية الثالثة، 2024)
  2. C. Adams وA. Manenti، عن الصحة والدين في برنامج تنظيم الأسرة الإيراني، Eastern Mediterranean Health Journal 18:8 (2012)
  3. صحيح مسلم 1440؛ صحيح البخاري 5073، 5075
  4. عبد الرحيم عمران، Family Planning in the Legacy of Islam (روتليدج، 1992)

الصورة: Marsupium, The complex of Sultan Qalawun, Cairo, 2024. CC BY 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور