هل نتف الحواجب حرام؟
سؤال رقم 1016
السؤال
هل يجوز نتف الحواجب أو تهذيبها بالخيط أو تشكيلها، وما معنى حديث النامصات؟
ملخص الجواب
تهذيب الحواجب حلال للنساء والرجال. فقد فسّر العلماء المتقدمون حديث لعن المتنمّصات بعلله: التدليس، وزينة النساء اللواتي كنّ يتعرّضن للفجور، والتغيير الدائم للبدن. وأجازت عائشة رضي الله عنها للمرأة أن تزيل شعر وجهها، ونقل القاضي عياض قول المالكية الذين قصروا التحريم على التغيير الدائم، وتفتي دار الإفتاء المصرية بأن التحريم يسقط حيث تنتفي علته. والشعر الذي ينبت من جديد لا يغيّر في البدن شيئاً تغييراً دائماً.
الجواب
الحمد لله

تهذيب الحواجب من أبسط أمور الزينة وأكثرها شيوعاً، وهو مع ذلك من أشدها إقلاقاً لنساء مسلمات سمعن حديثاً واحداً يُحتجّ به عليه. والحكم أن نتف الحواجب أو تهذيبها بالخيط أو تشكيلها حلال للنساء والرجال. والحديث ثابت صحيح، غير أن العلماء المتقدمين أنفسهم بيّنوا أن النهي فيه قائم على علل مخصوصة، فإذا انتفت تلك العلل انتفى النهي.
ماذا يقول حديث النامصات؟
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى» (صحيح البخاري 5931). وفي صحيح مسلم أن امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت قد قرأت القرآن كله، أتته تسأله عن ذلك وتقول إنها لم تجده في كتاب الله، فأجابها بقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (سورة الحشر: 7؛ صحيح مسلم 2125).
وفي رواية أخرى يزيد ابن عباس قيداً، فاللعن إنما يقع على هذه الأفعال إذا كانت «مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» (سنن أبي داود 4170). وفسّر أبو داود الكلمة فقال: «وَالنَّامِصَةُ الَّتِي تَنْقُشُ الْحَاجِبَ حَتَّى تَرِقَّهُ». فالنص نفسه يقبل الاستثناء، ولذلك اشتغل العلماء بالنظر في علّته.
لماذا قيّد العلماء هذا النهي؟
سأل الفقهاء عمّا جعل هذه الأفعال محرّمة، لأن الحكم في الشريعة يدور مع علته وجوداً وعدماً: فإذا وُجدت العلة ثبت الحكم، وإذا انتفت سقط. وقد ذكروا عللاً عدة:
- التدليس. فسّر الخطابي والقرطبي والكرماني النهي بأنه من باب الغش: أن تظهر المرأة على غير حقيقتها، ولا سيما لرجل يريد الزواج بها. وقد سمّى النبي ﷺ وصل الشعر «الزُّورَ» (صحيح البخاري 5938).
- شعار الفجور. ذهب ابن الجوزي (ت 1201م) في «كشف المشكل» إلى أن الحديث في نساء كنّ يتزيّنّ بذلك ليتعرّضن للرجال. وعلى هذا الفهم يتعلق النهي بعادة كانت علامة على فئة بعينها في ذلك المجتمع.
- التغيير الدائم. نقل القاضي عياض (ت 1149م)، الإمام المالكي شارح صحيح مسلم، عن علماء المالكية أن التحريم إنما هو فيما يبقى من تغيير البدن، وأن الزينة التي لا تبقى لا بأس بها. ونقل كذلك خبراً أن عائشة رضي الله عنها أجازت للزوجة أن تزيل الشعر من جبينها ووجهها.
وأخذت المذاهب بهذه الأفهام كلٌّ على طريقته. فقد كتب ابن عابدين (ت 1836م) في «رد المحتار» أن الحديث قد يُحمل على المرأة التي تتزين للأجانب. ونقل ابن قدامة (ت 1223م) في «المغني» أن نهي الإمام أحمد إنما هو عن النتف، فبقي حلق الحاجب مباحاً. وقال النووي (ت 1277م) إن مثل هذا التغيير جائز عند الحاجة إلى علاج أو إزالة عيب.
وجمعت دار الإفتاء المصرية هذه الخيوط في فتوى لمفتي الجمهورية شوقي علام، قرّر فيها أن التحريم غير مطلق، وأنه يدور مع علته، وأن تهذيب الحواجب لغرض مشروع جائز.
هل نتف الحواجب حرام اليوم؟
يرى بعض العلماء، ولا سيما في المذهب الحنبلي والاتجاه السلفي المعاصر، أن نتف الحواجب محرّم لأي غرض كان. وهو قول معتبر، ومن أخذت به من النساء فهي على نية حسنة.
والقول الأرجح أن تهذيب الحواجب جائز لكل امرأة، متزوجة كانت أو غير متزوجة. فلا تنطبق أي من العلل التي ذكرها العلماء على الزينة المعتادة اليوم: فالحاجب المهذّب لا يخدع أحداً، إذ يعلم الناس جميعاً أن الحواجب تُهذَّب؛ ولا يحمل علامة فجور في أي مجتمع معاصر؛ والشعر ينبت من جديد في أسابيع، فلا يتغير شيء من خلق الله تغييراً دائماً. وقد وصف القرآن النبي ﷺ بأنه جاء ليرفع عن الناس أثقالهم:
وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡ
وفهم الحديث في ضوء علته هو منهج العلماء الدائم في التعامل مع النصوص؛ انظر جواب كيف يُفسَّر القرآن؟ والاستدلال نفسه ينطبق على الوشم، كما في جواب هل الوشم حرام؟، وعلى مستحضرات التجميل في جواب هل المكياج حرام؟
هل يحرم تهذيب الحواجب بالخيط أو الشمع أو صبغها؟
الخيط والشمع والملقط والقصّ كلها تزيل شعراً ينبت من جديد، فحكمها واحد. وصبغ الحواجب ضرب من الخضاب، والسنة تحثّ على خضاب الشعر (هل صبغ الشعر حرام؟). أما رسم الحواجب بالوشم شبه الدائم (المايكروبليدنغ) فحكمه حكم الوشم.
هل يجوز للرجال نتف حواجبهم؟
نعم. فللرجل أن يهذّب حاجبيه، ويزيل الشعرات الشاردة، ويزيل الشعر بين الحاجبين. وكثير من العلماء المتشددين في حواجب النساء يجيزون إزالة الشعر بين الحاجبين، لأنه خارج عن الحاجب نفسه. وما يليق بالرجل من الزينة في ثقافته يُرجع فيه إلى العرف، كما هو الشأن في اللحية (هل حلق اللحية حرام؟).
كلمة في الختام
الدين الذي أنزله الله دين يسر:
يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ
فهذّبوا حواجبكم كما تحبون، بالخيط أو بغيره، أو دعوها كما تنبت. وتزيّنوا بضمير مطمئن، وطهّروا قلوبكم من الغرور والتدليس اللذين يحذّر منهما الحديث، فالسلامة من التدليس هي الجمال الذي يبقى.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم تهذيب الحواجب بالخيط أو الشمع؟
لا. فالخيط والشمع والقصّ والنتف كلها تزيل شعراً ينبت من جديد، فحكمها واحد. وقد قصر فقهاء الحنابلة التحريم القديم على النتف، وأباحوا الحلق.
هل تحرم إزالة الشعر بين الحاجبين؟
لا. فالشعر بين الحاجبين خارج عن الحاجب نفسه، وكثير من العلماء المتشددين في النتف يجيزون إزالته. وعلى القول الأرجح فتهذيب الحاجب كله جائز.
هل يحرم نتف الحواجب على الرجال؟
لا. فللرجل أن يهذّب حاجبيه ويزيل ما بينهما من شعر. وما يُعدّ من زينة الرجال أو زينة النساء يُرجع فيه إلى عرف كل بلد، كما بيّن الفقهاء.
ماذا يقول المذهب الحنفي في نتف الحواجب؟
ذهب ابن عابدين، عمدة متأخري الحنفية، إلى أن الحديث قد يُحمل على المرأة التي تتزين للأجانب، ورأى أن إزالة المرأة ما يكرهه زوجها من شعرها لا إثم فيها. وعلى هذا أجاز كثير من علماء الحنفية النتف للمرأة المتزوجة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 5931؛ صحيح مسلم 2125
- سنن أبي داود 4170
- دار الإفتاء المصرية، فتوى «توجيه التعارض بين تهذيب المرأة لحاجبيها وحديث لعن الله النامصات» (شوقي علام)
- القاضي عياض، «إكمال المعلم بفوائد مسلم»
- ابن عابدين، «رد المحتار»
- ابن قدامة، «المغني»
الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور