هل الوشم حرام؟
سؤال رقم 1017
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يضع وشماً، وهل يصح الوضوء والصلاة مع الوشم؟
ملخص الجواب
الوشم جائز على القول الأرجح. فالحديث الذي لعن الوشم كان في ممارسات بعينها في زمانه، كالشامات المصطنعة ووشم اللثة، وقد فهم بعض المتقدمين، ومنهم ابن عباس، تحذير القرآن من تغيير خلق الله تحذيراً من إفساد دينه. ويفتي آية الله السيستاني بجواز الوشم، ويتفق العلماء جميعاً على أن الوضوء والغسل والصلاة صحيحة مع الوشم.
الجواب
الحمد لله

من المسلمين من يحمل وشماً من حياته قبل الإسلام، ومنهم من يريد رسماً يخلّد شخصاً أو لحظة يحبها، وكثير منهم سمعوا أن الوشم يُذهب أجر صلاتهم. والقول الأرجح أن الوشم جائز. فالوضوء والغسل والصلاة صحيحة مع الوشم باتفاق العلماء، والحديث الذي ذمّ الوشم أحسن ما يُفهم به أن يُقرأ في ضوء الممارسات التي سمّاها في زمانه.
ماذا يقول حديث الوشم؟
روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الله لعن الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، «الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى» (صحيح البخاري 5931). وروى ابن عمر الحديث بلفظ أقصر، وفسّر تلميذه نافع، الذي نقله عنه، الوشمَ المقصود فقال: «الْوَشْمُ فِي اللِّثَةِ» (صحيح البخاري 5937).
وروى أبو داود عن ابن عباس رواية أخرى فيها قيد مهم: فاللعن يقع على هذه الأفعال إذا كانت «مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» (سنن أبي داود 4170). وفسّر أبو داود عمل الواشمة فقال: «وَالْوَاشِمَةُ الَّتِي تَجْعَلُ الْخِيلاَنَ فِي وَجْهِهَا بِكُحْلٍ أَوْ مِدَادٍ» (سنن أبي داود 4170)، أي تضع الشامات في وجه المرأة. فالحديث كان ينظر إلى ممارسات محددة: تسويد اللثة، والشامات والعلامات المصطنعة على الوجه، تُصنع لتظهر المرأة على غير حقيقتها.
هل الوشم تغيير لخلق الله؟
العبارة الواردة في الحديث صدى لآية يتوعّد فيها الشيطان أن يأمر الناس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِ﴾ (سورة النساء: 119). وقد اختلف المفسرون الأوائل في معناها. فذكر الطبري (ت 310هـ/923م) أن بعضهم قال: هو الخصاء، وقال الحسن البصري: هو الوشم. وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي: هو دين الله، ورجّح الطبري قولهم، واستشهد له بهذه الآية:
فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِ
فعلى هذا القول يكون مقصد الشيطان إفساد الإيمان والفطرة الخلقية التي أودعها الله في كل إنسان. ورأى الطبري أن الآية تعمّ كل معصية. أما كون فعل بعينه معصية أو لا، فمرجعه إلى الأدلة الواردة فيه.
ولم يعدّ العلماء قط كل تغيير في البدن محرّماً. فالختان، وقص الشعر، وتقليم الأظفار، وثقب الأذنين، كلها تغيّر البدن. وكانت نساء المدينة يلبسن الأقراط في آذان مثقوبة، وتصدّقن بها حين حثّهن النبي ﷺ على الصدقة يوم العيد (صحيح البخاري 5883). فالسؤال دائماً عن غاية التغيير وأثره. وعلى هذا النظر نفسه يقوم حكم تهذيب الحاجبين، كما في جواب هل نتف الحواجب حرام؟
ماذا قال العلماء في الوشم؟
ذهبت المذاهب السنية الأربعة إلى تحريم الوشم، وفهمت الحديث على أنه قاعدة عامة. وهذا قول معتبر، ويتجنب كثير من المسلمين الوشم احتراماً له.
ولكبار مراجع الشيعة رأي آخر. فمكتب آية الله السيستاني يفتي بأن الوشم تحت الجلد جائز في نفسه، للرجال والنساء، بشرط ألّا يروّج الرسم لباطل أو محرّم. ويضيف السيستاني أن الأولى في الغالب تركه، وأن على المرأة أن تستر عن الرجال الأجانب الوشم الذي يعدّه العرف زينة. وفي الفروق الأوسع بين المذهبين انظر ما الفرق بين السنة والشيعة؟
وقد كانت حياة المسلمين أوسع من كتب الفقه منذ زمن بعيد. فالنساء الأمازيغيات في المغرب والجزائر وتونس وليبيا تزيّنّ بوشم الوجه علامةً على الخطبة والزواج وبلوغ مبلغ النساء، وهي عادة أقدم من الإسلام استمرت قروناً بعده. ووضعت النساء الكرديات في العراق وتركيا وسوريا وإيران «الدَّق»، وهو وشم من نجوم ونباتات بين العينين وعلى الذقن. ووشم البدو من نساء ورجال في صحارى جزيرة العرب وشوم قبائلهم. وكانت كثيرات من هؤلاء النساء مسلمات متدينات، وعاشت العادة قروناً إلى جانب الصلاة والصيام، حتى خبت في العقود الأخيرة بفعل التعليم الأشد وتغيّر الأذواق.
والقول الأرجح يجمع هذه الخيوط. فالحديث ذمّ الشامات المصطنعة المخادعة وممارسات زمانه. أما وشم يُختار علانيةً فناً أو ذكرى أو هويةً فلا يخدع أحداً، وليس في القرآن ما يحرّمه.
هل يؤثر الوشم في الوضوء والصلاة؟
لا. فحبر الوشم تحت الجلد، والماء يصل إلى ظاهر البشرة في الوضوء والغسل، فيتمّان. وحتى العلماء الذين يحرّمون الوشم متفقون على أن صاحب الوشم يصلي ويصوم ويحج ويُدفن كسائر المسلمين. وخطوات الوضوء مبيّنة في جواب ما كيفية الوضوء خطوة بخطوة؟
وكثيراً ما يقلق المسلمون الجدد من وشوم ماضيهم. والإسلام يَجُبّ ما قبله، ولا يلزم أحداً ممن أسلم أن يزيل وشمه؛ انظر كيف أدخل الإسلام؟
ما الذي أفكر فيه قبل أن أضع وشماً؟
- الرسم. اختر ما يسرّك أن تحمله طوال عمرك، واجتنب الصور التي تسخر من الإيمان أو تمجّد القسوة.
- الكلمات المقدسة. يتجنب كثير من المسلمين وشم الآيات القرآنية وأسماء الله، لأن البدن يدخل مواضع النجاسة.
- صحتك. اختر واشماً مرخّصاً يستعمل أدوات معقّمة، فحفظ البدن من مقاصد الشريعة.
- البدائل المؤقتة. الحناء والوشم المؤقت جائزان على كل الأقوال، وينبّه السيستاني إلى أن الوشم المؤقت لا يؤثر في الوضوء إذا ترك لوناً بلا طبقة عازلة.
كلمة في الختام
خلق الله الإنسان جميلاً منذ البدء:
لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ
ومهما اخترت لبشرتك، فاحفظ الصورة الباطنة: فطرة الإيمان والرحمة والصدق التي لا يغيّرها حبر.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل تصح الصلاة مع الوشم؟
نعم. فحبر الوشم تحت الجلد، والماء يصل إلى البشرة في الوضوء والغسل، فصلاتك صحيحة. وعلى هذا يتفق حتى العلماء الذين يكرهون الوشم.
هل الوشم حرام عند الشيعة؟
يفتي آية الله السيستاني بأن الوشم تحت الجلد جائز في نفسه، ولا يؤثر في الوضوء والغسل والصلاة، للنساء والرجال، ما دام الرسم لا يروّج لباطل أو محرّم. ويضيف أن الأولى في الغالب تركه.
هل يجب أن أزيل الوشم إذا أسلمت؟
لا. فما مضى من حياة المسلم الجديد مغفور، والإزالة مؤلمة ومكلفة. ووشمك لا يؤثر في صلاتك ولا في مكانك بين المسلمين.
هل يجوز وشم آية قرآنية أو اسم الله؟
يؤثر كثير من المسلمين تركه تعظيماً، لأن البدن يدخل الخلاء ولا يمكن فصل الكلمات عنه. أما الخط العربي لكلمات أخرى، أو الزخارف المستوحاة من الفن الإسلامي، فلا حرج فيها من هذه الجهة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 5931 و5937
- سنن أبي داود 4170
- الطبري، «جامع البيان»، تفسير سورة النساء: 119
- مكتب آية الله السيستاني، استفتاءات في الوشم
- Middle East Eye، Partridge eyes and stars: Traditional tattoos of Amazigh, Bedouin and Kurdish women
الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور