هل بطاقات الائتمان حرام؟

سؤال رقم 1177

السؤال

هل يجوز للمسلم أن يحمل بطاقة ائتمان ويستعملها، ولا سيما إذا كان يسدد رصيدها كاملاً كل شهر؟

ملخص الجواب

استعمال بطاقة الائتمان حلال. فالبطاقة التي يُسدَّد رصيدها كاملاً كل شهر لا تكلّف صاحبها شيئاً من الفائدة، وقد اشترى النبي ﷺ نفسه طعاماً بثمن مؤجل (صحيح البخاري 2068). ويعترض بعض العلماء على توقيع عقد فيه شرط الفائدة وإن لم يُطبَّق قط، والبطاقات الإسلامية متاحة لمن يفضّلها. والخطر الحقيقي هو الدين، فقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله منه، فسدّد في الموعد وأنفق في حدود قدرتك.

الجواب

الحمد لله

A gold coin on dark cloth with Arabic inscriptions in plain Kufic letters across its face and around its rim.

هل بطاقات الائتمان حرام؟ كثير من المسلمين لا يكادون يستغنون عن بطاقة الائتمان، فهي مطلوبة لاستئجار سيارة، وحجز فندق، والشراء عبر الإنترنت بأمان، وبناء السجل الائتماني الذي ينظر فيه المؤجرون والمقرضون. والقول الأرجح أن حمل بطاقة الائتمان واستعمالها حلال. فمن سدّد رصيدها كاملاً كل شهر لم يدفع فائدة قط، والشراء اليوم مع تأجيل الدفع أمرٌ فعله النبي ﷺ بنفسه. وإنما يحذّر التراث من الدين، وهناك ينبغي أن يكون حرص المسلم.

هل اشترى النبي ﷺ بثمن مؤجل؟

يتعامل القرآن مع البيع المؤجل الثمن على أنه أمر معهود، ويضع له أحكاماً تحفظ العدل فيه:

إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُ

سورة البقرة: 282

وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من تاجر يهودي بثمن مؤجل، وترك عنده درعه رهناً:

«اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ»

صحيح البخاري 2068

فالشراء بثمن مؤجل، من دائن على غير دين المشتري، مع كتابة الدين وتوثيقه برهن، من السنة. وبطاقة الائتمان صورة حديثة للمعاملة نفسها.

هل بطاقة الائتمان ربا؟

يدفع البنك المصدر للبطاقة ثمن مشترياتك إلى المتجر فوراً، ثم تسدد أنت للبنك فيما بعد. فإذا سددت رصيد الكشف كاملاً قبل موعد الاستحقاق لم يحتسب البنك أي فائدة، وإنما يأتيه دخله من الرسم الذي يدفعه التاجر ومن الرسم السنوي إن وُجد، وكلاهما أجرة على خدمة. ولا تُحتسب الفائدة إلا على رصيد يتجاوز موعد الاستحقاق، أو على السحب النقدي من البطاقة.

وقد اختلف العلماء في ذلك. فكثير من المجامع الفقهية المعاصرة ترى أن توقيع عقد فيه شرط الفائدة محرم في ذاته، حتى لمن ينوي ألا يقع فيه أبداً، وتوصي ببطاقات الخصم المباشر أو بالبطاقات الإسلامية بدلاً منها. والبطاقات الإسلامية، المتاحة في ماليزيا والخليج وغيرهما، تستبدل بالفائدة رسوماً أو عقوداً قائمة على البيع. وهذا قول معتبر، ومن أخذ به من المسلمين فقد عمل بعلم رصين.

والقول الأرجح جواز البطاقة التقليدية، لثلاثة أسباب. أولها أن من يسدد الرصيد كاملاً دائماً لا يدفع أي زيادة، والشرط الذي لا يُطبَّق أبداً لا يأخذ من أحد شيئاً. وثانيها أن كثيراً من العلماء، ومنهم مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سنة 2002، يرون أن الفائدة المصرفية الخاضعة للرقابة معاملة غير الربا الاستغلالي الذي حرّمه القرآن، كما هو مبسوط في جواب هل فوائد البنوك حرام؟ وثالثها أن الحاجة العامة تُنزَّل منزلة الضرورة، وهي القاعدة التي طبّقها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث على القروض العقارية لشراء البيوت سنة 1999 (هل القرض العقاري لشراء بيت حرام؟). وحيث يُشترط السجل الائتماني لاستئجار مسكن أو للعمل، فالبطاقة المستعملة بحذر تسد حاجة حقيقية.

لماذا تُعدّ ديون بطاقات الائتمان خطرة؟

كان النبي ﷺ يكثر من الاستعاذة بالله من الدين في صلاته:

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»

صحيح البخاري 2397

فلما سُئل عن كثرة استعاذته من المغرم، بيّن أن الرجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف. والأرصدة المدوّرة بفوائد مرتفعة قد تحبس الأسر في الدين سنين، وهنا تقترب بطاقة الائتمان أشد الاقتراب من الظلم الذي ذمّه القرآن. وقال النبي ﷺ أيضاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (صحيح البخاري 2287)، فسداد البطاقة في موعدها من حسن الخلق.

وإن كنت مديناً بالفعل فلا عار عليك، فالقرآن يفسح لك. فهو يأمر الدائنين:

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖ

سورة البقرة: 280

ويجعل ﴿وَٱلۡغَٰرِمِينَ﴾، وهم المثقلون بالديون، من مستحقي الزكاة (سورة التوبة: 60). وفي مدن كثيرة جمعيات خيرية إسلامية ومساجد تعين على قضاء الديون، وفي أغلب البلدان خدمات مجانية للاستشارة في الديون (كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟، ماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟).

كيف يستعمل المسلم بطاقة الائتمان؟

  • سدّد رصيد الكشف كاملاً كل شهر، ويحسن أن يكون ذلك بالدفع التلقائي.
  • لا تنفق إلا ما تملكه فعلاً. عامل البطاقة على أنها أداة للدفع، والتزم بميزانية.
  • تجنّب السحب النقدي وتحويل الأرصدة، فعليهما فوائد أو رسوم من اليوم الأول.
  • انتفع بالمكافآت دون أن تزيد إنفاقك لتحصيلها.
  • اختر بطاقة إسلامية أو بطاقة خصم مباشر إن كان ضميرك يطمئن إليها أكثر.
  • انظر بالطريقة نفسها إلى سائر أنواع الائتمان، كتمويل السيارات والقروض الطلابية (هل تمويل السيارة أو استئجارها حرام؟، هل القروض الطلابية حرام؟).

دعاء للخلاص من الدين

علّم النبي ﷺ دعاءً يجمع الهموم التي تأتي مع المال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (صحيح البخاري 6369). جعل الله مالك سبباً لليسر، وأعتقك من كل عبء للدين، وجعلك سخياً بما آتاك.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل بطاقة الائتمان حرام إذا سددت الرصيد كاملاً؟

لا. فإذا سُدّد رصيد الكشف كاملاً قبل موعد الاستحقاق لم تُحتسب أي فائدة، وصارت البطاقة قرضاً قصيراً بلا فائدة مع خدمة للدفع. ويكره بعض العلماء مع ذلك توقيع شرط الفائدة، فيوصون بالبطاقات الإسلامية أو بطاقات الخصم المباشر.

هل الكاش باك ونقاط المكافآت في بطاقة الائتمان حرام؟

المكافآت تُدفع من الرسوم التي يؤديها التجار مقابل خدمة البطاقة، فهي بمنزلة الخصم أو الهدية من الشركة المصدرة. وهي جائزة، بشرط ألا تتراكم عليك الفوائد سعياً وراءها.

هل بناء السجل الائتماني حرام؟

لا. ففي بلدان كثيرة يُشترط السجل الائتماني لاستئجار مسكن، أو إبرام عقد هاتف، أو شراء بيت. واستعمال البطاقة بحذر وسداد رصيدها كل شهر يبني هذا السجل دون دفع أي فائدة.

ما قول الحنفية في بطاقات الائتمان؟

اختلف علماء الحنفية اليوم: فبعضهم يجيز البطاقة التقليدية لمن يثق بأنه سيسدد رصيدها كاملاً، وبعضهم يفضّل بطاقات الخصم المباشر أو البطاقات الإسلامية. وقد ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني كذلك إلى أن بعض العقود المحرمة بين المسلمين تجوز مع غير المسلمين في بلد لا يخضع لأحكام الإسلام.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 2068 (شراء النبي ﷺ طعاماً بثمن مؤجل)
  2. صحيح البخاري 2397، 2287، 6369 (في الدين)
  3. محمود الجمل (Mahmoud A. El-Gamal)، Islamic Finance: Law, Economics, and Practice (مطبعة جامعة كامبريدج، 2006)
  4. المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، قرار شراء البيوت بالقروض الربوية (الدورة الرابعة، أكتوبر 1999)

الصورة: Richard Mortel, Gold dinar of ʿAbd al-Malik ibn Marwan, dated AH 78 (697–698), 2017. David Collection, Copenhagen. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور