هل القروض الطلابية حرام؟
سؤال رقم 1179
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يأخذ قرضاً طلابياً بفائدة ليموّل دراسته الجامعية أو تدريبه المهني؟
ملخص الجواب
أخذ قرض طلابي لتمويل الدراسة حلال إذا احتيج إليه ولم يوجد بديل عادل بلا فائدة. فالقرآن يرفع الذين أوتوا العلم درجات (سورة المجادلة: 11)، ووعد النبي ﷺ من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً بطريق إلى الجنة (صحيح مسلم 2699). والفقه الإسلامي ينزّل الحاجة العامة منزلة الضرورة، والقروض التي تُسدَّد نسبةً من الدخل ثم يُسقط باقيها بعيدة كل البعد عن الربا الذي كان يهلك الفقراء.
الجواب
الحمد لله

الشهادة الجامعية أو المؤهل المهني هو عند كثير من الشباب المسلمين باب الرزق، وباب العمل الذي ينفع الناس، وباب القدرة على إعالة أسرة. وفي أكثر البلدان يُدفع ثمن هذا الباب بقرض طلابي، فيسأل الطلاب كثيراً: هل الاقتراض للدراسة إثم؟ والقروض الطلابية حلال إذا احتيج إليها للدراسة ولم يوجد بديل عادل بلا فائدة. فالتراث يمدح طلب العلم بأبلغ العبارات، وينزّل الحاجة العامة منزلة الضرورة، وكثير من القروض الطلابية اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عن الربا الذي حرّمه القرآن.
لماذا يُعلي الإسلام شأن التعليم إلى هذا الحد؟
أول ما نزل على النبي ﷺ أمرٌ: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ (سورة العلق: 1). ويسأل القرآن: ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (سورة الزمر: 9)، ويَعِد المؤمنين وأهل العلم بالرفعة: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖ﴾ (سورة المجادلة: 11). بل يعلّم النبيَّ ﷺ نفسه أن يدعو:
وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا
ووصف النبي ﷺ طريق الطالب بكلمات ما زالت تشجّع المتعلمين منذ أربعة عشر قرناً:
«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»
ولم يقصر الفقهاء هذا الثناء على العلوم الشرعية. فقد عدّ الغزالي (ت 505هـ/1111م) في كتاب العلم الذي افتتح به «إحياء علوم الدين» الطبَّ والحساب من فروض الكفاية، وهي العلوم التي تأثم الأمة بإهمالها لأن حياتها قائمة عليها. والأطباء والممرضون والمهندسون والمعلمون والمحامون يحملون هذه الأمانة اليوم. والأمر في ذلك سواء بين النساء والرجال (ماذا يقول الإسلام عن تعليم البنات؟).
هل القروض الطلابية من الربا؟
اختلف العلماء في ذلك. فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي سنة 1985 أن كل زيادة مشروطة على القرض ربا، ويطبّق كثير من العلماء هذا الحكم على كل قرض طلابي بفائدة. وهم ينصحون الطلاب بطلب المنح الدراسية والمعونات وعون الأسرة والقروض المجتمعية بلا فائدة، وبالدراسة بدوام جزئي إن لزم الأمر. ومن أخذ من الطلاب بهذا القول فقد عمل بعلم معتبر، وحرصه جدير بالتقدير.
والقول الأرجح أن القرض الطلابي جائز إذا احتيج إليه، وذلك لثلاثة أسباب.
الحاجة تنزل منزلة الضرورة
من قواعد الفقه الإسلامي أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة. وقد طبّق المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث هذه القاعدة سنة 1999 على المسلمين في أوروبا الذين لا يجدون سبيلاً غير ذلك لشراء بيت للأسرة (هل القرض العقاري لشراء بيت حرام؟). والشاب الذي لا يستطيع أن يدخل مهنة بغير شهادة، ولا يستطيع أن يدفع ثمن الشهادة بغير قرض، يواجه حاجة من النوع نفسه. و﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286).
كثير من القروض الطلابية أشبه بمساهمة من الخريج
آخر ما نزل في الربا يسمّي ظلمه باسمه: ﴿لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 279). وكان الربا في جزيرة العرب يضاعف ديون الفقراء حتى يفقدوا كل ما يملكون. أما القروض الطلابية الحكومية في عدد من البلدان فتعمل على العكس من ذلك. ففي إنجلترا مثلاً يكون السداد نسبةً ثابتة من الدخل الزائد على حدّ معيّن، ولا يجب شيء إذا قلّ الدخل عن هذا الحد، ويُسقط ما بقي من الرصيد بعد عدد محدد من السنين. فالخريج الذي يعاني لا يدفع إلا قليلاً أو لا يدفع شيئاً. ومثل هذا النظام أشبه بمساهمة من الدخل المستقبلي في التمويل العام للجامعات منه بمُقرض يربح من ضائقة الناس.
الفائدة المعاصرة محل خلاف
يرى كثير من العلماء أن الفائدة المنظّمة المعلنة تختلف عن الربا الاستغلالي الذي ذكره القرآن، كما ذهب إليه العالم الباكستاني فضل الرحمن سنة 1964. وتفصيل الخلاف في جواب هل فوائد البنوك حرام؟
ما البدائل عن القرض الطلابي؟
- المنح الدراسية والمعونات، ومنها ما تقدمه المؤسسات الإسلامية والجامعات.
- رعاية جهة العمل وبرامج التدريب المهني، التي تموّل التدريب مقابل العمل.
- القرض الحسن بلا فائدة من المساجد والصناديق المجتمعية حيث وُجدت.
- الزكاة. فالطالب الفقير يجوز أن يأخذ الزكاة، وكذلك الخريج المثقل بالدين، لأن القرآن ذكر الغارمين في مصارفها (سورة التوبة: 60). وانظر جواب كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟
وقد موّلت المجتمعات المسلمة العلم قروناً بالأوقاف التي أنفقت على المدارس والمكتبات وخبز الطلاب. ودعم الطالب اليوم استمرار لهذه السنة.
كيف يتعامل الطالب المسلم مع القرض؟
- اقترض قدر حاجتك للدراسة، وتجنّب القروض الخاصة ذات الفائدة العالية حيث وُجدت البدائل الحكومية أو الإسلامية.
- سدّد في الموعد، وانتفع بكل خطة إعفاء أو سداد مرتبط بالدخل يحق لك الانتفاع بها.
- لا تدع الخوف من الدَّين يمنعك من تعلّم مهارة تحتاج إليها أسرتك ومجتمعك.
- اجعل علمك في الخير. فالشهادة أمانة، وثمرتها خدمة خلق الله.
وفي أسئلة مشابهة عن أنواع الائتمان الأخرى جوابُ هل تمويل السيارات أو تأجيرها حرام؟
دعاء للطالب
روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يقول بعد صلاة الصبح:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً»
سنن ابن ماجه 925، وصححه الألباني
فتح الله لك أبواب العلم، وخفّف عنك كل دين تحمله، وجعل علمك بركة لمن تخدمهم.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل القرض الطلابي في بريطانيا حرام؟
القول الأرجح أنه جائز. فالسداد نسبةٌ من الدخل الزائد على حدّ معيّن، ولا يجب شيء على من قلّ دخله عن هذا الحد، ويُسقط ما بقي من الرصيد بعد عدد محدد من السنين، فهو أشبه بمساهمة من الخريج منه بالدَّين التجاري. ومن أراد من الطلاب أن يتجنبه فله أن يطلب المنح الدراسية والمعونات والقروض المجتمعية.
هل القروض الطلابية الفيدرالية في أمريكا حرام؟
القروض الفيدرالية فيها فائدة، ولذلك ينصح العلماء الذين يحرّمون كل فائدة بتجنبها. فإن احتاج إليها الطالب للدراسة ولم يجد بديلاً عادلاً دخلت في قاعدة الحاجة، وخطط السداد المرتبطة بالدخل تخفف العبء.
هل يجوز سداد القرض الطلابي من الزكاة؟
نعم، للطالب أو الخريج العاجز عن السداد. فالقرآن يذكر الغارمين، أي المثقلين بالديون، في مصارف الزكاة (سورة التوبة: 60).
هل أستعمل مدخراتي بدل القرض؟
إن استطعت أن تموّل دراستك من مدخراتك أو بعون أسرتك دون مشقة، فذلك الطريق الأسلم. فالإذن بالقرض مبنيّ على الحاجة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 2699؛ سنن ابن ماجه 925
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، قرار شراء المنازل بقروض ربوية (الدورة الرابعة، أكتوبر 1999)
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار 10 (10/2) بشأن فوائد البنوك (جدة، 1985)
- الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب العلم
- فضل الرحمن (Fazlur Rahman)، "Riba and Interest"، مجلة Islamic Studies، المجلد 3، العدد 1 (1964)
الصورة: Reda.bnhd, Courtyard of the Qarawiyyin Mosque, Fez, 2019. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور