ماذا يقول القرآن عن الهجرة واللاجئين؟

سؤال رقم 1270

السؤال

ماذا يعلّم القرآن عن الهجرة واللاجئين واللجوء، وما الذي يجب للمجتمعات المضيفة وللقادمين الجدد بعضهم على بعض؟

ملخص الجواب

يكرّم القرآن من يتركون ديارهم فراراً من الظلم، ويعدهم داراً حسنة في الدنيا (سورة النحل: 41). وقد كان إبراهيم وموسى وآل يعقوب والنبي ﷺ مهاجرين جميعاً. ويأمر القرآن المضيفين بإجارة من يستجير (سورة التوبة: 6)، وبمحبة القادمين وإيثارهم (سورة الحشر: 9)، وبالإحسان إلى الجار الجنب وابن السبيل (سورة النساء: 36). ويطلب من القادمين أن يوفوا بعهودهم (سورة الإسراء: 34)، وأن يعيشوا أهلاً لثقة الناس.

﴿۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗ﴾

سورة النساء: 100

الجواب

الحمد لله

The green dome over the Prophet's resting place rises beside a silver dome and tall white minarets above the arcades of the mosque in Medina.

يروي القرآن قصة الإيمان قصةَ أناس يتركون ديارهم، من إبراهيم عليه السلام إلى النبي ﷺ. وفي الهجرة واللاجئين يكرّم القرآن من يتركون ديارهم فراراً من الظلم، ويأمر من يستقبلونهم بإيوائهم ونصرتهم، ويطلب من القادمين الجدد أن يوفوا بعهودهم. والواجبان كلاهما عبادة: فقد أثنى القرآن على المهاجرين ومضيفيهم في آية واحدة (سورة الأنفال: 74).

ما معنى الهجرة في القرآن؟

الهجرة في اللغة الترك ومفارقة الشيء، والمهاجر اسم يذكره القرآن في مقام التكريم. فقد قال إبراهيم حين فارق قومه: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓ﴾ (سورة العنكبوت: 26). ويعد الله من يهاجرون بعد أن ظُلموا داراً حسنة في الدنيا قبل الآخرة:

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ

سورة النحل: 41

وخرج موسى عليه السلام من مصر خائفاً (سورة القصص: 21)، فوجد في مدين أسرة آوته واستأجرته وزوّجته إحدى ابنتيها (سورة القصص: 27). واستقبل يوسف عليه السلام، وقد بيع من قبلُ إلى مصر، أهلَه فيها قائلاً: ﴿ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ (سورة يوسف: 99). وأُخرج النبي ﷺ من مكة (سورة التوبة: 40)، وبهجرته إلى المدينة سنة 622 يبدأ التقويم الإسلامي.

هل يحمي القرآن اللاجئين وطالبي اللجوء؟

يعدّ القرآن الخروج من الظلم حقاً. فالملائكة تسأل من أقاموا حيث يُظلمون: ﴿أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ (سورة النساء: 97)، ويعد المهاجر بأن يجد ﴿مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗ﴾ (سورة النساء: 100). ويقول في أول اللاجئين المسلمين: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ﴾ (سورة الحشر: 8)، ثم يشهد لهم بأنهم هم الصادقون.

ويأمر بإجارة كل من يستجير، ولو كان مشركاً من قوم معادين: ﴿فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥ﴾ (سورة التوبة: 6). وعلى هذه الآية بنى الفقه الإسلامي نظام الأمان، وهو عهد بالسلامة (ماذا يقول الإسلام عن اللاجئين والمهاجرين؟). وفي دراسة أصدرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سنة 2009 بعنوان «حق اللجوء بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي للاجئين»، يبيّن القانوني القاهري أحمد أبو الوفا كيف تحمي الشريعة الإسلامية اللاجئين من كل دين، وتمنع إكراههم على تغيير معتقدهم، وتسعى إلى لمّ شمل أسرهم.

ماذا يطلب القرآن من المجتمعات المضيفة؟

وضع أهل المدينة، وهم الأنصار، المعيار لكل مضيف: فهم ﴿يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ﴾ (سورة الحشر: 9)، ويؤثرون القادمين على أنفسهم ولو كانت بهم حاجة. وآخى النبي ﷺ بين كل مهاجر ورجل من أهل المدينة. ويروي ابن عباس رضي الله عنهما أن المهاجر كان في أول الأمر يرث أخاه الأنصاري دون ذوي رحمه، حتى ردّت آية سورة النساء (33) المواريث إلى الأقارب، وبقي ما استثناه بقوله: «إِلاَّ النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ» (صحيح البخاري 2292). ثم يوسّع القرآن دائرة هذه الرعاية:

وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ

سورة النساء: 36

وينقل المفسر ابن كثير، من علماء القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، عن ابن عباس وغيره من السلف أن «الجار الجُنُب» هو الذي لا قرابة بينك وبينه. وابن السبيل المنقطع عن بلده له نصيب من الزكاة كذلك (سورة التوبة: 60؛ وانظر كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟). وأقسم النبي ﷺ ثلاثاً أنه لا يؤمن «الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» (صحيح البخاري 6016). ومعنى ذلك عند المضيفين أجر عادل للعمال المهاجرين (ماذا يقول الإسلام عن حقوق العمال والأجر العادل؟)، وألا يُسخر من لهجة أحد أو أصله، فقد جعل الله الناس شعوباً وقبائل ﴿لِتَعَارَفُوٓاْ﴾ (سورة الحجرات: 13)؛ وانظر ماذا يقول الإسلام عن العنصرية؟

ماذا يطلب القرآن من المهاجرين؟

أول واجبات القادم الجديد الوفاء بالاتفاقات التي دخل بها. فالتأشيرة وتصريح الإقامة ويمين الجنسية (هل يجوز للمسلم العيش في بلاد غير المسلمين؟) كلها عهود:

وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا

سورة الإسراء: 34

ويعدّ القرآن في أهل البر ﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْ﴾ (سورة البقرة: 177)، ومنع مؤمني المدينة من نصرة إخوانهم المسلمين أنفسهم إذا كانت النصرة ﴿عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ﴾ (سورة الأنفال: 72).

وقد عاش المهاجرون المسلمون الأوائل سنين في الحبشة في جوار ملكها النصراني النجاشي. ويوم مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ» (صحيح البخاري 1327)، ثم صلّى عليه صلاة الجنازة. فشكر المضيف وحفظ جميله من السنة. وأعطى النبي ﷺ الهجرة كذلك معنى باطناً:

«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»

صحيح البخاري 10

فالقادم الذي يصدُق في تجارته، ويحسن إلى جيرانه، ويفي بالقانون، يحمل معه خير ما في الهجرة.

هل يحدد القرآن سياسات الهجرة الحديثة؟

لا يضع القرآن تأشيرات ولا حصصاً ولا إجراءات للحدود. فهذه من السياسة الشرعية، أي تدبير الشؤون العامة، ويختلف فيها المسلمون المخلصون. غير أن القرآن يثبّت الموازين التي تُحاكَم إليها كل سياسة: فمن فرّ من الخطر وطلب الحماية يُبلَّغ مأمنه (سورة التوبة: 6)، وكل ابن لآدم يحمل كرامة منحها الله إياه (سورة الإسراء: 70)، والعدل واجب حتى مع من نبغضهم (سورة المائدة: 8).

دعاء لكل قادم

علّم الله نوحاً عليه السلام، وقد نجّاه في الفلك من القوم الظالمين، دعاءً لمن يبلغ شاطئاً لا يعرفه:

وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ

سورة المؤمنون: 29

بارك الله في منزل كل من ترك داره، وجعل كل مجتمع يستقبله له كالمدينة المنورة.

والله أعلم

أسئلة شائعة

ما السور التي تتحدث عن الهجرة في القرآن؟

أهم المواضع في سورة النساء (97-100)، والأنفال (72-75)، والتوبة (6)، والنحل (41)، والحشر (8-9). وتتبع قصص إبراهيم وموسى ويوسف عليهم السلام كذلك مهاجرين ومن استقبلوهم.

هل يجب على المهاجر أن يلتزم قوانين بلده الجديد؟

نعم. فالتأشيرة وتصريح الإقامة ويمين الجنسية عهود، والقرآن يأمر المؤمنين بالوفاء بالعهود (سورة المائدة: 1، سورة الإسراء: 34). ولا يُستثنى من ذلك إلا قانون يُلزم الإنسان بمعصية الله.

هل يغيّر الوضع القانوني للمهاجر طريقة معاملة المسلمين له؟

الكرامة الإنسانية (سورة الإسراء: 70)، والعدل (سورة المائدة: 8)، وحقوق الجار وابن السبيل، حق لكل إنسان أياً كانت أوراقه. ومسائل الوضع القانوني من شأن القانون والمحاكم، وإحسان المسلم وإنصافه لا ينتظرانها.

ماذا يقول القرآن عن المهاجرين والأنصار؟

يسمّي المهاجرين ومن آووهم ونصروهم المؤمنين حقاً، ويعدهم بالمغفرة والرزق الكريم (سورة الأنفال: 74). ويثني على الأنصار لمحبتهم القادمين وإيثارهم إياهم على أنفسهم (سورة الحشر: 9).

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 10، 1327، 2292، 6016
  2. ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، في تفسير سورة النساء: 36
  3. أحمد أبو الوفا، «حق اللجوء بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي للاجئين: دراسة مقارنة» (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2009)

الصورة: TheHadiRahim, The Green Dome of the Prophet's Mosque, Medina, 2025. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور