هل تأجير الأرحام حرام؟
سؤال رقم 1186
السؤال
هل يجوز للزوجين المسلمين أن يُرزقا ولداً عن طريق أم بديلة، وهل يجوز للمرأة أن تحمل جنيناً لغيرها؟
ملخص الجواب
اختلف العلماء في تأجير الأرحام. فقد حرّمه مجمع الفقه الإسلامي الدولي سنة 1986 حفظاً للأنساب والأمومة، وعلى ذلك أكثر المجامع السنية، ويجيز كثير من فقهاء الشيعة الحمل البديل بلقيحة زوجين. والقول الأرجح، رحمةً بالزوجين اللذين لا تقدر الزوجة منهما على الحمل، جوازه إذا رضيت الأم البديلة رضاً حراً، وعوملت بالعدل، وأُكرمت كما تُكرم الأم من الرضاع، وكان نسب الولد واضحاً.
الجواب
الحمد لله

من النساء من لا تقدر على الحمل: امرأة وُلدت بلا رحم، أو امرأة استُؤصل رحمها لتنجو من السرطان، أو امرأة لا يحتمل قلبها الحمل. وقد تكون بويضاتها سليمة، وماء زوجها سليماً كذلك، ومع ذلك لا ينمو في بطنها حمل. ولمثل هذين الزوجين قد تكون المرأة التي تحمل لقيحتهما السبيلَ الوحيد إلى أن يحتضنا ولدهما. وقد اختلف العلماء في تأجير الأرحام: فالمجامع الفقهية السنية الكبرى تحرّمه، وكثير من فقهاء الشيعة يجيزون الحمل البديل. والقول الأرجح، رحمةً بهذه الأسر، جواز الحمل البديل إذا رضيت الأم البديلة رضاً حراً، وعوملت بالعدل، وأُكرمت، وكان نسب الولد واضحاً.
ما تأجير الأرحام؟
في الحمل البديل تُلقَّح بويضة الزوجة بماء زوجها بطريقة أطفال الأنابيب، ثم تُنقل اللقيحة إلى رحم امرأة أخرى تحمل الجنين وتلده، فيكون الولد من الزوجين وراثياً. أما في الأمومة البديلة التقليدية فتُستعمل بويضة الحامل نفسها، فتكون هي أيضاً الأم الوراثية. وهذه الصورة الثانية تضيف مسألة مستقلة هي التبرع بالبويضات، وقد فُصّلت في جواب هل أطفال الأنابيب حرام؟، وأكثر هذا الجواب في الصورة الأولى.
لماذا تحرّم المجامع الفقهية السنية تأجير الأرحام؟
في أكتوبر 1986 نظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي، في دورته المنعقدة بعمّان، في سبعة أساليب للإنجاب بمساعدة الطب. فأجاز التلقيح الخارجي والتلقيح الداخلي بماء الزوج وبويضة الزوجة في رحم الزوجة نفسها. وحرّم في قراره رقم 16، فيما حرّم، أن تُزرع لقيحة الزوجين «في رحم امرأة متطوعة بحملها» أو في رحم الزوجة الأخرى للزوج، لما يترتب على ذلك من «اختلاط الأنساب» و«ضياع الأمومة». ثم عاد سنة 1990 فقرر أنه «يحرم استخدام البييضة الملقحة في امرأة أخرى» (القرار 55). وعلى هذه القرارات أكثر علماء أهل السنة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
وأعمق ما يشغلهم حقُّ الولد في أن يعرف أمه. فكثير منهم يستدل بقول الله في الرجال الذين جعلوا زوجاتهم كأمهاتهم: ﴿إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡ﴾ (سورة المجادلة: 2). فإن كانت الولادة هي التي تجعل المرأة أماً، فالأم البديلة هي الأم عندهم، والمرأة التي تكوّن الولد من بويضتها لا تبقى لها صلة معترف بها. ويخشون كذلك أن تُستأجر أرحام الفقيرات. والمسلمون الذين يتّبعون هذه المجامع يعملون بعلم معتبر، وحرصهم على الأطفال والنساء جدير بالاحترام.
لماذا يجيز كثير من فقهاء الشيعة الحمل البديل؟
انتهى كثير من فقهاء المذهب الجعفري إلى قول آخر، وإن كان بعض فقهاء الشيعة يحرّمه. فكثير من مراجع الشيعة يجيزون نقل لقيحة الزوجين إلى رحم امرأة أخرى، ويرون أن نسب الولد يتبع أبويه الوراثيين. ويُعمل بالحمل البديل في إيران تحت إشراف طبي، إلى جانب برامج التبرع التي ينظّمها القانون الإيراني منذ سنة 2003. وهذا اجتهاد معتبر داخل التراث (ما الفرق بين السنة والشيعة؟).
ما القول الأرجح في تأجير الأرحام؟
القول الأليق برحمة القرآن جواز الحمل البديل، لأربعة أسباب:
- النسب واضح. فأبو الولد وأمه زوجان يعرفهما الجميع، والعيادات الحريصة والأنظمة القانونية تثبت نسب الولد منذ ولادته، فلا يقع اختلاط الأنساب الذي خشيته المجامع.
- آية الظهار في مسألة أخرى. فسورة المجادلة تردّ على رجال أرادوا أن يجعلوا زوجاتهم «أمهات» بكلمة يقولونها. فهي تنفي أن يصنع القولُ أمّاً، ولا تتناول جنيناً تحمله امرأة أخرى، وهو أمر لم يكن يخطر لأحد في ذلك الزمان.
- القرآن يعرف أكثر من نوع من الأمومة. فهو يسمّي المرضعات أمهاتٍ لمن أرضعنه:
وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ
وقد بنى الفقه الإسلامي على هذه الصلة باباً كاملاً من الأحكام. والمرأة التي تحمل الولد تسعة أشهر تبذل من جسدها ما لا يقل عما تبذله التي ترضعه حولين، فيمكن أن تُكرم صلتها به على النحو نفسه.
- الرحمة بمن حُرموا الولد. فحفظ النسل من مقاصد الشريعة، وإعانة زوجين لا تقدر الزوجة منهما على الحمل على أن يُرزقا ولدهما تخدم هذا المقصد.
ولهذا الإذن شروط صارمة. فلا بد أن تختار الأم البديلة بإرادتها الحرة، دون ضغط من فقر أو أسرة. ولا بد أن تُحفظ صحتها، وتُدفع نفقاتها، وتستمر رعايتها بعد الولادة. ولا بد أن يجري الأمر وفق قانون البلد، وكثير من البلدان تقيّد تأجير الأرحام التجاري منعاً لاستغلال الفقيرات.
كيف تُكرم الأم البديلة؟
كان للنبي ﷺ نفسه أمهات من الرضاع. فقد ذكر ثويبة على أنها أرضعته، وعدّ هذه الصلة قرابة حقيقية، فامتنع من أجلها عن زواج (صحيح البخاري 5101). والولد المولود من حمل بديل يمكن أن يُربّى على معرفة المرأة التي حملته واحترامها، وأن تبقى بين الأسرة وبينها صلة شكر مدى العمر.
ما الطرق الأخرى المتاحة؟
للزوجين اللذين يتّبعان المجامع السنية أن يلجآ إلى أطفال الأنابيب بلقيحتهما في رحم الزوجة نفسها حيث أمكن ذلك، أو أن يجمّدا البويضات لوقت لاحق (هل يجوز تجميد البويضات في الإسلام؟). وكثير من الأسر تستقبل طفلاً بالكفالة، وهي الصورة الإسلامية لاحتضان الطفل ورعايته (هل يجوز تبني طفل في الإسلام؟). أما مسائل إنهاء الحمل فمستقلة، وجوابها في ما حكم الإجهاض في الإسلام؟
دعاء في الختام
دعا إبراهيم عليه السلام، وقد كبرت سنّه ولم يُرزق ولداً:
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ
اللهم استجب لكل زوجين يدعوانك بهذا الدعاء، وبارك في كل امرأة تعين أسرة أخرى على أن تحتضن ولدها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم أن تكون المرأة أماً بديلة؟
تحرّمه المجامع السنية. وعلى قول كثير من فقهاء الشيعة والقول الأرجح المبيَّن هنا، يجوز للمرأة أن تحمل لقيحة زوجين إذا اختارت ذلك بحرية، وحُفظت صحتها، وعوملت بالعدل. ولا ينبغي أبداً أن يدفعها الفقر أو ضغط الأسرة إلى ذلك.
من أمّ الولد المولود من رحم بديل؟
على قول فقهاء الشيعة الذين يجيزون الحمل البديل، الأم الوراثية هي أم الولد في النسب والميراث. وللمرأة التي ولدته صلة إكرام، ويعاملها كثير من الفقهاء معاملة الأم من الرضاع، فلا يحل للولد نكاحها، وعليه أن يوقّرها طوال عمره.
هل تجوز الأمومة البديلة التقليدية ببويضة الحامل نفسها؟
في الأمومة البديلة التقليدية بويضة من غير الزوجة كذلك، فحكمها تابع لحكم التبرع بالبويضات والنطف. فالمجامع السنية تحرّمها، ويجيزها فقهاء الشيعة الذين يجيزون التبرع بالبويضات، ويُنسب الولد عندهم إلى أبويه الوراثيين.
ماذا يقول علماء الحنفية في تأجير الأرحام؟
يتّبع علماء الحنفية في الغالب، كسائر المذاهب السنية، تحريمَ مجمع الفقه الإسلامي. ولمن يأخذ بقولهم أن يلجأ إلى أطفال الأنابيب بلقيحة الزوجين، أو أن يستقبل طفلاً بالكفالة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار 16 (4/3) بشأن أطفال الأنابيب (عمّان، 1986)
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار 55 (6/6) بشأن البييضات الملقحة الزائدة (جدة، 1990)، في Resolutions and Recommendations (الطبعة الإنجليزية الثالثة، 2024)
- مارشا إنهورن (Marcia C. Inhorn)، "Making Muslim Babies: IVF and Gamete Donation in Sunni versus Shi'a Islam"، مجلة Culture, Medicine and Psychiatry، المجلد 30 (2006)
- صحيح البخاري 5101 (في الرضاع من ثويبة)
الصورة: Bgag, The Shah-i-Zinda necropolis, Samarkand, 2023. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور