القدر في الإسلام: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟

سؤال رقم 1217

السؤال

هل يؤمن المسلمون بأن كل شيء مقدّر سلفاً، وإن كان كذلك فهل للإنسان إرادة حرة؟

ملخص الجواب

الإيمان بالقدر، أي بعلم الله وتقديره وقدرته على كل شيء، ركن من أركان الإيمان الستة. والقرآن يقرنه باختيار حقيقي للإنسان ومسؤولية عن عمله: فمن شاء آمن ومن شاء كفر (سورة الكهف: 29)، والله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم (سورة الرعد: 11). وقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالعمل، وبأن يعقلوا الناقة ثم يتوكلوا. فالقدر مصدر سكينة، ولا يكون أبداً عذراً للظلم أو اليأس.

الجواب

الحمد لله

A brass astrolabe with an ornate suspension crown, its pierced star-map plate laced with curling pointers above engraved Arabic script.

يعلّم الإسلام الإيمان بالقدر: أن الله يعلم كل شيء، وأنه لا يقع شيء خارج مشيئته وقدرته، وأن الأشياء كلها تجري بتقديره. وقد جعله النبي ﷺ في حديث جبريل آخر أركان الإيمان الستة: «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (صحيح مسلم 8). ويعلّم الإسلام بالقوة نفسها أن الإنسان يختار حقاً، وأنه يُسأل عن اختياره. والقرآن يجمع الأمرين بلا تكلّف:

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ

سورة الكهف: 29

فالقدر في الإسلام تعليم عن عظمة الله وعنايته، لا جبرية فيه، ولا يكون أبداً عذراً للظلم.

ما معنى القدر؟

القدر في اللغة المقدار والتقدير: فقد جعل الله لكل شيء قدره. ويذكر كثير من العلماء له أربع مراتب: العلم، فالله يعلم الأشياء كلها قبل وقوعها؛ والكتابة، فقد كتبها (سورة الحديد: 22)؛ والمشيئة، فلا يقع شيء إلا أن يشاءه؛ والخلق، فهو خالق كل شيء، وأفعال العباد من خلقه. وليس في شيء من ذلك ما يجعل الله فاعلاً للظلم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ﴾ (سورة الأعراف: 28)، وقد حرّم الظلم على نفسه.

وقد بيّن القرآن الحكمة من هذا التعليم. فهو يخبر المؤمنين أن كل مصيبة كانت في علم الله من قبل، ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡ﴾ (سورة الحديد: 23). فالقدر يثبّت القلب عند الفقد، ويحفظ عليه تواضعه عند النجاح.

هل للمسلم إرادة حرة؟

نعم. فالقرآن يخاطب كل قارئ على أنه يختار: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (سورة الإنسان: 3). وقد عُرّفت النفس فجورها وتقواها، ثم ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (سورة الشمس: 9-10). وفي موضع آخر: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (سورة النجم: 39). وتغيير المجتمع يبدأ من الناس أنفسهم:

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ

سورة الرعد: 11

وقد سأل الصحابة السؤال الذي يخطر لكل أحد. فلما أخبرهم النبي ﷺ أن مقعد كل إنسان من الجنة أو النار قد كُتب، قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال:

«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»

صحيح البخاري 4949

فعلم الله لا يطوّق عنق أحد بقيد. وما من أحد يعمل بما كُتب، لأنه لم يطّلع عليه أحد. وكل إنسان يلقى الحياة باختياره، وعلم الله يحيط بهذا الاختيار دون أن يُكرهه عليه.

كيف فسّرت المدارس الكلامية القدر؟

تناظر المتكلمون المسلمون في هذه المسألة قروناً، وتكشف أجوبتهم عن سعة التراث:

  • المعتزلة قدّموا عدل الله. فالإله العادل في نظرهم لا يعاقب الناس على أفعال أجبرهم عليها، فلا بد أن يكون الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأفعاله.
  • الأشاعرة قدّموا قدرة الله. فالله يخلق كل فعل، والإنسان «يكتسبه» باختياره (الكسب)، ولذلك يتحمّل تبعته.
  • الماتريدية، أتباع أبي منصور الماتريدي (ت 944م) من سمرقند، أعطوا اختيار الإنسان وزناً أكبر: فالإنسان يختار حقاً، والله يخلق الفعل عند اختياره. وعلى عقيدتهم أكثر الحنفية.
  • الإمامية الاثنا عشرية تقول، في كلمة تُنسب إلى الإمام جعفر الصادق ورواها الكليني في «الكافي»: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين».

وقد ردّت هذه المدارس كلها قول الجبرية الذين جعلوا الإنسان كالريشة في مهب الريح. فعقيدة المسلمين قامت دائماً على مسؤولية حقيقية، ومعها حرية حقيقية.

هل الإيمان بالقدر يعني ترك السعي؟

لا. فقد سأل رجل النبي ﷺ: أيعقل ناقته ويتوكل، أم يطلقها ويتوكل؟ فقال: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (جامع الترمذي 2517، وحسّنه الألباني).

ولما وقع الوباء بالشام، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريقه إليها، عزم على الرجوع. فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فأجابه عمر:

«نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ»

صحيح البخاري 5729

ثم ضرب له مثلاً: لو كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ فالأخذ بالأسباب، وطلب الدواء، والعمل، والتدبير، كلها من القدر. وكذلك الدعاء: فقد قال النبي ﷺ: «لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ» (جامع الترمذي 2139، وحسّنه الألباني). وانظر جواب كيف أدعو الله؟، وللقرارات الصعبة جواب ما كيفية صلاة الاستخارة ودعائها؟

هل ما أعانيه هو قدري؟

يتلقى المؤمن الشدائد على أنها في علم الله وتحت رعايته. وقد قال النبي ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ … إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (صحيح مسلم 2999).

ولا يكون القدر أبداً سبباً للرضا بظلم يمكن تغييره. فالزوج المؤذي، وصاحب العمل المستغلّ، والحاكم الفاسد، لا يحق لأحد منهم أن يقول «هكذا كُتب» ليتنصّل من مسؤوليته، ولا يلزم المظلومَ أن يسكت على ظلمه. ولا يكون القدر كذلك سبباً للوم المبتلى، فالاكتئاب والحزن ليسا علامة على ضعف الإيمان (هل الاكتئاب علامة على ضعف الإيمان؟). وعن الغاية الكبرى من الحياة انظر جواب لماذا خلقنا الله؟

كلمة في الختام

كان ابن عباس رضي الله عنهما غلاماً رديفاً للنبي ﷺ ذات يوم، فسمع منه كلمات ما زال المسلمون يعلّمونها أبناءهم إلى اليوم:

«احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»

جامع الترمذي 2516، وصححه الألباني

فالإيمان بالقدر والسعي في الدنيا جناحان لإيمان واحد. اعقل ناقتك، وادعُ ربك، ثم دع ما بقي للذي قدّر كل شيء برحمته.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يغيّر الدعاء القدر؟

قال النبي ﷺ: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» (جامع الترمذي 2139، وحسّنه الألباني). ويبيّن العلماء أن الدعاء نفسه من قدر الله: فقد قدّر الإجابة وقدّر معها الدعاء.

إذا كان الله يعلم ما سأفعل، فهل أنا حر؟

علم الله بالاختيار لا يُكره عليه. فأن تعلم ما سيختاره إنسان بإرادته شيء، وأن تجبره عليه شيء آخر، والقرآن يخاطب كل إنسان على أنه يختار ويُسأل عن اختياره (سورة الكهف: 29؛ سورة النجم: 39).

هل الزواج والزوج مكتوبان؟

كل شيء في علم الله، ومنه من ستتزوج. ومع ذلك فأنت تختار: فالإسلام يشترط رضا الزوجين الحر، وقد علّم النبي ﷺ صلاة الاستخارة لمثل هذه القرارات.

ما عقيدة الشيعة في القدر؟

تقول العقيدة الإمامية الاثنا عشرية: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»، وهي كلمة تُنسب إلى الإمام جعفر الصادق: فقدرة الله تحيط بكل شيء، والإنسان يختار حقاً ويُسأل عن اختياره.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح مسلم 8 (حديث جبريل: الإيمان بالقدر)
  2. صحيح البخاري 4949 و5729 («اعملوا»؛ «نفر من قدر الله إلى قدر الله»)
  3. جامع الترمذي 2517 و2139 («اعقلها وتوكل»؛ الدعاء والقضاء)
  4. أبو منصور الماتريدي، «كتاب التوحيد»
  5. الكليني، «الكافي»، كتاب التوحيد (لا جبر ولا تفويض)

الصورة: Muhammad Zaman al-Munajjim al-Asturlabi, Planispheric astrolabe, Mashhad, 1654–1655. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور