لماذا ترث المرأة نصف الرجل في الإسلام؟

سؤال رقم 1061

السؤال

لماذا يجعل نظام الميراث في الإسلام للبنت نصف نصيب الابن، وهل يجوز للأسر أو الدول المسلمة أن تعطي النساء أنصبة مساوية؟

ملخص الجواب

قاعدة القرآن في أن للذكر مثل حظ الأنثيين تخص الأولاد والإخوة، في نظام كان الرجل فيه يدفع المهر ويتحمل نفقات الأسرة كلها، وتحتفظ المرأة بمالها لنفسها. وفي حالات أخرى ترث المرأة مثل الرجل أو أكثر. ولما كان الحكم قائماً لتحقيق العدل، فللأسر أن تسوي بين البنات والأبناء بالهبة في الحياة، وأكثر الفقهاء على وجوب التسوية فيها، وقد اتجه عدد من الفقهاء والدول المسلمة نحو المساواة في الميراث.

الجواب

الحمد لله

A gold coin on dark cloth with Arabic inscriptions in plain Kufic letters across its face and around its rim.

السؤال في محله، وجوابه يبدأ بما صنعه القرآن للمرأة. فقبل الإسلام كان كثير من العرب لا يورّثون النساء إلا قليلاً، أو لا يورّثونهن أصلاً. فجعل القرآن لكل بنت وزوجة وأم وأخت نصيباً مفروضاً لا يملك قريب أن ينتزعه. وأما مضاعفة نصيب الابن فتكون في حالات بعينها، وقد شُرعت في نظام أسري كان الرجل يتحمل فيه كل الأعباء المالية، وتحتفظ المرأة بمالها لنفسها. والقول الصحيح أن هذه الأنصبة شُرعت لتحقيق العدل، وأن للأسر المسلمة اليوم أن تستعمل الوسائل التي تتيحها الشريعة نفسها لتعطي البنات نصيباً مساوياً.

ماذا غيّر القرآن في ميراث المرأة؟

تعلن أول آية في آيات المواريث مبدأً كان جديداً في جزيرة العرب:

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا

سورة النساء: 7

فصارت النساء وارثات بحق، بأنصبة فرضها الله. وجعل القرآن المهر ملكاً خالصاً للعروس (سورة النساء: 4)، وأعطى المرأة ملكية ما تكسبه (سورة النساء: 32)، في إصلاح أوسع مبسوط في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟

متى ترث المرأة نصف الرجل؟

الآية التي تقرر مضاعفة النصيب هي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ﴾ (سورة النساء: 11). والحكم نفسه في الإخوة والأخوات الأشقاء ولأب (سورة النساء: 176). لكنه لا يحكم كل امرأة في كل تركة:

  • الوالدان. إذا ترك الميت ولداً أخذ كل من الأم والأب السدس (سورة النساء: 11).
  • الإخوة لأم. الإخوة والأخوات من جهة الأم يقتسمون بالتساوي (سورة النساء: 12).
  • البنات مع الأقارب الذكور. المرأة التي تموت عن بنتين وزوج وأخ تأخذ كل بنت من تركتها الثلث، ويأخذ زوجها الربع، ويأخذ أخوها الباقي، وهو نصف السدس.

لماذا كان للابن ضعف نصيب البنت؟

علّل العلماء المتقدمون مضاعفة النصيب بالواجبات التي وضعتها الشريعة على الرجال. فالزوج يدفع المهر، وعليه نفقة زوجته وأولاده من سكن وطعام وكسوة، وكثيراً ما تلزمه نفقة أمه الأرملة وأخواته غير المتزوجات، في حين يبقى مال زوجته وكسبها وميراثها لها خالصاً، لا يلزمها أن تنفق منه شيئاً على البيت. فكان الابن يأخذ أكثر لأنه كان يُنتظر منه أن ينفق على غيره أكثر. وقد أثارت أم سلمة رضي الله عنها هذه المسألة في زمانها، فقالت: «يَغْزُو الرِّجَالُ وَلاَ يَغْزُو النِّسَاءُ وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ» (جامع الترمذي 3022)، وفي الرواية أن الله أجابها بالآية 32 من سورة النساء، التي تجعل لكلٍّ من الرجال والنساء نصيباً مما اكتسب: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَ﴾ (سورة النساء: 32).

لقد قام الحكم على بنية معينة، وهذه البنية تغيرت في أسر كثيرة. فالنساء اليوم يكسبن الأجور، وينفقن على الوالدين، ويتحملن نفقات البيت، وكثيراً ما لا يعولهن أحد. وأمر القرآن هو العدل:

۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ

سورة النحل: 90

فإذا تغيرت علة الحكم سأل العلماء الأمناء عن أفضل ما يحقق مقصوده. ومقاصد الشريعة تتجه إلى المساواة في النتيجة حيث تتحمل المرأة أعباء مساوية.

هل يجوز للأسرة أن تعطي البنات نصيباً مساوياً؟

يجوز ذلك، بوسائل يعترف بها التراث نفسه.

الهبة في الحياة

للوالد أن يهب أولاده من ماله في حياته. فحين أعطى والد النعمان بن بشير ابنه عطية، وجاء يُشهد النبي ﷺ عليها، سأله النبي ﷺ:

«أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا … فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ»

صحيح البخاري 2587

فرجع الأب فردّ عطيته. وفهم أكثر الفقهاء من قوله «مثل هذا» التسوية في الهبة بين الأبناء والبنات، وذهب أحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن الشيباني إلى أن الهبة تكون على قدر أنصبة الميراث. وفي رواية عن ابن عباس الأمرُ بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأنه لو فُضّل أحد لفُضّلت النساء، وقد حسّن ابن حجر إسنادها، وضعّف غيره أحد رواتها. وكثير من الآباء والأمهات المسلمين اليوم يهبون بناتهم في حياتهم بيوتاً أو مدخرات أو أسهماً، حتى ينتهي كل ولد إلى مثل ما ينتهي إليه الآخر. والعدل بين الأولاد مبحوث بتوسع في جواب هل يحرم تفضيل أحد الأولاد؟بالإنجليزية

الوصية وتراضي الورثة

تجوز الوصية في حدود ثلث التركة لغير الورثة. وقد قال النبي ﷺ: «فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (سنن أبي داود 2870)، وأكثر المذاهب تجيز هذه الوصية إذا أجازها سائر الورثة. والإخوة الذين يختارون أن يقتسموا التركة مع أخواتهم بالتساوي بعد أن تؤول إليهم يفعلون ما تبيحه الشريعة إباحة تامة.

ماذا فعلت الدول والعلماء المسلمون؟

سوّى القانون المدني التركي سنة 1926 بين البنات والأبناء في الميراث. ورأى المفكر السوداني محمود محمد طه، في كتابه «الرسالة الثانية من الإسلام» (1967)، أن الآيات المكية تحمل رؤية القرآن الباقية في المساواة في الكرامة، وأن كثيراً من الأحكام المدنية جاءت استجابة لحاجات مجتمع القرن السابع الميلادي، وقد أُعدم بسبب آرائه سنة 1985. وفي نوفمبر 2018 أقرّ مجلس الوزراء التونسي مشروع قانون يجعل المساواة في الميراث هي الأصل، ويترك للأسر التي تريد ذلك أن تأخذ بالأنصبة الموروثة، لكن البرلمان لم يقرّه قط.

وهذه الخطوات لا تزال موضع نقاش، وكثير من الأسر تتبع الأنصبة الموروثة بإخلاص تام. والذي يتفق عليه الجميع هو أمر القرآن بأن تنال كل بنت ما هو لها، لا يأخذه منها أخ، كما لا يزال يحدث في أماكن كثيرة. والحجة الأوسع لمساواة المرأة مبسوطة في جواب هل النسوية تتوافق مع الإسلام؟، والميراث بين أهل الأديان المختلفة في جواب هل يرث المسلم من والده غير المسلم؟بالإنجليزية، وحقوق المرأة في الزواج في جواب ما هو المهر؟بالإنجليزية

قوّامين بالقسط

۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ

سورة النساء: 135

جعلنا الله عادلين مع بناتنا وأبنائنا، وبارك في مال كل أسرة بالإنصاف والمحبة.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل ترث المرأة دائماً نصف ما يرثه الرجل؟

لا. فالنصف خاص بالأبناء والبنات، وبالإخوة والأخوات لأب. فالأم والأب يأخذ كل منهما السدس إذا كان للميت ولد، والإخوة لأم يقتسمون بالتساوي (سورة النساء: 12)، وفي بعض التركات تأخذ البنت أكثر من قريب ذكر.

هل يجوز للأب المسلم أن يعطي ابنته مثل ما يعطي ابنه؟

نعم. فله أن يهب أولاده في حياته، وأكثر الفقهاء على أن هذه الهبات تكون بالتساوي بين الأبناء والبنات، عملاً بأمر النبي ﷺ بالعدل بين الأولاد.

هل يجوز لي أن أكتب وصية أسوّي فيها بين بناتي وأبنائي؟

تجوز الوصية في حدود الثلث لغير الورثة. أما الوصية لوارث فتحتاج في أكثر المذاهب إلى إجازة سائر الورثة، ولذلك تحقق أسر كثيرة المساواة بالهبة في الحياة أو بتراضي الورثة.

ما رأي الشيعة في ميراث المرأة؟

يجعل الفقه الجعفري للابن أيضاً مثل حظ البنتين، لكنه يجعل البنات يحجبن الأقارب الذكور الأبعد، فالبنت الوحيدة قد ترث التركة كلها. والهبات وتراضي الورثة متاحة للأسر الشيعية كذلك.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 2587 (اعدلوا بين أولادكم)
  2. سنن أبي داود 2870 (لا وصية لوارث)
  3. ابن حجر العسقلاني، «فتح الباري»، في الهبة للأولاد
  4. محمود محمد طه، «الرسالة الثانية من الإسلام»، وترجمها عبد الله أحمد النعيم: The Second Message of Islam (Syracuse University Press، 1987)
  5. معهد بيكر، Stumbling Block: Inheritance and Women's Rights in Tunisia (2021)

الصورة: Richard Mortel, Gold dinar of ʿAbd al-Malik ibn Marwan, dated AH 78 (697–698), 2017. David Collection, Copenhagen. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور